في عالم اعتاد استقرار أسواق الطاقة وأمنها النسبي، واغتر بوهم أن التحول نحو الطاقة النظيفة سينهي الطابع الجيوسياسي المرتبط بالطاقة، شكلت عودة “سلاح الطاقة” مفاجأة لكثيرين (بيت ريان/ فورين أفيرز)
ملخص
من الحظر النفطي تاريخياً إلى خفض روسيا للغاز وقيود الصين على المعادن، تَحولت الطاقة، بما فيها مدخلات الطاقة النظيفة، إلى أداة إكراه تُربك الأسواق وتهدد الأمن الاقتصادي. المواجهة تتطلب تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، وتنويع سلاسل المعادن والتصنيع، وتعزيز موثوقية الشبكات وبناء مخزونات إستراتيجية مع دور حكومي أكثر فاعلية.
على امتداد قسم كبير من العصر الحديث كان تقييد تدفق الطاقة أو تعطيله أداة شديدة الفعالية في موازين القوة العالمية، ففي عام 1923 أعلن الأدميرال ريغنالد بيكون من “البحرية الملكية البريطانية” أن الحصار النفطي الذي فرضته المملكة المتحدة على ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى كان السلاح الاقتصادي الحاسم الذي “يرجع إليه في شكل أساس الانهيار النهائي لتلك الأمة وجيوشها”، وبعد جيل واحد نسب الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين انتصار الحلفاء على ألمانيا النازية إلى نجاح الجيش الأحمر في حرمان هتلر من الوصول إلى حقول النفط في القوقاز، ثم جاءت أزمة حظر النفط العربي عام 1973 التي تسببت في ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة بنسبة قاربت 300 في المئة، وظهور طوابير سيارات تمتد لأميال أمام محطات الوقود، وهي تجربة لا تزال محفورة في الذاكرة الوطنية الأميركية.
لكن خلال العقود الخمسة التالية تراجعت ممارسة استخدام الطاقة كأداة قسرية في الدبلوماسية الدولية بدرجة كبيرة، فقد دفعت الآثار الكارثية لحظر النفط العربي على الاقتصاد العالمي كلاً من الدول المنتجة والمستهلكة إلى إعادة التفكير في سياساتها، فسعت الدول المستهلكة خلال الأعوام التالية إلى جعل تدفقات الطاقة أكثر مرونة، وبناء أسواق دولية أقوى وأكثر شفافية، فيما كبح المنتجون ميلهم إلى توظيف قوتهم في مجال الطاقة كسلاح جيوسياسي، ثم جاءت نهاية الحرب الباردة وما تلاها من تسارع في العولمة لتعزيز إصلاحات عمقت اندماج أسواق النفط ووسعت تنوع مصادر الطاقة.
وفي مطلع القرن الـ 21 أثبتت مخاوف ارتفاع الأسعار وفكرة “ذروة النفط”، الفكرة القائلة بأن إنتاج النفط العالمي بات قريباً من حده الأقصى قبل أن يبدأ بالانحدار الحتمي، أنها موقتة، إذ أحدثت ثورة الحفر الصخري الأميركية طفرة غير مسبوقة في المعروض النفطي، واستمرت أسعار النفط في التذبذب خلال النزاعات الكبرى مثل حرب الخليج الأولى والحرب الأهلية الليبية، وكذلك خلال الأزمات العالمية مثل الركود الكبير وجائحة كورونا، ومع ذلك ظل المستهلكون، ولا سيما في الاقتصادات المتقدمة، على ثقة متزايدة بأن الأسواق قادرة على تلبية حاجاتهم من الطاقة، ومع مرور الوقت انجرفت دول عدة إلى حال من الاطمئنان الزائف إزاء أمن الطاقة.
أما اليوم فقد انهارت تلك الطمأنينة، فبعد غزوها أوكرانيا عام 2022، ألحقت روسيا أضراراً اقتصادية هائلة بأوروبا عبر خفض إمداداتها من الغاز الطبيعي إلى القارة، مما أشعل أزمة طاقة ذات ارتدادات عالمية، وفي إطار مواجهتها التجارية الأوسع مع الولايات المتحدة عمدت الصين بصورة متكررة إلى تقييد صادراتها من المعادن الحيوية والعناصر النادرة، وهي مكونات أساس في سلاسل الإمداد الخاصة بأشباه الموصلات والتطبيقات العسكرية والبطاريات والطاقة المتجددة.
أما الولايات المتحدة نفسها فقد سيّست بدورها تدفقات الطاقة، إذ طالبت أوروبا بشراء مزيد من الطاقة الأميركية لتفادي الرسوم الجمركية التي هددت بفرضها، وحتى دول مثل كندا دخلت حلبة الصراع حين فرض إقليم أونتاريو رسوماً إضافية على صادرات الكهرباء إلى الولايات المتحدة، رداً على الرسوم الجمركية الواسعة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على السلع الكندية، وبينما يعيد المنتجون استخدام “سلاح الطاقة” الذي ظل معطلاً لعقود فقد بدأت الولايات المتحدة وغيرها أيضاً في استعراض نفوذها مجدداً على إنتاج الطاقة وشرائها، كما يظهر في الخطوات الأخيرة لواشنطن بحظر معظم شركات النفط والغاز الأميركية من العمل في فنزويلا، ودرسها فرض عقوبات أشد على الدول التي تشتري صادرات النفط الروسية والإيرانية.
في عالم اعتاد استقرار أسواق الطاقة وأمنها النسبي، واغتر بوهم أن التحول نحو الطاقة النظيفة سينهي الطابع الجيوسياسي المرتبط بالطاقة، شكلت عودة “سلاح الطاقة” مفاجأة لكثيرين، غير أن هذا الاتجاه لا يتوقع أن يتوقف قريباً لسببين رئيسين: أولاً لأنه في ظل عودة التنافس بين القوى الكبرى وتصاعد التشرذم الاقتصادي فقد باتت الطاقة مرة أخرى أداة جذابة للإكراه الجيواقتصادي، وثانياً لأن التطورات المتسارعة داخل قطاع الطاقة تخلق فرصاً جديدة لتسليحها، حتى في وقت تخفف بعض العوامل الأخرى من هذا الخطر، ولحسن الحظ تتوافر مجموعة واسعة من الأدوات والسياسات لمعالجة هذه التهديدات، ومعظمها يتوافق مع التحول نحو الطاقة النظيفة بل ويزداد فعالية بفضله، فالإسراع في التحول إلى مصادر الطاقة الخالية من الكربون يمكن أن يوافر للدول في نهاية المطاف شكلاً قوياً من القدرة على الصمود في وجه محاولات استخدام الطاقة كسلاح، خصوصاً إذا ترافق هذا التحول مع جهود لتنويع سلاسل إمداد الطاقة النظيفة.
