هنا بالذات تكمن فرصة العرب أن يتقدّموا، لا أن يعودوا إلى المدوّنة، إذا قصدوا، كثقافة وحضارة إسلامية، أن يعودوا إلى التاريخ، بوصفه سيرورةً جاريةً، وتحوّلات، وصعودًا على السكّة، وامتلاك قُدرة على الفعل فيه، ليُسهموا في حركته وجهة سيره. سيكون مدخلًا طيّبًا لو اعترفوا بمأزقهم، وبأن كلّ النماذج التي تمّ تجريبها نقلًا عن حاضر الغرب، أو عن ماضي العرب قد أخفقت في “اطلاع النصر”.
ثلاثة اتجاهات شغلت الثقافة العربيّة منذ مطالع النهضة العربيّة في أواخر القرن التاسع عشر: اعتماد النموذج الغربي، الارتداد عنه بقوّة والعودة إلى المدوّنة، الدمج بين هذا وذاك. إن تجربة النقل عن الغرب، مثل تجربة النقل عن السلف، أفضت إلى مزيد من الخيبات، وانكفاء المشاريع الوطنيّة في حواضر المجتمعات وفي هوامشها. أتأمّل أحيانًا مواقف الحركات الشيوعيّة العربية من الأحداث لأدرك كم كانت المعارضات العربية جزءًا من المأزق الممتدّ، وليس اختراقًا له. الراهن في الاجتماع البشريّ لحظة يستطيع العرب أن يبدأوا منها في بناء كلّ شيء من جديد. بناء هويّتهم وتصوّرهم للعالم، وعلاقتهم به وبمن فيه من “آخرين”، وطبيعة سيرهم نحو المستقبل. فإذا كان العربيّ انشغل إلى الآن بما أشرنا إليه من أسئلة: القرب والبُعد عن “المركز الغربيّ”، العلاقة مع الذروة في الماضي، وأسئلة الحركة بين القُطبيْن، فإننا أمام حقبة زمنيّة يتفكك فيها كلّ شيء ــ النماذج الغربيّة التي عُدَّت ناجحة، وإمكانيات نسخ الماضي المتخيّل على حاضر سائل بوتيرة انتقال البضائع والرأسمال من بورصة إلى أخرى. يُمكننا أن نقول استنادًا إلى تنظيرات عديدة في العلوم الاجتماعية والسياسية إننا حيال حقبة جديدة في الاجتماع البشريّ تحتاج إلى تسميات ومَفهَمة وتنظيرات جديدة. لم يعد علم اجتماع الدولة القومية ــ الدولة الحديثة ــ قادرًا على تفسير الحاصل، ولا إنتاج النموذج المعقوليّة والصوابيّة المطلوبة. أما العلوم السياسيّة فقد انتكست بموديلاتها التحليليّة الستّة في الإمساك بالمتغيّرات. فهل في إمكان الثقافة العربية أن تُسهم بشيء من لدنها في رسم معالم الحقبة الجديدة؟
هو سؤال ينبغي أن يحلّ محلّ السؤال الذي انشغلنا به منذ بدايات القرن العشرين: لماذا تخلّف المسلمون وتقدّم غيرهم؟ لأن الوقائع تغيّرت، ولأنه آن الأوان للخروج من أنشوطة قياس أنفسنا وكلّ شيء بالمركز الغربيّ. إنه السؤال الذي يقوم على سؤال أكثر أساسيّة، وهو هل يستطيع أن يكون هو، بمعنى أن يرمّم هويّته ويجعلها تاريخيّة متحوّلة فاعلة؟ وهل هو قادر على الانتقال من الاتّباع إلى الإبداع، ومن الانتظار إلى الاقتدار؟ بمعنى أنه ينبغي تغيير جهة السؤال، بحيث لا يسعى إلى دراسة الماضي، وإنما إلى امتلاك المُستقبل. امتلاك المُستقبل هو السؤال المفتاح، وليس امتلاك الماضي، مهما يكن مدعاة للفخر. فإذا كنّا تورّطنا لعقود بسؤال التخلّف، أو التحضّر، الحداثة والأصالة، وهو سؤال فرضه الغرب الكولونيالي بقوّة على العرب وثقافتهم ووضعها تحت طائلة الإثبات، بات من الضروريّ أن نُفلت من دائرة هذا السؤال، وننشغل بالكون خارج حدوده ــ السؤال ــ وحدودنا و”ديننا”. لقد سألنا أنفسنا اشتقاقًا من فرضيات الغرب الأسئلة الخطأ التي لا تساعد على النهوض بقدر ما تعمّق العودة الجماعيّة للماضي وأساطيره وغيبياته. مرّة لنتأكّد هل نحن متخلّفون حقًّا، ومرّة لنثبت أننا لسنا كذلك. كنّا مستنزفين في ردّ التهمة، وفي تفنيد وفحص أسئلة غيرنا عنّا، وعن ثقافتنا و”عقليتنا”! يُمكننا أن نرى في هذه الأسئلة أسئلة هويّة بامتياز، وليس أسئلة معرفيّة. شيء ما ينبغي أن يحصل في هذه المساحة، أن تكفّ الثقافة العربية عن الانشغال الهاجسيّ بالهويّة كما حصل حتّى الآن. لا أحد من الشعوب والأمم أفضل من العرب، ولا العرب أفضل من بقيّة الأمم. مثلنا مثلهم على قدم المساواة. لسنا في حاجة لإثبات شيء، أو إنكار أي شيء، لسنا أمام لائحة دفاع بقدر ما نحن بصدد لائحة ادّعاء. في اللحظة التي نقرّر فيها أننا شركاء على قدم المساواة في طرح الأسئلة الصحيحة حول المأزق الراهن للمجتمع البشريّ، ومن ضمنه مأزقنا، وفي اجتراح الإجابات، ستبدأ الهويّة بالتعافي من قرنين كانت فيهما مكلومة ومُستنزفة.
الأسئلة عن المُستقبل هي أسئلة استراتيجيّة وازنة. وكي تبقى على هذا النحو، وتُفضي إلى نتائج، على الثقافة العربية أن تسألها بالنسبة للمجتمع البشريّ برمّته، وليس بالنسبة للعرب وحدهم. فقد انتهت إمكانية “الوجود المنفصل” للشعوب والأمم. وهي تحتاج إلى معارف تنهل من كلّ الحقول المعرفيّة التي توفّرت للمجتمع البشريّ، وهي معارف للإنسان، وليس لفئة من البشر دون غيرهم، كما هي القسمة الواعية واللاواعية التي اعتدنا عليها. لم يكن لهذه المعرفة أن تحصل لولا التكامل الذي يربط بين مراكزها وبين ماضيها وحاضرها، بين المعارف في الصين، وأثينا، وبغداد، وباريس، وفيينا، ووادي السيليكون.
المعارف المتّصلة بإدارة الاجتماع ليست أسرارًا عسكريّة تُحفظ في الخزائن تحت الأرض، بل أعتقد أنها متوفّرة للجميع، وبضمنهم العرب كجماعة، أو لهم كدول ونُخب. أمتلئُ بالأمل وتشعّ عيناي عندما أقرأ لكثير من المنظّرين العرب الفاعلين، وأولئك الذين رحلوا في الاجتماع والسياسة والفلسفة. وأفرح كطفل صغير كلّما وقعت على مؤلّف مُترجم حديثًا للعربيّة يُعنى بالاجتماع وتحوّلات العالم وجديده. وهو الفرح بتلك المعارف التي يُنتجها عرب وغير عرب في جهد خلّاق لإنتاج الاجتماع البشريّ الجديد. هي فرصة الثقافة العربية كي تسير إلى المستقبل واثقة مرفوعة الرأس.
(برلين ـ تشرين الثاني/نوفمبر 2025).