في الأيام الأولى من شهر رمضان المبارك، أعاده الله على الأمّتيْن وهُما بحالٍ أحسن، وكرامةٍ أوْجب، وغيرةٍ أنْضر، وتكافلٍ أجْدى، وأعاده على غزّة وهي تجد لتضحياتِها أرضًا صالحة للحياةِ والرّفاه، ولدمائِها بركات نصرٍ مشتهى، أجدني أذهب (لا شعوريًا) إلى موضوع موسيقى العبيد (والاسم هنا ليس تجريحًا، بل إقرارٌ بجذور هذا النوع الموسيقي الأفريقي المغاربي المغربي، وإشارة إلى صرخات انتصاره على التوصيف، وتحرّره من ربقة التاريخ الإنسانيّ الأَليم)، التي أدرجتها اليونسكو في عام 2019، بوصفها جزءًا من التراث الإنسانيّ غير الماديّ. فكما يحرّرنا الصيام من عبوديّتنا لغرائزنا، فإن الموسيقى، على اختلاف أنواعها، تحرّرنا من لا إنسانيّتنا. وموسيقى العبيد، على وجه التحديد، تحرّر أصحابها والقائمين عليها من قروح الذاكرة، وتذهب بهم، عبر صوفيّتها وروحانيّات أنْغامها، إلى معاني الصبر والزّهد والتطهّر، علاوة على أننا في رمضان، وحين يخفت ضجيج أجسادنا، فإن ما يبقى ويرسخ في وجداننا هو صوت أرواحنا، عندها، وعندها فقط، ندرك أن الصوت (لا السيف ولا السلطان) هو أبقى ما يتمسّك به الإنسان ليقول: إنني ما أزالُ هُنا. في رمضان، نتعلّم أن الصمت ليس غيابًا للصوت، بل إصغاءٌ أعمق لما بقي في الإنسان من نور. كما أن اعتماد موسيقى العبيد على آلة الطبل بشكلٍ رئيسيٍّ يذكرنا بطبلِ المسحراتي ودعواته الشجيّة للناس أن يستيقظوا ويتناولوا سحورهم، لأن رمضان جاء أخيرًا لزيارتهم: (إصحوا على سحوركم رمضان أجا يزوركم). حتى كلمات الأغاني التي يصاحبها هذا الطبل، ومعه آلات أخرى تتميّز بها موسيقى العبيد؛ الݣمبري (أو الهجهوج، أو السنتير، وهي آلة وترية تُصنع غالبًا من جذوع الأشجار، لها ثلاثة أوتار متباينة الطول، لا أدري إن كانت أقرب إلى الغيتار، أم العود، أم الطنبور والبزق)، والقرقب (آلة تشبه الصنّاجات)، وغيرها، هي عادة كلمات ذكرٍ لله وترنّمٍ بصفاته، وصلاةٍ على نبيّه، وما إلى ذلك، فهل أقرب من هكذا كلمات لشهر الصيام.
لمحة تاريخية
| صنّاجات كناوية |
يقودنا تعريف مقترح لموسيقى العبيد إلى بعدها التاريخي؛ حيث يذهب تعريف وجدته في معظم المواقع والمراجع إلى أن موسيقى العبيد (أو كناوة/ Gnawa)، هي تراث موسيقيٌّ روحيٌّ نشأ أساسًا في المغرب، على أيدي أحفاد العبيد الذين جُلبوا، ابتداء من القرن السادس عشر، من جنوب الصحراء الأفريقية (مالي ــ خصوصًا منطقة تومبوكتو، النيجر، السنغال، وتشاد، ومناطق أخرى كانت تعرف قديمًا باسم السودان الغربي)، حيث كان يُستخدم في الطقوس الدينية والاحتفالات الاجتماعية. وعلى مرّ العصور، انطلاقًا من العصر الوسيط، تطوّر هذا الفن الأدائي الذي يشمل العزف والرقص والغناء، وتأثّر بالثقافات المحيطة به، خصوصًا في المغرب حيث استقر، وصولًا إلى ما هو عليه اليوم. وإضافة إلى بعدها الأدائيّ، تحمل فنون كناوة بعدًا بصريًا من خلال ما يرتديه أعضاء فرقها من أزياء، وما يستخدمونه من ماكياج، وما يضيفونه على أجواء فعالياتهم وكرنفالاتهم واحتفالاتهم من إكسسوارات. إنها، بالتالي، موسيقى