غير أن صياغة استجابة فعالة تتطلب من واضعي السياسات إدراك القوى التي تدفع نحو “تسليح الطاقة” والأخطار الأوسع التي تشكلها على الأمن القومي والاقتصاد العالمي، ومع ازدياد عدد الدول التي تهدد باستخدام أنواع مختلفة من تدفقات الطاقة كوسيلة للإكراه فقد يكون العالم على أعتاب حقبة جديدة من استخدام الطاقة كسلاح.
انطلاقة عالمية
على امتداد معظم القرن الـ 20 عد التحكم في تدفق النفط جزءاً أساساً من مكونات السياسة الخارجية والإستراتيجية العسكرية، فالدول التي تتمتع بوفرة في موارد الطاقة استخدمت تلك الموارد وسيلة لتحقيق أهداف تتجاوز نطاق قطاع الطاقة نفسه، في حين رأت الدول التي تفتقر من الناحية الجيولوجية إلى هذه الثروات أن حاجتها إلى الطاقة غاية بحد ذاتها تبرر تسخير قوتها العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية في سبيل الحصول عليها، ولعقود بعد أن أصبح النفط المصدر العالمي الأول للطاقة، ظل المنتجون في موقع قوة، فبحلول سبعينيات القرن الماضي كان النفط يلبي نحو نصف حاجات العالم من الطاقة، وبما أنه كان يباع عادة بعقود طويلة الأجل وبأسعار مدارة تحددها مجموعة محدودة من الحكومات، فقد تمكن المنتجون من فرض سيطرتهم على العرض والأسعار في آن، ومن خلال هذه الأدوات استطاعت الدول التي تمتلك احتياطات نفطية كبيرة أن تمارس نفوذاً على السياسات الدولية في المجال السياسي.
وفي عام 1973، عقب اندلاع الحرب بين إسرائيل وجيرانها، فرض الأعضاء العرب في “منظمة أوبك” قيوداً على صادرات النفط إلى الدول الداعمة لإسرائيل، وقلصوا الإمدادات العالمية تدريجياً لإجبار الولايات المتحدة وقوى الغرب الأخرى على وقف دعمها لإسرائيل وحملها على الانسحاب من الأراضي التي احتلتها، وقد وصف أحد مستشاري الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون تلك الخطوة بأنها “تشبه هجوم ‘بيرل هاربر’ ولكن في ميدان الطاقة”، وبحلول نهاية ذلك العام قفز سعر برميل النفط من 1.80 دولار قبل ثلاثة أعوام إلى 11.65 دولار، أي ما يعادل أكثر من 80 دولاراً بأسعار اليوم، ومع ذلك شكل الحظر النفطي العربي نقطة تحول مفصلية، فقد أفرز طيفاً واسعاً من النتائج السلبية شملت الركود التضخمي في الاقتصادات المتقدمة وتفاقم أعباء الديون في العالم النامي.
كما فشل الحظر في إجبار الغرب على التخلي عن إسرائيل، لكنه في المقابل دفع كثيراً من الدول إلى إطلاق جهود مكثفة لترشيد استهلاك الطاقة وزيادة إنتاج النفط خارج “منظمة أوبك”، وتقليص الواردات وإعطاء الأولوية لأمن الطاقة، وفي عام 1974 توحدت الاقتصادات المتقدمة لتأسيس “الوكالة الدولية للطاقة” IEA، وكان جوهرها الاتفاق على بناء احتياطات نفطية إستراتيجية تستخدم بصورة منسقة في حالات الطوارئ، ومع اتضاح أن ضوابط الأسعار وتقنين الطاقة قد زادا من تفاقم آثار الحظر، أدرك القادة وصناع القرار في الولايات المتحدة أن أسواق النفط العالمية الأكثر مرونة واندماجاً وكفاءة يمكن أن تخفف من أثر اضطرابات الإمدادات، مما حفز جهود تحرير تجارة النفط.
وفي مطلع الثمانينيات سعت الحكومات إلى تحسين جودة وشفافية بيانات الطاقة وتحرير تسعير النفط، مما مهد الطريق لإدراج عقود النفط الخام الآجلة في “بورصة السلع” NYMEX ، ومنذ ذلك الحين انتقل النفط من سلعة تتداول أساساً بعقود طويلة الأجل وبأسعار ثابتة، وهو نهج جعل من الصعب على المشترين إيجاد مصادر بديلة للإمداد في أوقات الاضطراب مما جعلهم عرضة لضغوط المنتجين، إلى السلعة الأكثر تداولاً في العالم، وعلى رغم أن العملية كانت أبطأ واتخذت مساراً مختلفاً تماماً، فإن أسواق الغاز الطبيعي أخذت بدورها في الاندماج على نحو متزايد ضمن النظام العالمي، فبعد انطلاق أول شحنة من الغاز الطبيعي المسال من ولاية لويزيانا إلى المملكة المتحدة عام 1959، شهدت التجارة موجات متتالية من نمو الإمدادات، من الجزائر في ثمانينيات القرن الماضي وقطر في التسعينيات والولايات المتحدة خلال العقد الأخير، مما أحدث تحولاً جذرياً في تجارة الغاز الطبيعي، وأسهمت هذه التطورات في نشوء سوق أكثر تكاملاً ومرونة للغاز الطبيعي المسال، قادرة على الاستجابة لتغيرات العرض والطلب بصورة أفضل من خطوط الأنابيب الثابتة، إذ يمكن للناقلات أن توصل الشحنات إلى وجهات عدة وأن يعاد توجيهها بسهولة.
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي وعلى رغم تزايد اعتماد أوروبا على الغاز السوفياتي ثم الروسي لاحقاً، ازداد اطمئنان صناع السياسات والمشترين إلى أن الأسواق التنافسية واعتماد المصالح المتبادلة سيقيان القارة من أخطار الابتزاز الجيوسياسي، وبالفعل فقد رأى كثير من القادة خلال معظم أعوام الحرب الباردة أن تجارة الطاقة بين أوروبا الغربية والاتحاد السوفياتي شكلت عاملاً مهدئاً في التنافس الجيوسياسي الأوسع نطاقاً.
