تحوّل عيد الحب الذي وسم شهر فبراير/ شباط بوروده وهداياه، وباللون الأحمر، إلى ظاهرة غريبة، أو لنقل طريفة.
فخلال السنوات الأخيرة، ومع التوسع الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي، تغيّرت ملامح المناسبة من لحظة حميمية بين عاشقين يعبرّ عنها كل عاشق بأسلوبه وطريقة استيعابه لمفهوم الحب، إلى حدث استعراضي واسع النطاق، بل أستطيع أن أؤكد أنّه بات ظاهرة عالمية بعد أن كان حكرًا على بعض الدول المسيحية.
ففي زمن الخوارزميات، التي حوّلت العالم إلى قرية نعيش فيها تحت سلطة هذه القوّة الجبّارة التي باتت أقوى منّا فتدفعنا شئنا أم أبينا إلى تحويل تلك اللّحظة الخاصة جدًا بين قلبين وروحين إلى مجرد “محتوى” للنشر، وصور مُصمَّمة بإتقان وجودة عالية لتنال الرواج الضروري، وهدايا وابتسامات وورود مصفوفة بعناية كي تليق بالاحتفال تحت ضوء الكاميرا، أصبحت لحظة العشق عندئذ مثل مشهد تمثيلي في فيلم يجسده العاشقان أمام عدسة الهاتف مثل الممثلين، ويضيع في الأثناء إيقاع نبضة القلب الحقيقية، فلا ينصت إليها حتى أصحابها، فقط لأنّهم مشغولون بـ”الإعلان” عن هذا الحب كما يليق بالمشهد الذي يجب أن يتفرّد بشيء ما عن السائد. سطوة المشهدية وما تتطلبه من بهرج وضوء تجعل المظهر اللامع للحظة الحبّ تغلب على جوهره كأهمّ إحساس بشري يستطيع أن يربط بين اثنين.
ومنذ بداية شهر فبراير من كل سنة تنطلق الاستعدادات، وتبدأ الظاهرة في الانتشار مثل حمُى تزيد حرارتها في الارتفاع مع تقدم الأيام حتى بلوغ اليوم الموعود ليكون الذروة: باقات ورد حقيقية وبلاستيكية وافتراضية قابلة للمشاركة على فيديوهات قصيرة للنشر على وسائل التواصل الإجتماعي أكثر من كونها فيديوهات صُنعت لتخلّد الذكرى. رسائل حبّ ومعايدات تُكتب مكثفة لتحتملها نصف الدقيقة الزمنية التي تخصصها تطبيقات وسائل التواصل للتعبير عن مشاعر تلك اللحظة كما تفرضها شروط التطبيقات أمام الشاشة، وليس لتكشف عن عمق الأحاسيس لتسكن بين حناني العاشقين. هنا نرى بأمّ عيننا أنّ الحب الذي يُعدّ كائنًا سحريًا يربط بين النفوس والأرواح قد تحوّل إلى “مؤشّر تفاعل” يُقاس بعدد الإعجابات والمشاهدات، فيما يتراجع سرّه الأعمق إلى الهامش، مثلما يتراجع إيقاع موسيقى سيمفونية رائعة فتخفت ثمّ تضيع وسط ضجيج السوق الرقمية.
نصف قرن من الانتظار
في ظل هذه الفوضى العارمة من طوفان الحب والعشق، وأكوام الورود والهدايا اللامعة، والعدد الهائل من القلوب المطعونة التي يسيل دمها يائسًا خارجًا من ثقوب الهواتف، أتذكّر عملًا أدبيًا يروي قصة حبّ خرافية جعلتها خالدة، إنّها رواية “الحب في زمن الكوليرا” لغابرييل غارسيا ماركيز.
نعم، هذه الرواية الضاربة في الزمن بجذور مشاعر إنسانية لا تموت من فرط صدقها لا تكتفي بسرد قصّة رومانسية فقط، بل تقدم لنا في واقع الأمر فلسفة كاملة عن جوهر العشق، مثل قوة وكينونة وجودية قادرة على تحدي الزمن والمرض والشيخوخة.
فلورنتينو أريثا، الشاب الفقير الذي يعمل في البريد، يقع في حب أفيرمينا داثا، الفتاة الجميلة ابنة العائلة الثرية. يتبادلان رسائل مشبعة بالوله، لكن الطبقية المجتمعية تقف حاجزًا بينهما. أفيرمينا تضطر للزواج من الطبيب الثري خُفينال أوربينو، تاركة فلورنتينو في مواجهة فراغ مفزع.