ضاربةٌ في جذور أفريقيا التي اقتيد أبناؤها منذ مئات السنين عبيدًا عبَرت سفن استعبادهم البحار والمحيطات وصولًا إلى العالم الجديد شمالًا، وأميركا اللاتينية والمستعمرات البريطانية، مثل كندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وغيرها. وفي كثير من تفاصيل موسيقاهم وأهازيجهم ورقصات تعبيرهم عن أَنَواتِهم تطلعُ أنّات الوجع القديم، وتبوح الرقصات بآلام الماضي العبوديّ المريع، وتكاد ترسم لوحات أنشطتهم تفاصيل التهجير القسري؛ يتمايلون مع حركة النوارس وأشرعة السفن التي اقتيد فيها أجدادهم إلى ميناء مدينة الصويرة المغربية مصفَّدين بالأغلال. هي، بالتالي، موسيقى الجاز من وجهةٍ ما، والبلوز حين كان البلوز يعبّر عن فقراء الشوارع وحرّاثي السهول، حتى موسيقى الروك تأثّرت بشكلٍ، أو بآخر، بموسيقى العبيد، فالقضايا الإنسانية تحمل المعاني نفسها، والأماني كذلك. نخلُص ممّا تقدم أن موسيقى كناوة ترتبط ارتباطًا وثيقًا عضويًا بتاريخ العبودية الذي ألقى بأحمالهِ الثقيلة وسلاسلهِ الجارحة فوق كل القارّة الأفريقية، مشكّلة بمختلف تفاصيلها وطقوسها وصوفيّتها ورموزها وخصوصيّتها شكلًا جديدًا من أشكال كتابة التاريخ وتدوين الحكاية وتوثيق الذاكرة التي تتجلى في حالة موسيقى العبيد بوصفها ذاكرةً جماعيةً للمهمّشين والمعذّبين والخارجين من إطار، أي/ كل سلطة، منقولةً بالصوت والرقص ومناوبات الصعود والهبوط. إنها وصيةٌ شفاهية يختلط فيها السماويّ بالوثنيّ، ويقبض على معمارها وإدامة كرْنفالها الكونيّ فتيةٌ آمنوا بالرب الشافي، وحملوا معهم في رحلة شقاء الرجال السود المنحدرين من أفريقيا وجنوب الصحراء، الذين قدموا، على فترات متقطعة، إما للعمل لدى الأعيان والتجار والعائلات المغربية الكبرى، أو للخدمة العسكرية في جيوش السلاطين المغاربة (السلطان أحمد المنصور الذهبي جلب، وحده، على سبيل المثال، 12 ألف (عبد) من جنوب الصحراء الأفريقية)، كنوز سحرهم، ورنينَ صنّاجاتهم، وهديرَ طبولِهم، ووحدةَ أصواتِهم بوصفهِم حرّاس “الليلة الكناوية”، وصولًا إلى “الجذبة”، أو “الحضرة”، كما لو أن سيدي عبد القادر، وسيدي حمو، وستّي لالة ميمونة، حضروا جميعهم وذابوا في غسق الألوان ليردّ عليهم من هناك… من الجزائر “الديوان”… ومن تونس وما حولها يرشّ عليهم “السْطَمْبالي” بعض أحْوازِهِ الروحية وطقوسهِ العلاجية.
في مقال نشره له موقع “جيسكا”، الشهر الماضي، تحت عنوان “موسيقى كناوة: الصوت الأفريقي كذاكرة وجودية لمقاومة القهر”، يتساءل عبد الرحمن حسينوي: “كيف يمكن لصوت أن يحمل تاريخ قارة بأكملها؟ وكيف تتحوّل الموسيقى إلى شكل من أشكال الذاكرة حين يُحرم الجسد من الكلام، ويُقصى من السرد الرسمي؟ وأي معنى للفن عندما يولد من تجربة العبودية والاقتلاع والعيش على هامش التاريخ المكتوب؟ هذه الأسئلة تفتح أفق التفكير في موسيقى كناوة باعتبارها صوتًا أفريقيًا كثيفًا، يتجاوز حدود الترفيه والفرجة، ويقترح فهمًا فلسفيًا للموسيقى بوصفها ممارسة وجودية، وفعلًا للذاكرة، ولغةً للجرح الجماعيّ”.