عجلت نهاية الحرب الباردة من هذه الاتجاهات الإيجابية ومهد انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991 الطريق لتوقيع معاهدة ميثاق الطاقة عام 1994 التي أنشأت إطاراً قانونياً متعدد الأطراف للتعاون في مجال الطاقة، وقد كان الهدف منها في البداية توفير بنية قانونية للتجارة في مجال الطاقة وعبورها والاستثمار فيها بين أوروبا الغربية ودول ما بعد الاتحاد السوفياتي، لكنها توسعت لاحقاً لتشمل دولاً من مناطق أخرى، وبدأت الاستثمارات تتدفق إلى روسيا والجمهوريات السوفياتية السابقة من شركات الطاقة الغربية مثل “إكسون” و”بريتيش بتروليوم ” و”توتال”، مما زاد الترابط وعمق واتساع الأسواق العالمية، وخلال هذه الحقبة الجديدة من التعاون أنشأت الولايات المتحدة وروسيا برنامج “من الميغا/طن إلى الميغا/واط”Megatons to Megawatts [الميغاطن هو وحدة قياس للطاقة التفجيرية]، إذ اشترت الولايات المتحدة كميات فائضة من اليورانيوم العالي التخصيب من القطاع الدفاعي الروسي وحولته إلى يورانيوم منخفض التخصيب للاستخدام في المفاعلات المدنية، وعلى مدى أعوام لم يُظهر صناع السياسات أي قلق إزاء اعتماد الولايات المتحدة على الوقود الروسي لتشغيل محطاتها النووية.
تلقى تكامل أسواق الطاقة العالمية دفعة هائلة بانضمام الصين إلى “منظمة التجارة العالمية” عام 2001، فلتأمين وقود لنهضتها الصناعية والتصنيعية المذهلة خلال العقد الذي تلا ذلك، اضطرت الصين إلى مضاعفة وارداتها من النفط أربع مرات مما جعلها تعتمد اعتماداً كبيراً على أسواق الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، ومع مرور الوقت تخلت بكين عن إستراتيجية “الانطلاق إلى الخارج”Going Out التي ركزت على السيطرة المادية على موارد الطاقة في أفريقيا وغيرها لمصلحة نهج يهدف إلى ضمان الوصول إلى الطاقة من مجموعة متنوعة من الموردين، وفي ما بعد، ومن خلال “مبادرة الحزام والطريق”، موّلت الحكومة الصينية مشاريع أنابيب وموانئ ومصاف ومحطات طاقة في الخارج، مستثمرة في شبكة يمكن أن تساعدها في تأمين إمدادات مستقرة من الطاقة من نقاط متعددة حول العالم.
ومع ازدياد عولمة العلاقات الاقتصادية وتزايد ترابط أسواق الطاقة تنحى المصدرون إلى حد كبير عن استخدام الطاقة كسلاح، ومع ذلك كانت هناك استثناءات بارزة أبرزها عندما أوقفت روسيا صادرات الغاز إلى أوكرانيا بين عامي 2006 و2009، غير أن الجدل الأوروبي اللاحق حول ما إذا كانت تلك الخطوات ذات طابع تجاري أم سياسي أضعف قدرة أوروبا الجماعية على مواجهة هذا الإكراه، وفي ذلك الوقت بدا أن معظم المنتجين يدركون أن الأسواق العالمية المترابطة للطاقة تقلص تأثير الامتناع من تزويد دولة أو منطقة معينة بالطاقة أو حرمانها منها، مما جعل حسابات فرض الحظر تبدو غير مجدية.
ومع تضخم الموازنات المالية في دول الخليج وغيرها من بلدان “أوبك” تردد المنتجون في اتخاذ أية خطوة قد تعرض إيراداتهم للخطر، فتراجع خطر فرض حظر نفطي جديد من قبل المنظمة، وكانت النتيجة الصافية أنه بحلول الأعوام الأولى من هذا القرن ساد شعور عام بين الاقتصادات المتقدمة بأن أمن الطاقة قد تحسن بصورة ملاحظة، مقارنة بسبعينيات القرن الماضي، حتى مع استمرار ارتفاع الاعتماد على واردات النفط، ومع ذلك لم يختف استخدام الطاقة كسلاح تماماً خلال هذه الحقبة من الاستقرار النسبي، لكنه اتخذ شكلاً مختلفاً عما كان عليه خلال العقود التي تلت الحرب الباردة، فبينما جعل تنامي العولمة وترابط الأسواق الدولية العقوبات التجارية المفروضة على منتجي النفط أقل فاعلية، أدى الترابط الاقتصادي العالمي وهيمنة الدولار الأميركي إلى جعل النظام المالي نفسه عرضة لاستخدامه كأداة ضغط، وفي هذا السياق لجأت الدول المستهلكة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، إلى تسييس استهلاك الطاقة وفرض عقوبات مالية على بعض أكبر منتجي النفط في العالم مثل إيران، وهكذا ظلت الطاقة تستخدم وإن بطريقة مختلفة كوسيلة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية.
لعبة النفوذ
خلال الأعوام الأخيرة بدأت الظروف التي مهّدت لتلك الحقبة الاستثنائية من التعاون في مجال الطاقة تتغير تدريجياً، ولعل الأهم أنه بحلول عام 2020 كانت حقبة التعاون الوثيق بين القوى الكبرى والتجارة الحرة غير المقيدة والثقة المطلقة بالأسواق قد بلغت نهايتها، فلم يعد تكامل الأسواق العالمية الذي شكل أساس أمن الطاقة لكثير من الدول مضموناً، إذ بدأت التحولات الجيوسياسية تولد تشرذماً اقتصادياً متزايداً، وشرعت الحكومات في التدخل في شؤون القطاع الخاص بطرق أوسع نطاقاً وأكثر عمقاً، أما القوى الكبرى فأصبحت تتجه اليوم نحو شكل من الرأسمالية الموجهة من الدولة، مستخدمة القيود التجارية السياسات الداعمة للصناعات الوطنية لتحقيق أهداف اقتصادية وأمنية وطنية، ففي الولايات المتحدة بدأ هذا التحول خلال الولاية الأولى لدونالد ترمب واستمر في عهد إدارة بايدن، ثم توسع أكثر في الولاية الثانية لترمب مع استخدام الحكومة الرسوم الجمركية كأداة إكراه اقتصادي بأساليب أشد عدوانية.
