-
-
.حسام جزماتي…. الحمهورية .نت
-
لم تحمل الأيام الفائتة أخباراً سارة لتنظيم «الدولة الإسلامية» الذي يُراقب، بعين بصيرة ويد قصيرة، الصدام بين جيش الحكومة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال وشرق البلاد. بعد تفاؤل، لا بد وأنه راوده، بالفوضى التي حصلت وأدت إلى انفلات الأمر في موقعين؛ السجن الصيني في الشدادي ومخيم الهول.
يقول أحد الخارجين من الأول إن الوضع أبسط مما ظهر على الإعلام. فالسجن الشهير لم يَعد هاماً ومركزياً كما كان قبل سنوات، وقد نقلت قسد أكثر نزلائه إلى مراكز أخرى على دفعات كان آخرها منذ ثلاثة أشهر. ولم يبقَ فيه، عندما فُتحت أبوابه فجأة، سوى 120 من السوريين المرضى الضعفاء ثقيلي الحركة، مما سهّل إلقاء القبض على 80 منهم مجدداً من قبل القوات الحكومية وبمعونة التحالف الذي يقوده الأميركان. أمّا من تلقى مساعدة أهلية فقد استطاع الوصول إلى بيئات آمنة. وعلى كل حال فإن الجميع لم يكونوا من القادة الأجانب في التنظيم كما أُشيع.
في مخيم الهول حدثت فوضى مماثلة بنتائج مشابهة، عندما تمكنت عائلات سورية من الفرار مستفيدة من محليتها، فيما أُعيد احتجاز قلة من النساء الأجنبيات خرجن على غير هدى إلى أرياف لا يعرفنها ومن دون تنسيق مسبق مع أحد.
لكن هاتين الحادثتين المتتاليتين دقتا جرس الإنذار في الولايات المتحدة التي قررت إغلاق ملف المحتجزين قبل أن تنهي شراكتها مع قسد رسمياً وتسحب، على الأرجح، قواتها من البلاد، بعد أن كانت الطرف الأكثر ضلوعاً في تأسيس مراكز الاحتجاز هذه وتمويلها. فلجأت إلى شريك مجرّب في حربها على داعش هو العراق الذي أعلن أنه سيستقبل 7000 من المتهمين بالانتماء إلى التنظيم.
لتفسير الرقم والتنبؤ بما قد يجري لا بد من بعض المعلومات الأساسية. أولها أن عدد الدواعش الفعليين المعتقلين لدى قسد يُقارب عشرة آلاف، بينهم حوالي 2000 من الأجانب، من 74 جنسية، والباقي من السوريين والعراقيين. ويتوزع هؤلاء جميعاً على سجون، أشهرها سجن الصناعة بالحسكة، أو على مراكز إعادة تأهيل. أمّا مخيم الهول، وأخوه الأصغر مخيم روج، فيحويان خلطة مختلفة.
فقد نشأ الهول كملجأ طوعي للنازحين من العراقيين ثم من السوريين قبل أن يكتسب سمعته بوصفه «قنبلة داعشية موقوتة» عبر السنوات، ولا سيما مع معركة التنظيم الأخيرة في الباغوز، في آذار (مارس) 2019، عندما نُقل إليه النساء والأطفال الذين كانوا هناك، وتم القبض على الرجال، وعلى من يثبت من النسوة أنها كانت تعمل في التنظيم، في الحسبة على النساء أو شرطتهنَّ، وليست مجرد زوجة لأحد عناصره.
نشأت في الهول، الذي وصل إلى أقصى عدد من سبعين ألف نزيل-ة في تلك المرحلة، مدينة صغيرة فيها دكاكين للاحتياجات الضرورية والخدمات البسيطة، وفيها دواعش/داعشيات سراً، استطاعوا، في بعض المراحل، فرض سيطرتهم الفعلية بيد خفية، عبر عمليات تهديد وتحقيق وتعذيب وقتل وحرق خيام طالت المتعاونين مع أجهزة أمن المخيم أو المتهمات بالدعارة. واستطاعت حملات التفتيش المتكررة العثور على أسلحة، وضبطت تواصلات مع التنظيم في الخارج، لكنها لم تتمكن من القضاء على هذه الظواهر بشكل كامل. وظلَّ الإرهاب الذي كان يفرضه التنظيم قادراً على ترميم أدواته من السوريين-ات والعراقيين-ات الذين كانوا يقطنون في أقسام مفتوحة على بعضها يمكن التنقل بينها بسهولة.