أَحَدٌ… أَحَد
| تقاطعات الجاز وأنواع موسيقية أخرى مع كناوة |
بصيحتهِ التي هزّت صحراء العرب “أَحَدٌ… أَحَد”، متمسكًا عبر تكرارها بِما أعلن إيمانه به، رافضًا شتم الدّيانة التي اعتنقها بكلّ جوارحه، وجاهرًا بولائِهِ للنبي محمد بن عبد الله (ص)، الذي جاء مبشّرًا بها، يشكّل الصحابي بلال بن رباح، أيقونة رمزية للناس الذين يحملون راية الحفاظ على موسيقى العبيد (اكْناوة). وفي رأيي، إن انتسابهم إليه لا يرتبط ببعدٍ نسبيٍّ تسلسليٍّ (مع عدم نفْي إمْكانية ذلك)، بقدر ارتباطهِ بروحانيةِ التقارب بينهم وبينه، فبِلال يمثّل صوت العبد الذي صار نداءً كونيًا، وهم باتوا صوت العبيد الذي هزّ أركان العالم المعاصر، واعترف الناس أجمعين بقيمة ما يقدمونه بشهادة اعتراف اليونسكو بهم، وبدليل سفرهم بأغانيهم وموسيقاهم ورقصاتهم، وكل ما يمثّلونه من رمزية وسردية إلى مختلف أنحاء الكوكب. عبدٌ حبشيٌّ عذّبه الكفّار في بطحاء مكة، ثم إذا بصوته الذي خرج من قاع المجتمع، يتحوّل إلى آذان، أي إلى أعلى نداء في الفضاء الإسلامي، بوصفه الصوت الذي يجمع المؤمنين أجمعين حوله، يردّدون معه كل جملة من جمل هذا الآذان، ويشكّل بالنسبة للمنتظمين على الصلاة في مواقيتها، ساعة إيمانية منبّهة، يأْتمرون بمواعيدها، ويلتزمون بما يصدح به بلال، وكل من جاء بعده من مؤذّنين: “حيَّ على الصلاة… حيَّ على الفلاح”. هم وبلال انتقلوا من القيد إلى الصوت حين سرّع ذلك القيد ارتفاع الصوت، وحين تحرّروا هم وبلال من آلام السوط وذُلِّ تعذيبِهِ لأجسادِهم، فإذا بسقفهِم السماء، بوجدانيةٍ تحتفي بالأنبياء والأولياء والأسْياد والأشراف من آل بيت النبي المصطفى: “يا الوالي يا مولاي أحمد… آه شريفي يا مولاي أحمد… ولي راكب على الغشا… رشى عقلي ومشى… الله بابا الله سيدي”. وجدانيةُ النجوى التي لا تقدم الثوب على الفحوى، ولا تجعل من هذا الفحوى قيدًا يمنع إشراقات الثوب ويثبّط تجلّيات المُرتدي، تصبح المرتجى، وكل أبواب النجاة، فما أنصع الثوب حين لا تكون العبودية إلا لله جلّ في علاه… وما أعمق الفحوى حين تهتف بعالي الصوت هيّا للعدل… هيّا للفسْطاط العظيم.
قد لا يكون بلال بن رباح أصل موسيقى العبيد، لكنه أوّلُ رمزٍ إسلاميٍّ/ إنسانيٍّ لتحرير الصوت الأسود من العبودية وتحويله إلى قداسة. إنّه فرصةُ أن يصير الصوت وطنًا.
كسرت موسيقى العبيد جدار الصمت، كما كسر بلال ثنائية السيد والعبد، فإذا بالصوت ليس مجرّد إيقاع، بل مساحة للتفكّر، وإذا بالأجساد تذوب في مقامات عليا أين منها مقامات الرست والكرد ونهاوند والحجاز والبيات، وباقي مقامات الموسيقى العربية الشرقية المتداولة بين الملحنين والمطربين ومؤلّفي الجُمَل الموسيقية والمازورات التّدوينية والأنغام الدنيوية.
سمات
| لوحة كناوة للفنان المغربي عبد العزيز حوناتي |
* زهاء ثلثيّ إيقاعات موسيقى كناوة (حوالي 70 في المائة منها) تحمل بعدًا استشفائيًا وفق طقوس حافظ عليها سدنةُ هذا النوع الموسيقيّ الغنائيّ الأدائيّ التعبّديّ التمرديّ.
* معظم المجتمعات الكناوية تشكّلت حول الأضرحة، مثل ضريح سيدي بلال في الصويرة. وبمجرّد أن يتشكّل مجتمعٌ كناويّ حتى يصبح هذا المكان مركزًا روحيًا وثقافيًا، يخضع لمختلف التقاليد الكناوية المتوارثة كابرًا عن كابر.
* أثْرت الثقافة الأمازيغية التنوّع الآلاتيّ الموسيقيّ الخاص بِالكناويين، مما أضاف بعدًا جديدًا لفنونهِم وطقوسهِم. وبالتالي، باتت موسيقى كناوة تعكس جُلَّ روافد الثقافة المغربية وتاريخها الغني.
