بعد سنوات من العزلة وصعوبة الوصول، تعود المطارات في شمال شرق سورية إلى الواجهة بوصفها بوابة أساسية لربط المنطقة بباقي البلاد، ليس من زاوية النقل فقط، بل في خطوة نحو استعادة الخدمات العامة وسيادة الدولة وعودة الحياة الاقتصادية تدريجياً.
ويأتي الحديث عن إعادة تأهيل مطاري القامشلي ودير الزور في هذا السياق، مع وعود رسمية بقرب استئناف الرحلات الداخلية، ما يخفف أعباء السفر عن آلاف المدنيين الذين اضطروا طويلاً إلى طرق بديلة شاقة ومكلفة، ويفتح نافذة جديدة لتحريك النشاط التجاري في منطقة أنهكها التهميش والحصار.
وقال معاون رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، سامح العرابي، إن كوادر الهيئة تستكمل تنفيذ خطة متكاملة لإعادة تأهيل المطارات في المنطقة الشرقية، وفي مقدمتها مطارا دير الزور والقامشلي، تمهيداً لإعادتهما إلى الخدمة خلال فترة زمنية قريبة لا تتجاوز الشهرين، بهدف إعادة ربط الشمال الشرقي بشبكة النقل الجوي الوطنية وتوحيد إدارة الأجواء ضمن إطار مؤسسي يعزز السلامة الجوية ويدعم التعافي الاقتصادي في سورية.
وأضاف العرابي لـ “العربي الجديد” أن تشغيل مطار القامشلي اليوم لا يقتصر على كونه مرفقاً خدمياً للنقل، بل يمثل اختباراً عملياً لقدرة السوريين على إدارة ملفات السيادة والخدمات العامة بعيداً عن لغة السلاح، مشيراً إلى أن إعادة تشغيله بصفته بوابة مدنية ستنهي معاناة آلاف المدنيين والطلاب والمرضى الذين كانوا يضطرون لقطع مسافات طويلة وشاقة للوصول إلى المطارات الأخرى، كما ستفتح الباب أمام انتعاش اقتصادي في منطقة عانت طويلاً من التهميش والحصار.
ووفق تصريحات المسؤول السوري الخاصة فإن إعادة تشغيل مطار دير الزور المدني ستسهم بدورها في تعزيز الربط الداخلي وتسهيل حركة النقل والتجارة، بما يدعم عودة النشاط الاقتصادي تدريجياً إلى المنطقة الشرقية ويعزز اندماجها في الدورة الاقتصادية الوطنية.
وبيّن العرابي أن هناك تحديات ميدانية تواجه عملية إعادة التأهيل، من بينها أعمال سرقة وتخريب طاولت بعض مرافق المطارات، إلا أن الهيئة تعمل على معالجتها عبر خطط حماية وصيانة متكاملة، تمهيداً لتفعيل الرحلات الداخلية خلال الفترة المقبلة، بما يضمن عودة هذه المطارات إلى العمل بشكل آمن ومنظم يخدم حركة النقل الجوي داخل سورية.
وخلال سنوات الحرب، تحول مطار القامشلي من مرفق مدني إلى ما يشبه “حصناً عسكرياً” للنظام السوري السابق، إذ شكّل شريان الإمداد الجوي الرئيسي لقواته داخل ما كان يُعرف بـ”المربع الأمني” في القامشلي والحسكة، بعد فقدان السيطرة على الطرق البرية المؤدية إلى المنطقة.
وفي أواخر عام 2019، شهد المطار تحولاً مفصلياً مع دخول القوات الروسية إليه عقب الانسحاب الأميركي الجزئي من شمال شرق سورية وإطلاق العملية العسكرية التركية “نبع السلام”، حيث حولته موسكو إلى قاعدة جوية ونشرت فيه منظومات دفاع جوي وطائرات مروحية وقتالية، واستخدمته نقطة انطلاق لدورياتها وأداة لتعزيز نفوذها في شرق الفرات.
وبقي المطار لسنوات نقطة تماس معقدة، بسيطرة فعلية للنظام داخل أسواره، ووجود روسي كثيف، في حين أحاطت به “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) من محيطه الخارجي. ومع التحولات الميدانية اللاحقة، ولا سيما بعد سقوط النظام في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، انتقلت السيطرة جزئياً إلى “قسد” ضمن ترتيبات أمنية فرضتها الوقائع الجديدة، قبل أن تنسحب القوات الروسية لاحقاً نحو قاعدة حميميم في الساحل السوري، بالتزامن مع تقدم قوات الحكومة السورية وسيطرتها على أجزاء واسعة من محافظة الحسكة.
ومع التفاهمات الأخيرة بين الحكومة السورية و”قسد”، بدأ مسار مؤسساتي لإعادة المطار إلى كنف الإدارة المدنية الوطنية، في خطوة يُعوّل عليها لإعادة تفعيل دوره مرفقاً خدمياً واستراتيجياً يربط المنطقة الشرقية ببقية البلاد.
أما مطار دير الزور، فيُعد أحد المرافق الحيوية التي خرجت عن الخدمة لسنوات طويلة نتيجة المعارك والدمار الذي لحق بالبنية التحتية في المحافظة، قبل أن تبدأ أعمال إعادة تأهيله تدريجياً خلال الفترة الأخيرة. ويعوّل على إعادة تشغيله في تخفيف عزلة المنطقة الشرقية وربطها بالعاصمة وبقية المحافظات، خصوصاً في ظل صعوبة النقل البري وارتفاع تكاليفه.
كما يُنتظر أن يسهم المطار في تنشيط الحركة التجارية ودعم عودة الاستثمارات والخدمات، وفتح ممر جوي يسهّل حركة المرضى والطلاب والعاملين، في محافظة تعد من أكثر المناطق حاجة إلى استعادة الخدمات الأساسية بعد سنوات من الحرب.