عندها أدركت أن الحكاية الحقيقية لدمشق لا تكمن في أنها لم تعرف الشرّ، بل في أنها رأته مرارًا، وفي كل مرة كانت أطول عمرًا منه. جاء الطغاة وذهبوا، ولم يتركوا خلفهم سوى ظلال باهتة. أما المدينة، فعلى الرغم من جراحها كلّها، فلا تزال هنا. لأن دمشق لم تتعلّم كيف تُهزم أمام الشر، بل كيف تهزمه. وأنا أمشي في أزقة المدينة القديمة وألمس حجارتها، أحسست أنها لا تروي الماضي فحسب، بل تحمل تحذيرًا أيضًا. كأنها تقول: «لا ظلم يدوم. ومن يظن أنه يحكمنا، يُحاكم في النهاية على يد من يتذكروننا». وحين شهدت أصدقاءً لي أُجبروا يومًا على مغادرة دمشق، وهم اليوم يسيرون في شوارعها كقادةٍ منتصرين، فكّرت كم أن الصبر شكلٌ نبيل من أشكال الانتقام. أولئك الذين اضطروا بالأمس إلى الرحيل عن هذه الشوارع، كانوا اليوم يسيرون فوق الحجارة نفسها ورؤوسهم مرفوعة. المدينة تعرّفت إلى أبنائها الحقيقيين، لم تنسَ آثار أقدامهم، وانتظرت عودتهم. الذين جاؤوا اليوم إلى دمشق من أجل معرض الكتاب، هم أنفسهم الذين نُفوا عنها بالأمس. الذين احتلّوا اليوم مكانهم في ذاكرة دمشق، وهي تنهض من رمادها بكل هذا البهاء، هم الذين أُريد لهم أن يُمحَوا. الذين يتحدثون اليوم على المنصّات، هم من أُريد لأصواتهم أن تُخنق. كأن دمشق كانت تستدعي، واحدًا واحدًا، كل الأصوات التي اقتُلعت منها. وتحوّل معرض الكتاب إلى مسرحٍ لهذه الحكاية المهيبة. الأسماء التي أُريد لها أن تُنسى، كانت تتردّد الآن على ألسنة آلاف القادمين. الكلمات المحظورة كانت تخرج إلى العلن واحدة تلو الأخرى. القصائد التي أُسكتت كانت تُقرأ من جديد. وكان معرض الكتاب، كأنه المكان الذي تُستكمَل فيه كل الجُمل التي تُركت ناقصة في الماضي… وكل الخُطب التي لم يُسمَح لها أن تكتمل. بدا لي معرض الكتاب في دمشق أشبه ببيانٍ جديد، مانيفستو يولد من بين الحظر والقمع والخراب، ويصرخ: «نحن ما زلنا هنا، وما زلنا معًا». لذلك لم يكن مجرد فعالية ثقافية. كان ردّ اعتبار، ولقاءً مشتركًا متأخرًا، وكلامًا جماعيًا جاء بعد صمتٍ طويل. دمشق كانت تعيد رواية قصتها، ولكن هذه المرة لا بلسان من أرادوا إسكاتها، بل بلسان من لم ينسوها قط. بعد زمنٍ طويل، بدا وكأن المدينة أخذت نفسًا عميقًا للمرة الأولى. كانت تتعافى. لم أرَ ذلك فحسب، بل أيضًا شعرت به بكل قوة في قلبي. شعرت به في وجوه الناس، في أحاديثهم، وفي الطريقة التي كانوا يلمسون بها الكتب. نعم، المدينة كانت تتعافى. ودمشق كانت تُثبت مرة أخرى مدى قوتها. لم أشعر بأنني شخص يتجوّل في معرض كتاب، بل شعرت كما لو أنني أشاهد دخول جيشٍ نبيل منتصر إلى المدينة بعد حربٍ عظيمة. جيش لا يحمل سيوفه، بل ذكرياته؛ لا أثر للبارود على دروعه، بل شرفٌ لم يستطع الزمن أن ينال منه. وأن أكون شاهدًا على هذا النصر، كان واحدًا من أكثر المشاهد زلزلة في تاريخي الشخصي…
ضفة ثالثة