القناة الإخبارية السورية تبث بالكردية لأول مرة: خطوة متأخرة أم كسر تابو؟.. راي موقع. السفينة
للمرة الأولى في تاريخ الإعلام الرسمي السوري، بثّت القناة الإخبارية السورية مادة باللغة الكردية، في خطوة وُصفت بأنها “تاريخية” بعد عقود من الإنكار والتهميش الممنهج للغة الكردية في الفضاء العام. هذا التطوّر، مهما بدا محدودًا من حيث الزمن والمحتوى، يكسر تابو قديمًا طالما اعتُبر فيه استخدام الكردية في الإعلام الرسمي “خطًا أحمر”.
لا يمكن التقليل من رمزية الحدث. فاللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل اعتراف بالوجود والهوية. أن تُسمَع الكردية على شاشة رسمية للدولة السورية يعني، نظريًا، الإقرار بأن الكرد ليسوا هامشًا ثقافيًا، بل مكوّن أصيل في البلاد. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل نحن أمام تحوّل حقيقي في مقاربة الدولة للتعدّد اللغوي والثقافي، أم أمام خطوة تجميلية ظرفية تُستخدم لتحسين الصورة السياسية في لحظة ضغط إقليمي ودولي؟
التجربة السورية الطويلة مع “الانفتاحات الشكلية” تدعو إلى الحذر. فبثّ فقرة بالكردية، إن لم يترافق مع سياسات واضحة تعترف دستوريًا بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد، وتفتح المجال العام أمام الإعلام والتعلّم والعمل باللغة الأم، يبقى إجراءً رمزيًا لا يلامس جوهر المشكلة. الاعتراف باللغة في نشرة أخبار لا يعوّض عقودًا من المنع في المدارس، والتضييق في الإعلام، وتجريم الفضاء الثقافي الكردي.
مع ذلك، لا يمكن تجاهل أن كسر الحظر الرمزي هو شرط أول لأي تغيير لاحق. الكرة الآن في ملعب السلطة: إمّا أن تتحوّل هذه الخطوة إلى بداية مسار يعيد للكرد حقّهم الطبيعي في لغتهم وثقافتهم ضمن إطار وطني جامع، أو أن تبقى مجرّد لقطة عابرة للاستهلاك الإعلامي، تُضاف إلى أرشيف طويل من الإشارات غير المكتملة.
في بلدٍ أنهكته الصراعات والهويات المغلقة، قد يكون سماع لغة مُقصاة على شاشة رسمية فعلًا بسيطًا في ظاهره، لكنه يحمل دلالة كبيرة: الاعتراف يبدأ من الكلمة. أمّا الاكتفاء بالكلمة دون سياسة، فليس سوى اعتراف مؤجّل.