أما الصين التي مارست الرأسمالية الموجهة منذ زمن طويل فقد بدأت تتراجع عن تقلص حضورها في الأسواق العالمية لكثير من السلع الأساس، وفي الوقت نفسه تحسّن قدرتها على توظيف العقوبات وغيرها من أدوات التدخل الحكومي لخدمة مصالحها، وفي ظل هذا المشهد الجيواقتصادي الذي يزداد غموضاً وتقلباً، تجد الدول الأوروبية والآسيوية على حد سواء صعوبة متزايدة في الافتراض بأن الأسواق وحدها قادرة على تأمين حاجاتها من الطاقة، وربما على نحو مفارق فإن الانسحاب من الأسواق العالمية المترابطة التي أسهمت طويلاً في استقرار تدفقات الطاقة، جاء جزئياً بدافع من تزايد مخاوف صناع السياسات في شأن أمن الطاقة، ففي كثير من الدول أدى تصاعد التهديدات الجيوسياسية وتنافس القوى الكبرى وارتفاع فواتير الطاقة وأخطار نقص الإمدادات الناجمة عن ضعف الاستثمار في النفط والغاز، والمنافسة على الصدارة في مجال الذكاء الاصطناعي شديد الاستهلاك للطاقة، وتفاقم آثار تغير المناخ، إلى شعور متنام بأن أمن الطاقة أصبح على المحك، وبدلاً من الاعتماد المتزايد على الأسواق العالمية تميل الحكومات اليوم إلى تقليص تجارتها في مجال الطاقة والحد من تأثرها بقوى السوق الدولية المتقلبة، فالدول المستهلكة تسعى على نحو متزايد إلى إنتاج مزيد من الطاقة محلياً وتقليل وارداتها، بينما قد تغري الظروف الدول المنتجة بخفض صادراتها لإعطاء الأولوية لحاجاتها الداخلية.
وفي مطلع عام 2025 تعهد الحزبان الحاكمان في النرويج بخفض صادرات الكهرباء إلى أوروبا في ظل القلق من الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة محلياً، وقد تنشأ ضغوط مماثلة قريباً في الولايات المتحدة، إذ يمكن أن يدفع الناخبون المتضررون من ارتفاع فواتير الكهرباء حكومتهم إلى تقييد صادراتها المتنامية من الغاز الطبيعي، اعتقاداً منهم بأن ذلك سيؤدي إلى خفض الأسعار، لكن في الواقع أن مثل هذه الإجراءات قد تقوض عملية التكامل ذاتها التي ساعدت خلال العقود الأخيرة على كبح استخدام الطاقة كسلاح.
وإضافة إلى التشرذم المتزايد في الاقتصاد العالمي، تسهم التحولات الجارية في مشهد الطاقة في تشجيع العودة لاستخدام الطاقة كسلاح، حتى وإن كانت تطورات أخرى تمضي في الاتجاه المعاكس، فخذوا على سبيل المثال قطاع النفط، إذ يمكن أن يعود للواجهة خلال الأعوام المقبلة اثنان من الشروط الأساس التي مكنت في الماضي توظيف النفط كأداة ضغط: تشدّد الأسواق وتركيز الإمدادات، فالنقاشات التي كانت تدور حول احتمال بلوغ الطلب العالمي على النفط ذروته بدأت تدريجياً تستبدل بأسئلة تتعلق بعواقب انحسار طفرة النفط الصخري.
وفي سبتمبر (أيلول) 2025، أقرت شركة “بريتيش بتروليوم” BP العملاقة بأن الطلب على النفط، الذي كانت قد توقعت سابقاً أن يبلغ ذروته هذا العام، سيواصل الارتفاع حتى نهاية العقد الحالي، ووفقاً لتقرير نشرته وكالة “بلومبيرغ” فإن المسودة الأولية لتقرير “آفاق الطاقة العالمية 2025” الصادر عن “الوكالة الدولية للطاقة”IEA تتضمن سيناريوين: أحدهما يستند إلى السياسات الحالية والآخر يعكس السياسات والإجراءات المعلنة أو قيد التطوير، ففي التقارير السابقة للوكالة كان السيناريو الثاني يتوقع أن يبلغ الطلب العالمي على النفط ذروته بحلول نهاية هذا العقد، أما في المسودة الحالية فيظهر السيناريو الأول أن الطلب سيستمر في النمو حتى عام 2050.
وفي الأثناء بات المديرون التنفيذيون والمحللون النفطيون أكثر تشككاً في استمرار نمو إنتاج النفط الصخري الأميركي الذي لبّى معظم الزيادة في الطلب العالمي خلال العقد الماضي، فقد توقعت “إدارة معلومات الطاقة الأميركية” أن إنتاج النفط في الولايات المتحدة سينخفض خلال العام المقبل، كما قلصت شركات النفط الكبرى أنشطة الاستكشاف في أنحاء العالم مع ترجيحات بأن الاستثمارات في قطاع التنقيب والإنتاج ستتراجع عام 2025 لأدنى مستوياتها منذ جائحة كورونا.
ومع الحاجة إلى تشغيل قدر أكبر من الطاقات الإنتاجية الحالية لتلبية الطلب المتزايد، سيتقلص حجم الطاقة الفائضة في النظام العالمي، مما سيجعل الأسواق أقل قدرة على امتصاص الصدمات السعرية، ونتيجة لذلك فقد تشهد سوق النفط تشدداً كبيراً حتى نهاية هذا العقد، بما يفتح المجال أمام الدول لاستهداف الإمدادات النفطية عبر هجمات على البنية التحتية، أو فرض قيود على الصادرات، أو فرض عقوبات، أو اتخاذ إجراءات أخرى، تلحق أضراراً اقتصادية ملموسة، وإضافة إلى ذلك فإن تركز الإمدادات مجدداً في أيدي عدد أقل من الدول سيزيد خطر استخدامها كأداة إكراه، فبحلول عام 1985 كانت حصة “منظمة أوبك” من الإنتاج النفطي العالمي قد تراجعت من نحو النصف قبل الحظر النفطي العربي إلى27 في المئة فقط، نتيجة دخول كميات ضخمة من النفط القادم من خارج دول أوبك إلى الأسواق، خصوصاً من بحر الشمال ومناطق أخرى، لكن مع تباطؤ طفرة النفط الصخري في الولايات المتحدة وعدم تسجيل المنتجين من خارج “أوبك” سوى نمو متواضع في الإمدادات، تتوقع “الوكالة الدولية للطاقة” أن ترتفع حصة المنظمة في السوق العالمية مجدداً إلى ما لا يقل عن 40 في المئة بحلول عام 2050، وهي نسبة لم تسجل منذ سبعينيات القرن الماضي.
