حازم الأمين – صحافي وكاتب لبناني
كرم خاض غمار التفاوض سابقاً ونجح في حينها بإحراز تقدم تمثل بـ”جزين أولاً”، لكن النجاح في حينها سُجل عليه لا له، ذاك أن غازي كنعان آنذاك سلط عليه آلة الممانعة بقضها وقضيضها، فاستقال من منصبه، وقرر استئناف العمل السياسي من خارج السلطة.
من الصعب على “الفلول” في السياق اللبناني أن يطعنوا بخطوة تعيين السفير السابق سيمون كرم في لجنة الميكانيزم التي تتولى التفاوض مع الوفد الإسرائيلي حول تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، على رغم ما يحفل به تاريخ الرجل من مواقف سواء في مواجهة هيمنة النظام السوري السابق على القرار السياسي اللبناني في حينها، أو مواقفه من نفوذ حزب الله بعد الانسحاب السوري. ذاك أن طعنهم سيردّنا إلى تلك الحقبة القاتمة التي حفلت بها السنوات العجاف التي طارد خلالها غازي كنعان سيمون كرم، سواء عندما كان محافظاً للبقاع، أو سفيراً في واشنطن، وما صاغته خلالها أدبيات الممانعة من عبارات، عندما نجح كرم في انتزاع الانسحاب الإسرائيلي من قضاء جزين كتمهيد للانسحاب من كامل الأراضي اللبنانية، عبر خطة “جزين أولاً” التي أطلقت عليها الممانعة حينها اسم “مؤامرة الانسحاب من جزين”.
تعيين كرم اليوم بدا خطوة منسّقة ومنبثقة من قرارٍ بإضافة ملمح سياسي إلى لجنة الميكانيزم، وقابلتها خطوة إسرائيلية مماثلة وهو ما يؤكده تصريح رئيس الحكومة نواف سلام لقناة “الجزيرة” بأن لبنان مستعد لمفاوضات “فوق عسكرية” مع اسرائيل وتبدو مبالغة بنيامين نتانياهو في تصوير الخطوة بوصفها انعطافة كبيرة في مسار التفاوض مع لبنان، رغبة في عرقلتها واستدراج اعتراضات عليها. فهو يعرف أن إشارته إلى أنه أرسل وفداً إلى لبنان للتفاوض، لن تُستقبل بارتياح في أوساط حزب الله، الذي ما زال يملك نفوذاً سياسياً في لبنان.
الممانعة اليوم ليست في موقع يمكّنها من “التخوين العشوائي” على نحو ما فعلت في زمن غازي كنعان ومن بعده رستم غزالة، وهي وإن لن تخلّف خطوة تعيين كرم ارتياحاً لديها، ستبقي تحفّظها في صدرها. فرئيس الجمهورية جوزاف عون هو من عيّنه، وعلاقتها بعون هذه الأيام جيدة، وحجم الضغوط الأميركية على لبنان لا يترك مجالاً لشروط حزب الله. والأهم أن كرم قادم إلى موقعه الجديد من موقع شديد الوضوح في خياراته الجنوبية المستقلة فعلاً. وهنا تحضر الاشارة الى أن رئيس مجلس النواب نبيه بري لم يكن بعيدا عن خطوة التعيين.
لا شك في أن سيمون كرم سياسي سيادي، لكن سيادته من طينة مختلفة عن تلك التي تجيد الممانعة اللعب معها عبر التلويح بالحرب الأهلية. فالرجل قادم إلى السيادة من القانون، وليس من الانقسام الأهلي، وهو ابن خيار سياسي جنوبي لا يمكن المزايدة عليه به، وابن علاقات أهلية لا يشكل الخيار المذهبي عصبها. وعلى رغم ذلك هو واضح في موقعه السياسي، سواء عبر أدائه في لقاء قرنة شهوان، أو عبر مواقفه المعلنة من السلاح غير الشرعي، وقبل ذلك من احتلال جيش النظام السوري السابق.
تكاد تكون خطوة تعيين سيمون كرم، الخطوة الوحيدة التي اتخذتها الدولة اللبنانية في سياق بحثها عن مخرج للاستعصاء الذي وضعتنا به حرب الإسناد.
كرم خاض غمار التفاوض سابقاً ونجح في حينها بإحراز تقدم تمثل بـ”جزين أولاً”، لكن النجاح في حينها سُجل عليه لا له، ذاك أن غازي كنعان آنذاك سلط عليه آلة الممانعة بقضها وقضيضها، فاستقال من منصبه، وقرر استئناف العمل السياسي من خارج السلطة.
لن تكون المهمة سهلة على ابن مدينة جزين الجنوبية، لكن الصعوبة هذه المرة ستأتيه من ضفتي التفاوض، من تمسك حزب الله بسلاحه شمال الليطاني، وقبل ذلك من القرار الإسرائيلي بعدم الانسحاب من الأراضي اللبنانية التي احتُلت مؤخراً، لا بل أيضاً من الخطوة التي تسرع إسرائيل في تنفيذها والمتمثلة بالمنطقة العازلة وغير المأهولة. فنتانياهو يهجس بالمنطقة العازلة، ويلاقيه حزب الله عبر التمسك بسلاحه.
لدى سيمون كرم تجربة ديبلوماسية مشجّعة، على رغم أن المشهد اليوم أشد تعقيداً. قرار إسرائيلي بالمنطقة العازلة وقرار إيراني بالتمسك بسلاح حزب الله، وبينهما على الديبلوماسية اللبنانية أن تستدرج شروطاً دولية تفرضها على طرفي الحرب.