في السياسة، كما في التاريخ، لا شيء يبقى على حاله. الأعداء يتحوّلون إلى شركاء، والمنبوذون يعودون إلى المسرح بوجوه جديدة، والبراغماتية تبتلع الأيديولوجيا كما تبتلع النار ما تبقّى من رماد الحروب القديمة.
ومن هنا، يمكن فهم مغزى الخطوة التي أقدم عليها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب، حين دعا نظام دمشق إلى دخول البيت الأبيض. خطوة تحمل في ظاهرها جرأة دبلوماسية، وفي باطنها إعادة رسمٍ لخرائط الشرعية والعداوة في الشرق الأوسط.
ترمب، الذي اعتاد أن يقلب الطاولات لا أن يجلس إليها، لم يكن يومًا أسيرًا للخطوط الحمراء التي رسمها من سبقوه في واشنطن. دعوته لدمشق ليست نزوة سياسية بقدر ما هي إعلان عن عصر جديد: عصر البراغماتيين الذين يمدّون الجسور فوق أنقاض الشعارات القديمة.
لكن المفارقة الكبرى أن هذا “الفتح” السياسي لا يخدم النظام السوري وحده، بل ينعكس صداه أيضًا على ورثة “جبهة النصرة” و”القاعدة” ممن اختاروا، بعد طول اقتتال، أن يخلعوا عباءة الجهاد لصالح ثوب السياسة. أولئك الذين أدركوا أن زمن الأيديولوجيا انتهى، وأن لغة المصالح باتت أكثر فاعلية من فصاحة الخطاب العقائدي.
إن دعوة البيت الأبيض للنظام الذي كان يُصنَّف لسنوات ضمن محور الشر، تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة: إذا كان الخصم الأمس يمكن أن يصبح ضيف اليوم، فلماذا لا يصبح “المتمرّد المعتدل” غدًا شريكًا في المعادلة؟ من هذه الزاوية، يبدو أن البراغماتية لم تعد تكتيكًا مرحليًا، بل أصبحت عقيدة جديدة تحكم الجميع — من القصر إلى الخندق.
ولعلّ أعجب ما في المشهد أن من كانوا يرفعون راية “الولاء والبراء” باتوا اليوم يرفعون شعار “التوازن والمصلحة”. إنه انقلاب هادئ في الوعي السياسي، فرضته سنوات الدم، وباركته تحولات القوى الكبرى التي لم تعد ترى في النقاء الأيديولوجي تهديدًا، بل فرصة لإعادة التوظيف.
ترمب، كعادته، لا يتحرك وفق منطق القيم بل وفق معادلة المكاسب. والشرق الأوسط، في نظره، ليس أكثر من سوق للصفقات الكبرى. لذا، فإن دعوته لدمشق قد لا تكون سوى تمهيد لصفقة جديدة، عنوانها “من يملك الأرض يملك الشرعية”، ولو جاء ذلك على حساب كل ما رفعته أميركا يومًا من شعارات عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.
في النهاية، يمكن القول إن هذا “الفتح العظيم” ليس انتصارًا لدمشق فحسب، بل أيضًا لكل من غيّر جلده في لحظة التحوّل، فاختار الواقعية بدل الأيديولوجيا، والمساومة بدل المواجهة.
إنها لحظة تُكرّس البراغماتية كقدر سياسي جديد — لا يفرّق بين رئيس وجهادي سابق، ما دام كلاهما يعرف من أين تُؤكل كعكة النفوذ.