وإذا استمر الطلب عند مستويات قوية فإن هذا التركز المتزايد في الإمدادات سيمنح دول “أوبك” نفوذاً جيوسياسياً أكبر من أي وقت مضى، وقد تشهد السوق العالمية للغاز قريباً تحولات جديدة، من بينها مزيد من التركز في الإنتاج بما يجعل احتمالات تسييس تجارة الغاز أكثر ترجيحاً، فصحيح أن صعود الغاز الطبيعي المسال خلال العقود الأخيرة وقيام سوق عالمية أكثر تكاملاً للغاز قد حدا بدرجة كبيرة من فرص استخدامه كأداة إكراه، لكن عندما أوقفت روسيا الجزء الأكبر من صادراتها من الغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا عام 2022، تمكنت الدول الأوروبية من امتصاص الصدمة نسبياً عبر تأمين إمدادات من الغاز المسال المتداول عالمياً وإن بأسعار مرتفعة للغاية، ومع ذلك تشير التحولات الجارية في ديناميكيات أسواق الغاز العالمية إلى أن أخطاراً جديدة قد تلوح في الأفق، فخلال الأعوام المقبلة ستتركز الإمدادات أكثر في أيدي عدد محدود من المنتجين حتى لو لم تتحقق خطة روسيا الرامية إلى مضاعفة طاقتها التصديرية من الغاز المسال ثلاث مرات بحلول عام 2030، كما أن النمو الحاد في صادرات الغاز المسال من قطر والولايات المتحدة، إضافة إلى تزايد اعتماد أوروبا وآسيا عليه، يعني أن كميات أكبر من الغاز ستمر عبر مضيق هرمز ومن ساحل الخليج الأميركي، وهو ما يخلق أهدافاً جيوسياسية جديدة.
وإضافة إلى ذلك، فمع أن صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى في تصدير الغاز المسال كان ينظر إليه في السابق كعامل يحد من الأخطار الجيوسياسية، فإن استخدام إدارة ترمب أدوات الإكراه الاقتصادي ضد الحلفاء والخصوم على السواء قد أثار مخاوف لدى الدول المستوردة للطاقة من أن الولايات المتحدة لم تعد مورداً موثوقاً ومحايداً سياسياً كما كانت في السابق، وفي الوقت نفسه أصبح الانتشار المتزايد للطاقة النظيفة حول العالم سيفاً ذا حدين في ما يتعلق بأمن الطاقة، فقد أسهمت الزيادة في مصادر الطاقة الجديدة مثل الرياح والطاقة الشمسية وغيرها في تلبية الطلب العالمي المتنامي، وفي تنويع مزيج الطاقة لدى الاقتصادات الكبرى، ولا سيما الصين، غير أن التحول نحو الطاقة النظيفة قد يخلق تهديدات جديدة، ولا سيما في ما يتعلق بالتحول المتسارع نحو الاعتماد على الكهرباء، فبدفع من الحاجات الهائلة للطاقة الكهربائية التي تتطلبها مراكز البيانات المشغّلة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والاستخدام المتزايد لأجهزة التكييف والمركبات الكهربائية، وارتفاع النشاط الصناعي في مختلف أنحاء العالم، تتوقع “الوكالة الدولية للطاقة” أن ترتفع حصة الكهرباء من إجمال استهلاك الطاقة العالمي من 20 في المئة حالياً إلى 25 في المئة بحلول عام 2035.
وإلى حد ما سيسهم ازدياد الاعتماد على الكهرباء عالمياً في تقليل أخطار استخدام الطاقة كأداة إكراه، إذ تستطيع معظم الدول إنتاج جزء كبير من كهربائها من مصادر محلية، لكن أينما تتجاوز الكهرباء الحدود الوطنية تظهر أخطار جديدة، فالدول المستوردة للكهرباء أكثر هشاشة من مستوردي النفط لأنها غالباً ما تمتلك عدداً محدوداً، إن وجد، من البدائل، كما أن تخزين الكهرباء في احتياطات إستراتيجية أصعب بكثير من تخزين النفط، واليوم لا تمثل الكمية المتداولة من الكهرباء عبر الحدود سوى جزء صغير جداً من الإمدادات العالمية، ومع ذلك فإن الخطط الرامية إلى إنشاء مزيد من خطوط النقل بعيدة المدى لربط الدول في مناطق عدة من العالم، بما في ذلك آسيا والمحيط الهادئ وأوروبا وشمال أفريقيا، قد تجعل هذه المخاوف أكثر حدّة، والأمر الأكثر إثارة للقلق على المستوى العالمي هو الدور المهيمن الذي تؤديه الصين وعدد قليل من الدول الأخرى في توفير المدخلات الأساس اللازمة للتحول الواسع نحو الاعتماد على الطاقة الكهربائية، فخطوط النقل والألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات المستخدمة في السيارات والشاحنات وشبكات الكهرباء، جميعها تعتمد على معادن ومواد أساس مثل النحاس والنيكل والليثيوم والغرافيت والعناصر النادرة.
ومن المتوقع أن يقفز الطلب على هذه المعادن بصورة كبيرة خلال الأعوام المقبلة، إذ يتوقع أن يزداد استخدام الليثيوم بمقدار خمسة أضعاف، وأن يتضاعف استخدام الغرافيت والنيكل بحلول عام 2040، وتعد الصين المنتج الأول لـ 19 من أصل 20 معدناً أساسياً حددتها “الوكالة الدولية للطاقة” بوصفها حيوية لقطاع الطاقة، كما تستحوذ على أكثر من 70 في المئة من القدرة العالمية على تكرير هذه المعادن والفلزات، وكذلك تهيمن بضع دول أخرى على إمدادات المعادن عالمياً، مثل إندونيسيا في إنتاج النيكل، وجمهورية الكونغو الديمقراطية في الكوبالت، وروسيا في اليورانيوم المخصب.