ومع ذلك، لا ينطفئ العشق في قلبه. يعيش حياة مزدوجة، يدخل في علاقات عابرة كثيرة، ولكنها لا تمس جوهر روحه التي ستظل مشدودة إلى أفيرمينا طيلة زمن مهول. خمسون عامًا من الانتظار، خمسون عامًا من الصبر، حتى تجود الأقدار بحادثة موت الزوج.
عندئذ يعود فلورنتينو إلى حبيبته، ليعلن لها أنه ظل يحبها طوال تلك العقود من الوحدة والصبر. ترفضه في البداية، لكن مع مرور الوقت تكتشف هي الأخرى أن هذا الحب العجيب لم يمت في أعماقها، بل ظل يتنفس تحت جلدها كما يتنفس في شرايينه هو.
في شيخوختهما، يبحران معًا في رحلة نهرية، رافعين علم الكوليرا كذريعة للعزلة، وقد قرّرا أن يواصلا الرحلة إلى ما لا نهاية.
جوهر العشق مرض لذيذ بلا علاج
ما قدمه ماركيز في هذا العمل الخالد هو صورة للحب الحقيقي باعتباره مرضًا لذيذًا رغم آلامه، فهو مثل الكوليرا التي لا علاج لها في ذلك الزمن سوى الاستسلام.
يقول فلورنتينو بطل الرواية ذات يوم: “العشق أقوى من الجوع والعطش”، مشبهًا إياه بوباء ينتشر في الدم ولا يمكن علاجه. هنا في هذه الرواية التي حوُلت إلى فيلم يتجسد العشق مثل تيار كهرباء يتدفق في شبكة الشرايين مع تدفق الدم في كامل الجسد، إنّه بمثابة سحر يسكن تحت الجلد يتنفس من ثقوبه، ولا فكاك منه إلا بالموت. إنها نوعية من المشاعر التي تتحدى الزمن، لتثبت أن الحب يمكن أن يستمر في الحياة مع الإنسان حتى في شيخوخته، ولعله يصبح حينها أكثر عمقًا وثباتًا وقوّة لمواجهة الفناء.
قوّة الصبر وهشاشة الصورة
يُعاش الحب بمنطق يشبه منطق زمانه. فالمشاعر والعلاقات في زمننا هذا تُعاش على المنصات وفي الفضاءات الافتراضية، وهي خالية تمامًا من منطق يعد الآن باليًا، وهو أنّ مثل هذه المشاعر تحتاج الي الكتمان والصبر والتروّي.
سرعة الاستهلاك في زمننا هذا تملي سرعة الإيقاع في العلاقة: منشور على صفحة فيسبوك يؤكد حرارة المشاعر، يزدهر ساعات بعدد اللايكات ثم يغيب، “ستوري” تصوّر لحظة عناق في سهرة مثلًا، ثمّ تختفي بعد 24 ساعة، تصعيد متسارع للفت الانتباه عبر لقطات مصورة متواترة ومبهرة، ثم فتور يجرّ إلى لقطات أشدّ بهرجة بعد سويعات. مد وجزر في تصوير العلاقة، وتداخل بين الرغبة في التعبير عمّا يختلج داخل النفس، مع ضغط بسبب تسارع الإيقاع الافتراضي الذي لا يهدأ ويبتلع كل ما يقدم له مثل بلاعة.
وبدل أن يعيش العاشقان علاقتهما في الداخل يتحولان الى ممثلين يؤديان أدوارًا أمام جمهور غير مرئي، والأهمّ غير معني، إذ ليس له من دافع سوى فضول اللحظة، أو التلصّص على المعارف. وتصبح الصورة الممثلة للعلاقة مدعوّة إلى اصطياد المعجبين من دون أن تنتبه أنّها في اللحظة ذاتها بصدد اصطياد أصحاب النفوس الشريرة والطاقة السلبية التي ستؤذي هذا الحب السريع.