وعلى الرغم من جدية هذه العمليات وخطورتها إلا أن ما منح المخيم مشهديته الإعلامية هو قسم المهاجرات المغلق على مجتمع صغير خاص بهنّ وبأبنائهنَّ. إذ كنّ لا يتورعنَ عن رفع السبّابة في وجه الصحافيين، لتأكيد استمرار إيمانهنّ بدولة «الخلافة» التي انهارت والعمل على استعادتها. ولأنهنّ لا يُخفين تربية أولادهن على هذه العقيدة صارت قسد تنقل الصبية الذكور، عندما يبلغون المراهقة، إلى مراكز لإعادة تأهيل الأحداث تجنباً لزيادة عدد الفتية الأجانب في المخيم. لا سيما وأن حسبة خاصة نشأت في قسم المهاجرات هذا، وأن أكثر عمليات القتل، في عموم المخيم صارت على يد نساء وفتيان. أما الأجنبيات اللواتي يتخلين عن أفكار التنظيم ويستنتجنَ أن التحاقهنّ به كان مغامرة طائشة، فكنّ يُنقلن إلى مخيم روج الذي حوى أعداداً أقل بكثير وظروف حياة أفضل.
ليس للأسباب الأمنية وحدها، بل أساساً للمتطلبات الغذائية والصحية والتعليمية واللوجستية؛ شكّل مخيم الهول عبئاً ثقيلاً. لا سيما بعد توقف الوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID عن دعم المنظمات في مطلع العام 2025. فتسارعت عمليات إخراج العائلات السورية وفق كفالات محلية، ونقل العراقية إلى مخيم الجدعة في محافظة نينوى، فيما ظلَّ ملف المهاجرات أبطأ، كما هو حال المقاتلين الأجانب، إذ رفضت دول كثيرة، أو ماطلت في، استرداد رعاياها الذين سيُسببون لها الصداع.
لكن هذا لم يكن حال العراق الذي كان متحمساً دائماً لاستلام الدواعش من أبنائه بقدر ما تثاقل عن عودة العائلات. فالأخيرةُ عبءٌ أما الأولون فمصدر معلومات إضافي عن الشبكات السابقة، وموضعُ ثأر لم يبرد على مرّ السنوات. ومن بين القضايا التي تُقدَّم لمحاكم الإرهاب هناك تُدان أكثرية ساحقة من المتهمين، ويُحكم على معظمهم بالإعدام الذي لم يوفر رعايا دول أخرى ربما تكون قد أسقطت الجنسية عنهم أو أعلنت أنها تُفضِّل أن تتم محاكمتهم حيث ارتكبوا جرائمهم ويحضر الشهود وتتوافر الأدلة.
وعلى كل حال، سواء أكان الأجانب سيَمثلون أمام محاكم عراقية أو أن الولايات المتحدة الترامبية ستضغط بجدية على بلدانهم لاستعادتِهم، أو سيجري مزيج من الحالتين غالباً؛ فإنه يبدو أن هذه المسألة المستعصية في طريقها إلى «الحل». وسيُترَك للسلطة السورية أمر التعامل مع حوالي 3000 من رعاياها كانوا في السجون، وعائلات في مخيم الهول يبدو أن طريقها إلى الخروج منه صار أسهل بالنظر إلى الأجواء المحيطة بتفكيك منظومة احتجاز الدواعش والأُسر المرتبطة بهم. خاصة وأن عدد القاطنين-ات، من سوريين وعراقيين وأجانب، في المخيم صار 24 ألفاً فقط.
في العدد 531 الأخير من «النبأ»، الصحيفة الرسمية للتنظيم، تَرقُب الافتتاحية انتقال مراكز الاحتجاز من سيطرة «الشيوعي» إلى طاغوت فاقَ سلفه تبعية للغرب «الصليبي». هي التي طالما أمّلت جنودها المعتقلين، ونساءهم «القانتات الصابرات على الأهوال» بانتظار الفرج. ثم تُعزّي نفسها بالقول إن «الأمة كلها ترزح في هول كبير».
-