وفي الواقع فإن عمليات استخراج بعض المعادن والفلزات تفوق إنتاج النفط من حيث التركز الجغرافي، فبحسب الوكالة الدولية للطاقة فإنه إذا استبعد المنتج الرئيس لكل من المعادن الرئيسة المستخدمة في البطاريات والعناصر النادرة فلن يتمكن الموردون الآخرون مجتمعين من تلبية أكثر من نصف الطلب العالمي الباقي بحلول عام 2035.
مدفوعاً بالتحول نحو الطاقة النظيفة، يشهد العالم تحولاً في أنماط تدفق الطاقة أيضاً ليشمل إضافة إلى نقل السلع الأساس مثل النفط والغاز والفحم والمعادن الحيوية، تجارة السلع المصنعة مثل الألواح الشمسية وتوربينات الرياح والبطاريات وأجهزة التحليل الكهربائي (الإلكترولايزر)، وتهيمن الصين هيمنة شبه مطلقة على إنتاج هذه السلع، إذ تمتلك أكثر من 80 في المئة من القدرة التصنيعية العالمية في مجال الطاقة الشمسية، ونسبة تقارب ذلك في المكونات الرئيسة لسلاسل توريد طاقة الرياح، أما في قطاع البطاريات فدور الصين أكبر من ذلك، إذ تستحوذ على أكثر من 85 في المئة من جميع مراحل سلسلة القيمة الخاصة بالبطاريات، وتصل حصتها إلى نحو 95 في المئة في إنتاج الأقطاب السالبة (الأنودات)، وهي الجزء الذي يخزن الطاقة أثناء شحن البطارية، وكل ذلك يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه السلع قد تصبح في المستقبل رهينة للتجاذبات السياسية أو النزاعات الدولية.
تظهر التطورات الواقعية أهمية هذه المخاوف وأسباب أخذها على محمل الجد، ففي عام 2010، وأثناء أزمة بين الصين واليابان حول جزر دياويو (الاسم الصيني سينكاكو) في بحر الصين الشرقي، أوقفت بكين موقتاً صادراتها من المعادن النادرة إلى اليابان مما أثار قلقاً بالغاً في أوساط الصناعات اليابانية عالية التقنية، وفي أواخر عام 2024 وبداية 2025، وبينما كانت التوترات تتصاعد مع الولايات المتحدة في شأن تدفق التكنولوجيا، فرضت الصين قيوداً على تصدير الغرافيت وبعض المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة مما أدى إلى ارتفاع الأسعار واضطراب سلاسل الإمداد، وأوقع قيوداً كبيرة على الشركات الأميركية المصنّعة، فمثلاً اضطرت شركة “فورد” للسيارات إلى إيقاف بعض مصانعها موقتاً في الولايات المتحدة بسبب نقص في المغانط المصنوعة من العناصر النادرة التي كانت توردها الصين.
إن احتمال لجوء الصين إلى استخدام الطاقة النظيفة كسلاح، بالنظر إلى هيمنتها الإنتاجية على المعادن الحيوية والألواح الشمسية والبطاريات، يشكل أحد العناصر الرئيسة خلال هذه الحقبة الجديدة من التنافس الجيوسياسي الحاد، وفي ضوء السيناريوهات المستقبلية التي قد تشهد خلافاً بين واشنطن وبكين حول مصير تايوان، ينبغي لصناع القرار أن يأخذوا في الحسبان قدرة الصين على إغراق السوق بالمعادن الحيوية والعناصر النادرة ومنتجات الطاقة النظيفة لخفض الأسعار وتقويض المنافسة، أو على العكس، فرض قيود على الصادرات بهدف ردع أو إضعاف ردود الفعل الغربية، وكذلك تفكيك جبهة الحلفاء الأميركيين الذين يعتمدون اقتصادياً على المدخلات الصينية، فمثل هذه الخطوة يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع حاد في الأسعار ونقص في الإمدادات، ليس في سلاسل توريد الطاقة وحسب، بل أيضاً في المواد الحيوية اللازمة للجاهزية الدفاعية وإنتاج الأسلحة.
تشمل المخاوف المرتبطة باستخدام الكهرباء كسلاح أيضاً البنية التحتية للطاقة، ففي عام 2024 حذر “مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي” من أن قراصنة مدعومين من الحكومة الصينية اخترقوا شبكات حيوية في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، في ما وصفه آنذاك مدير المكتب كريستوفر راي بأنه تهديد “واسع وبلا هوادة”، وتعد شبكات الكهرباء هدفاً جذاباً على نحو خاص لعمليات التوظيف العدائي أو التخريب المتعمد، إذ إن الكهرباء تشكل المصدر الأساس للطاقة في القطاعات الأعلى قيمة مضافة، مثل التصنيع المتقدم والذكاء الاصطناعي، مما يجعل أي انقطاع فيها سبباً لأضرار اقتصادية جسيمة، ومع ازدياد الاعتماد على الكهرباء والتوسع في الطاقة المتجددة وتفاقم الحاجات الناتجة من موجات الحرارة والبرد الشديدة، ستحتاج الشبكات الكهربائية إلى التعامل مع فترات ذروة الطلب على الطاقة بوتيرة أكثر تكراراً، مما يوسع فرص استهدافها في لحظات الإجهاد القصوى والضعف الأكبر.
كفاءة أكبر … أمن أكبر
مع عودة استخدام الطاقة كسلاح سيضطر صناع السياسات إلى إعادة التفكير في سياسات الطاقة، وكذلك في السياسة الخارجية والأمن القومي، فمع التحولات الجذرية في مشهد الطاقة وتراجع العولمة وعودة التنافس بين القوى الكبرى، تتزايد الفرص أمام الدول لاستخدام الطاقة وسيلة لاكتساب النفوذ أو لتحقيق أهداف سياسية خارجية، ولم تعد هذه الفرص مقتصرة على النفط وحده، ولا شك في أن الوصفة القديمة المتمثلة في الاندماج داخل أسواق عالمية مترابطة وفاعلة لا تزال تمنح بعض الفوائد، لكنها لم تعد تضمن الحماية ذاتها، إذ إن الأسواق نفسها بدأت تتشرذم، والطاقة باتت تستخدم بطرق جديدة كسلاح جيوسياسي، ومن ثم سيكون على صناع القرار وغيرهم البحث عن سبل جديدة لحماية المواطنين والشركات من التقلبات الحادة التي سيحدثها حتماً استخدام الطاقة كسلاح.