في زمن رواية “الحب في زمن الكوليرا” لماركيز، وحتى سنوات ليست بالبعيدة، لم يكن الحبّ في حياة الإنسان مرتبطًا بيوم واحد هو عيده للتظاهر والتنافس على إبراز من يحب أكثر، ومن يهدي أفضل الماركات، لقد كان الزمن بطيئًا حينئذ، وكان كل شيء يتحرّك بالبطء نفسه، ولعل المتعة الحقيقية في هذه المشاعر كانت تكمن هناك تحديدًا، في اختبار الصمت والصبر والانتظار بين روحين ارتبطتا بكيمياء المشاعر، وليس بالخوارزميات التي لا تعترف إلا بمنطق “الترند”، وعدد المشاهدات، ونوعية التعليقات. ربّما تزهو روح العاشقين لدقائق، لكنّما يعودان سريعًا للسباق المحموم وراء فيديو جديد يجلب أكثر مشاهدات، في حين يصبر العاشق القديم على معشوقه سنوات وسنوات، يخبئ مشاعره ويعتقها حتى لو لم تقابل بالرضى. لقد كانت الأحاسيس الصادقة تترسّب في عمق روح العاشق مثل ترسب الطبقات الجيولوجية في الأرض الثابتة، بينما أصبحت المشاعر في أغلبها بين العشاق مثل فقاعات عابرة من الألوان والأضواء التي تتلاشى ما أن تتشكل.
الحب معجزة تنتظر فرصتها
في مثل هذه الظروف التي نعيشها في زمن الخوارزميات، تذكرنا رواية “الحب في زمن الكوليرا” بأن العشق الحقيقي ليس في حاجة إلى جمهور للتشجيع، أو المباركة، بل هو في أمسّ الحاجة إلى شجاعة الإخفاء في زمن الفضيحة والقدرة على المقاومة للبقاء في زمن الهشاشة.
الحبّ معجزة الإنسان حقًا منذ النشوء، وهو عبر التطور الذي عرفته البشرية من خلال ثوراتها العديدة، تطوّر معها في أشكال التعبير عنه حتى بلغ زمن الخوارزميات، التي باتت تتحكم في شكله ومظاهره وأساليب التعبير عنه، لكن بأسلوب غير إنساني البتة، بل بمنطق العصر الذي تحكمه سلطة الاستهلاك، حتى بات الحبّ ذاته سلعة تستهلك بعد أن فقد تقريبًا جوهره ومعانيه الحقيقية السامية التي تربط بين روحين في أنبل لحظة للتلاقي.
وبينما يحتفل القطيع من العامة الذي انخرط في منطق هذا الزمن الخطير من دون أن يفهمه بعيد الحب “السيلوفاني”، والهدايا الباهظة، والورود الزائفة والافتراضية، تتواتر الأسئلة حارقة: هل ما يزال هناك وجود لحبّ حقيقي يحمل معاني التضحية والصبر ووو؟ وهذا الحبٌّ الذي يبرق على الشاشة لحظة، ثم ينطفئ، ماذا يمكن أن نسميه، بل كيف يعيشه طرفاه في العلاقة التي تبدو هشّة مثل إشاعة، هل ما يزال هنالك حب بمواصفات قصة الحب في رواية “الحب في زمن الكوليرا” يتراكم في الروح والذاكرة حتى يصير الدم الذي يسري في العروق؟ هل أنّ قلوب العشاق في هذا الزمن قادرة على انتظارٍ الحبيب، وتعتيق معنى المشاعر المخبأة في صندوق الصبر كما ربّى فلورنتينو انتظارَه في رواية ماركيز؟ أم أنّه كُتب على هذا الجيل أن يعيش مشاعر سريعة تتنفس على إيقاع منصّات التواصل، حيث يشيخ المنشور ويندثر قبل أن يكتمل الإحساس به، وقبل أن تشبع الروح به؟ درس فلورنتينو وأفيرمينا في رواية ماركيز لا أذكره هنا بدافع الحنين إلى ماضٍ مثالي، بل لتذكير الأجيال الجديدة المتعاقبة بقيمة ميزان بسيط، لكنّه بمثابة حكمة تقول: أنّ كل ما يلمع يندثر سريعًا، بينما يدوم كلّ ما ينضج في الصمت.
في ذكرى عيد الحب هذا المنسوب إلى السان فالنتين الذي احتفل به وسيُحتفل به دائمًا في الموعد ذاته من هذا الشهر، ستظل الورود الحمراء على واجهات المحلات تتكدّس كما تكدس العشاق في مواقع التواصل، وستلمع علب الهدايا، ويتزاحم العشاق ويتبارون في التفاخر بقيم الهدايا المادية وماركاتها، في مشهد يشع بالمبالغة في الزينة، حتى باتت هي الأساس في المشهد، حيث تلاشى جوهر المشاعر وقيمتها الإنسانية، وتحولت في ظل هذه الأضواء الكاشفة إلى حبّ يشبه ورق السلوفان الأحمر البراق الذي يفقد بريقه ما إن تلقي به في كيس القمامة.