* تشمل الطقوس العلاجية الخاصة بالليلة الكناوية استخدام سبعة ألوان رمزية تمثل كيانات روحية مختلفة. هذه الألوان تُستخدم في طقس “الملوك” الذي يبدأ بمرحلة “الدردبة” ويستمر، أحيانًا، لمدة 12 ساعة متواصلة. وفيه يجري استحضار الأرواح عبر الإيقاعات الصاخبة والحركات الجسدية.
* تلعب البخور والأقمشة الملونة دورًا رئيسيًا في موسيقى كناوة وطقوسِها، حيث تساعد على خلْق جوٍّ روحيٍّ مناسب. مع تقدم الطقس، يتحوّل التركيز من الطبول إلى الكنبري (الشبيهة بالغيتار)، مما يعكس تطوّر الحالة الروحية للمشاركين.
* تستخدم في موسيقى كناوة ستة أنواع مختلفة من القراقب في الإيقاعات، حيث تحمل هذه الآلات رمزية تاريخية تمثل سلاسل العبودية. كما تختلف الطبول الحضرية (الڭلال) عن الريفية (الڭنڭا) في شكلها واستخدامها.
* تتميز الإيقاعات والألحان في الفن الكناوي بثرائها وتنوّعها، مما يجعلها تجربة سمعية فريدة. تعتمد هذه الإيقاعات على مقامات موسيقية خاصة، تجمع بين العمق الروحي والجمال الفني.
* تتكون المقامات الرئيسية من خمسة أنواع، تعتمد جميعها على السلّم الخماسي. ويعد مقام “العلاوي” من أكثر المقامات استخدامًا في طقوس الاستشفاء، حيث يساعد على تحقيق التوازن.
* تتراوح سرعة الإيقاعات بين 60 إلى 140 دقّة في الدقيقة، مما يخلق تنوعًا في المشاعر والأحاسيس. يتم استخدام التكرار الإيقاعي للوصول إلى حالات الوعي المتغيرة.
* يتفاعل الإيقاع الثنائي (2/4) مع الإيقاع الثلاثي (6/9) لخلْق تناغمٍ موسيقيٍّ مميّز. بالإضافة إلى ذلك، تعد تقنية “الرش” (التصفيق) عنصرًا إيقاعيًا مكمّلًا يعزّز التجربة الموسيقية.
* يعد مهرجان كناوة منصة رئيسية للفنانين الكناويين على طريق التعاون مع نجوم الجاز العالميين. هذه الشراكات تساهم في إثراء الفنون التقليدية، وفتْح آفاقٍ جديدة للإبداع.
* لوحظ استخدام الإيقاعات الكناوية في موسيقى الهيب هوب الحديثة، مما يعكس تأثيرها على الأجيال الجديدة. كما شاركت فرق كناوية في مهرجانات عالمية مثل غلاسطنبري وسونار، مما عزّز حضورها على الساحة الدولية.
* تشهد ظاهرة “الكناوة فانز” انتشارًا واسعًا في أوروبا وأميركا اللاتينية، مما يعكس جاذبية هذه الموسيقى خارج حدود أفريقيا. بالإضافة إلى ذلك، تدعم اليونسكو مشاريع التوثيق الرقمي لهذا التراث، وبما يضمن استمراريته للأجيال القادمة.
تصعد بنا أصوات الكناويين، الذين كانوا ذات فضيحة تاريخية عبيدًا… تصعد بنا معراجًا لا ينتهي، ولا يكتفي بالفن ترفًا، بل يجعل منه ضرورة… أصوات ترتقي بالموت نحو اغتسالٍ بماءٍ دافئٍ ينادي (علّال) جنيّ الغابات… قد يكون (علّال السوداني)، أو (الفُولاني)، أو (الحُوصاوي)… فكلّهم أرواح هائمة في أدغال التفكّر… باحثة عن إيقاع الكرامة… وجميعهم يستنْفرون الرغبة في تحضير البخور: “علّال ويا علّال/ دخلوني لقاع الدّار/ الطّلبة تقرا السّور/ غسّلوني بالماء الدافي… كفّنوني بكفن وافي/ هزّوني الرفاعة/ امشيو بيا بسراعة… حطّوني بقبري ملفوف… مولانا نسعاو رضاك/ وعلى بابك واقفين/ يا من لا يرحمنا سواك/ يا أرحم الراحمين… الله يا ربي لحبيب… من فضلك جود عليّا”.