هناك بعض الحلول الواضحة التي تنطبق على البلدان كلها، وتتمثل في الحد من الانكشاف على إمدادات الطاقة المتقلبة، وبناء هوامش تستطيع امتصاص الصدمات المحتملة، وزيادة كفاءة استخدام الطاقة، وقد يكون لدى بعض البلدان، بناء على خصائصها الجيولوجية، خيار زيادة الإمدادات المحلية من النفط والغاز للحد من اعتمادها على الطاقة المستوردة، ففي الولايات المتحدة مثلاً قد يميل صناع السياسات نحو السعي إلى تحقيق قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي من الطاقة أو اكتفاء ذاتي كامل للحد من التهديد الذي يمثله استخدام الطاقة كسلاح، لكن استقلال الطاقة بهذا المعنى ليس أكثر من خرافة، فاليوم تنتج الولايات المتحدة طاقة تفوق ما تستهلكه، لكنها لا تزال تستورد وتصدر كميات كبيرة من النفط، وبالتالي تبقى مندمجة في الأسواق العالمية ومعرضة لتقلباتها، وفي عالم تتزايد فيه استخدامات الطاقة كسلاح فإن تحقيق أمن طاقوي حقيقي لن يقوم فقط على إنتاج مزيد من النفط أو الغاز بل سيتطلب أيضاً وفي شكل خاص استهلاكاً أقل.
يمكن للقادة في أوروبا أو شرق آسيا، الذين اعتمدت اقتصادات بلادهم طويلاً على واردات النفط والغاز بدرجة تفوق اعتماد الولايات المتحدة، أن يحصنوا أنفسهم من تقلبات الأسواق عبر تقليص تجارتهم في مجال الطاقة التي تعتمد اليوم في معظمها على الوقود الأحفوري، وعلى رغم أن استبدال جزء من هذه الواردات يمكن أن يتحقق من خلال رفع كفاءة استخدام الطاقة، فإن التقليص الأكبر سيتطلب زيادة الاعتماد على الكهرباء المنتجة محلياً، مثلاً من الطاقة الشمسية أو الرياح أو الطاقة النووية أو الحرارة الجوفية (وفي بعض الدول مثل بلدان جنوب آسيا قد يعني ذلك أيضاً الاعتماد على الفحم المنتج محلياً)، غير أن الأخطار المرتبطة بسلاسل إمداد الطاقة النظيفة تثير تساؤلاً مشروعاً حول مدى الحماية التي يمكن أن يوفرها هذا التحول فعلاً، فقد أعرب السيناتور الأميركي السابق جو مانشين عن أسفه لهذا المأزق قائلاً إن العالم يحاول “استبدال سلسلة توريد أجنبية غير موثوقة بأخرى غير موثوقة أيضاً”.
لكن الأخطار التي يمثلها قطاعا النفط والغاز تختلف في طبيعتها عن تلك المرتبطة بقطاع الطاقة النظيفة، فاحتمال أن تلجأ الصين إلى استخدام سلاسل توريد الطاقة النظيفة كسلاح واقعي، إذ قد يؤدي إلى الحد من قدرة كثير من الدول على طرح سيارات كهربائية جديدة أو تركيب الألواح الشمسية أو تطوير أنظمة تخزين الطاقة لشبكات الكهرباء، غير أن مثل هذه الأساليب، وعلى خلاف ما يحدث في حالي النفط أو الغاز، لن تعرض تدفق الطاقة نفسه للخطر، فحتى لو استخدمت الصين تركز سلاسل الإمداد كسلاح فلن يؤدي ذلك سريعاً إلى انقطاع الكهرباء أو توقف السيارات أو تجمد المنازل، بل سيؤدي إلى ارتفاع الكُلف وتأخر إنتاج السلع التي تولد الطاقة وتخزنها.
وعلى رغم أن أخطار سلاسل الإمداد تلك قد تخلف آثاراً اقتصادية ملموسة، فإن التعامل معها سيكون أسهل بالنسبة إلى معظم الدول مع مرور الوقت، فإنتاج الوقود الأحفوري يعتمد على ما تمنحه الجيولوجيا من موارد، في حين أن القدرات التصنيعية يمكن توسيعها في معظم الأماكن، ولهذه الأسباب ينبغي للولايات المتحدة، من منظور أمن الطاقة وحده، أن تعيد النظر في تراجعها الحالي عن السياسات الهادفة إلى تحديث وتوسيع شبكة الكهرباء، وتطوير قدرات أكبر على إنتاج الطاقة النظيفة وتصنيعها محلياً.
إن استخدام الطاقة النظيفة للحد من استخدام أسواق الوقود الأحفوري كسلاح يعد منطقياً لأسباب أخرى أيضاً، فمن خلال تقديم الحوافز المالية وإزالة القيود التنظيمية المفرطة وتبسيط إجراءات منح التراخيص، يمكن للدول الغنية بالمعادن أن تشجع على زيادة الإنتاج المحلي والاستثمار في مجالات التصنيع والتعدين وبناء شبكات الكهرباء، كما يمكن لجميع الدول المستهلكة أن تعزز قدراتها التصنيعية، ولا سيما في مجال تكرير المعادن ومعالجتها، ويمكنها كذلك تقليل اعتمادها على سلاسل الإمداد التي تهيمن عليها الصين من خلال الاستثمار في مشاريع الطاقة في مناطق أكثر تنوعاً، مثل التعدين والتكرير ومعالجة المعادن الحيوية في أفريقيا وأميركا اللاتينية، ويمكن للحكومات أيضاً تعزيز قدرة بنيتها التحتية الوطنية للطاقة على الصمود في وجه الهجمات عبر تحصين شبكات الكهرباء وإدارة فترات ذروة الطلب بكفاءة أكبر، وتطبيق حماية أفضل ضد التهديدات السيبرانية، وأخيراً، ولتخفيف آثار الصدمات المستقبلية، سيتعين على صناع السياسات إنشاء وتوسيع المخزونات الإستراتيجية للطوارئ، مثل تخزين بعض المعادن الحيوية والغاز الطبيعي، على غرار ما يفعله الاحتياط البترولي الإستراتيجي الأميركي في مجال النفط.
وإضافة إلى هذه الإجراءات المباشرة سيحتاج صناع القرار إلى التفكير بطريقة أكثر ابتكاراً في شأن دور الدولة في قطاع الطاقة، فالسعي إلى تحقيق أمن الطاقة في بيئة دولية مضطربة كهذه يدفع الحكومات اليوم إلى البحث عن حلول كانت تترك سابقاً لقوى السوق لتتولى معالجتها في زمن سادته مستويات أعلى من التعاون الدولي، وفي بعض الحالات قد تكون مثل هذه التدخلات مبررة بل وضرورية، كما في استثمار إدارة ترمب أخيراً في حصص ملكية داخل شركة محلية تعمل في مجال المعادن النادرة، لجعل الولايات المتحدة وغيرها من الدول أقل عرضة للابتزاز باستخدام الطاقة، غير أن هذا التوجه نحو ما يشبه “الرأسمالية الموجهة من الدولة” ينطوي على أخطار كبيرة، ويتطلب وضع ضوابط واضحة تحول دون تدخل الاعتبارات السياسية أو الأيديولوجية في عملية صنع القرار داخل الشركات.
الدفاع الشامل
قد تبدو الفكرة القائلة إن العالم يشهد بداية حقبة جديدة من استخدام الطاقة كسلاح غير بديهية، بخاصة في ظل سوق عالمية للطاقة تبدو في معظمها متوازنة، لكن العودة الواسعة لهذا الشكل القوي من الإكراه تعتمد على مجموعة من الاتجاهات المتشابكة في السياسة الدولية ونظام الطاقة العالمي، ومع أن الغموض الذي يكتنف هذه الاتجاهات يعني أن تصاعد استخدام الطاقة كسلاح ليس أمراً حتمياً، فإن الواقع الناشئ المتمثل في تنافس القوى الكبرى وتزايد الانقسام الاقتصادي وتشدد أسواق الطاقة وتركز كل من مصادر الوقود الأحفوري والطاقة النظيفة في أيدي عدد محدود من الدول، سيعني زيادة في احتمالات استخدام الطاقة كسلاح، ولحماية بلدانهم من الأخطار الجديدة سيحتاج صناع السياسات إلى التحلي بالشجاعة السياسية والبراغماتية اللازمة لإطلاق استثمارات رأسمالية ضخمة جديدة، وسيكون هذا المسعى صعباً على نحو خاص في ظل القيود المالية الحادة وأزمات الديون المتفاقمة في كثير من الاقتصادات المتقدمة، وبدلاً من الاعتماد على قوى السوق لتطوير أرخص تدفقات الطاقة وتوفيرها، سيتعين على صناع القرار السعي وراء مصادر أكثر أمناً حتى وإن كانت أعلى كلفة، وبناء بنية تحتية احتياطية وأكثر قدرة على الصمود لحماية بلدانهم من أزمات الطاقة المحتملة والتعامل معها بفعالية أكبر، وسيؤدي الإنفاق على هذا النطاق إلى ارتفاع أسعار الطاقة، ولا سيما في حقبة تتسم بارتفاع كلفة رأس المال، كما سيقود ذلك إلى دور أكثر نشاطاً للدولة في اقتصاد الطاقة، وهو تطور سيخلق فرصاً استثمارية جديدة لكنه سيزيد أيضاً من مستوى عدم اليقين أمام رأس المال الخاص، وإذا استخدمت هذه الاستثمارات الحكومية بحكمة فبإمكانها تعزيز أمن الطاقة ومنع أسوأ أشكال الإكراه المرتبط بها.
وعلى نحو غير متوقع يمكن لهذه السياسات ذاتها أن تشكل دفعة قوية للطاقة النظيفة، فمع تجدد خطر استخدام الطاقة كسلاح أصبح هناك قدر أكبر من المصالح المشتركة بين أنصار سياسة الهيمنة على الطاقة على الطريقة الترمبية، وبين المدافعين عن الطاقة النظيفة الذين يسعون إلى تحول أسرع نحو اقتصاد أقل اعتماداً على الكربون، ولتحقيق أمن طاقوي حقيقي، ولا سيما في مرحلة يشهد فيها الطلب ارتفاعاً سريعاً، ينبغي على الولايات المتحدة أن تستثمر ليس فقط في قطاع النفط والغاز بل أيضاً في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات والمركّبات الكهربائية والمعادن الحيوية والوقود النووي وغيرها من تقنيات الطاقة، مع تنويع سلاسل الإمداد في الوقت نفسه، ونظراً إلى أن النفط لا يزال يسعّر في سوق عالمية تتسم بالتقلب، فإن تقليص تعرض البلاد لصدمات الطاقة ومحاولات استخدامها كسلاح لا يتحقق بزيادة الإنتاج فقط، بل، وهو الأهم، بتقليل الاستهلاك.
في نهاية المطاف قد يكون الحرص على تعزيز أمن الطاقة دافعاً أقوى لاعتماد الطاقة النظيفة وتقليص استخدام الوقود الأحفوري من الخوف من تغير المناخ ذاته، وهكذا فقد تحمل الحقبة المقبلة من استخدام الطاقة كسلاح جانباً إيجابياً غير متوقع، إذ ستوافر حافزاً جديداً وفاعلاً يدفع المهتمين بقضايا الطاقة والمناخ على السواء إلى الاستثمار في إستراتيجيات متنوعة للطاقة وسلاسل الإمداد، وهي إستراتيجيات ستكون ضرورية من أجل مستقبل آمن.
مترجم عن “فورين أفيرز” نوفمبر (تشرين الثاني)/ ديسمبر (كانون الأول) 2025
جيسون بوردوف، المدير المؤسس لـ “مركز سياسة الطاقة العالمية” وأستاذ الممارسة المهنية في كلية الشؤون الدولية والعامة في “جامعة كولومبيا”، شغل في ظل إدارة أوباما منصب المدير الأول للطاقة وتغير المناخ في طاقم مجلس الأمن القومي.
ميغان إل أوسوليفان، مديرة “مركز بيلفر للعلوم والشؤون الدولية” وأستاذة “كرسي جين كيركباتريك” لممارسة الشؤون الدولية في “كلية هارفارد كينيدي”، شغلت في ظل إدارة جورج دبليو بوش منصب نائبة مستشار الأمن القومي لشؤون العراق وأفغانستان.
المصدر اندبندنت عربية