تُمهّد الحملة الأوروبية الموسّعة التي تُجرى حاليًا في بروكسل لمكافحة إساءة استخدام الأموال الأوروبية في المشاريع والصفقات الخارجية، الطريق أمام مناقشة الفضائح التي بدأت تنكشف بفضل المتابعة القضائية التي انطلقت منذ أعوام، والتي يتوقّع البعض انعكاس أثرها على مشاريع أُنجزت في لبنان، وخصوصًا في طرابلس التي أثار بعض أبنائها شكوكًا سابقة حول سير عمل بعض المشاريع المموّلة من الاتحاد الأوروبيّ.
وبعد إعلان النّيابة العامّة الأوروبية عن تنفيذ الشرطة البلجيكية عمليات تفتيش ومداهمات في بروكسل وبروج في إطار التحقيق بشبهة الاحتيال المالي، وشملت مقرّات هيئة العمل الخارجيّ الأوروبية، كلّية أوروبا (التي تستهدف تدريب النّخبة من القادة والمسؤولين في أوروبا) وبعض المنازل الخاصّة، أعلنت النّيابة توقيف ثلاثة متورّطين، لم تكشف عن هوّياتهم، لكن المصادر كشفت عن توقيف الممثّلة العليا السابقة للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، فيديريكا موغيريني، التي تُدير حاليًا الكليّة في بروج.
ووفق وكالة “فرانس براس”، فإنّ النّيابة، بدأت تحقيقًا يُركّز على “المحاباة المشبوهة والمنافسة غير النزيهة” في منح الكلّية برنامجًا يمتدّ لتسعة أشهر لتدريب دبلوماسيين جدد تابعين للاتحاد الأوروبي، كما يشمل التحقيق أيضًا مخالفات محتملة بيْن عاميّ 2021 و2022 ترتبط بالاحتيال، تضارب المصالح، انتهاك السرّية المهنية وتسريب معلومات لمرشحين قبل إعلان المناقصة، وهي تهمة بالغة الخطورة. وحتّى الآن، لا معلومات مؤكّدة تُثبت تورّط موغيريني، لكنّ التحقيقات مستمرّة بسبب ارتباط اسمها بفضيحة محتملة في الاتحاد.
هذا التطوّر القضائي، دفع بعض اللبنانيين، خصوصًا في طرابلس، إلى التكهّن بتورّط موغيريني الفعلي في قضايا مالية مرتبطة بالمشاريع المموّلة من الاتحاد الأوروبي. ومنذ ساعات، سارعت مواقع إخبارية لبنانية لتداول مقال تحت عنوان: “نفايات طرابلس تتسبّب بسجن وزيرة خارجية أوروبا السابقة”، والذي أوْحى بأنّ موغيريني تورّطت على المستوى الأوروبيّ في قضيتيْن محلّيتيْن، الأوّلى مرتبطة بمعمل النّفايات في طرابلس، والثانية مرتبطة باللاجئين السوريين حيث يزُعم أنّ أموال المفوضية الأوروبية أُهدرت بحجّة إدارة النّفايات.
وأكّد المقال، أنّ الأموال المُرسلة استغلّها “المسؤولون اللبنانيون لشراء أسلحة ولغسل أدمغة طرابلسيين لإرسالهم إلى الحرب في سوريا”، مشيرًا في إحدى فقراته، إلى أنّ الأموال ذهبت إلى جيب “حزب الله” أيضًا.
واللافت في هذا المقال، الذي نُشر في أكثر من موقع، هو تذكيره بأنّ الموسيقار عُمر حرفوش، هو من أثار القضية قبل سنوات في بروكسل، وذلك خلال مؤتمر شارك فيه نوّاب من برلمانات أوروبية عديدة، مع العلم أنّ حرفوش، حمل مشروعًا مقدّمًا من شركةٍ فرنسية لمعالجة النّفايات الصلبة في طرابلس، وكان من المقرّر تمويله من الأمم المتحدّة “لكن تمّ تعطيله بفعل الفساد وتوريط طرابلس بالمحارق”.
إنّ نشر هذا المقال لم يكن مستغربًا أو مرفوضًا في ظلّ رغبة الطرابلسيين في كشف الفاسدين، إلا أنّ مصدرًا متابعًا، استغرب ذكر معمل طرابلس تحديدًا من جهة، وتلميع صورة حرفوش من جهةٍ ثانية، علمًا أنّ القضايا التي تورّطت فيها موغيريني، حسب التحقيق، تعود إلى عاميّ 2021 و2022، بينما وقعت “المناوشات” الطرابلسيّة حول المعمل بحدّ ذاته والهدر، قبل الفترة المذكورة.
وإذْ يعتبر المصدر أنّ خبر توقيف موغيريني لا علاقة له بطرابلس أساسًا، فهو يقول لـ “لبنان الكبير”: “يبدو أنّ البروباغندا الإعلامية قد بدأت للتصويب على سياسيين طرابلسيين، وعلى رأسهم الرّئيس نجيب ميقاتي وغيره، لاتهامهم بهدر الأموال والاعتماد على المحارق في طرابلس، وذلك لا ينبع من خوف حرفوش على الطرابلسيين، بل ليفرض مشروعه الفرنسيّ الخاصّ”.
ويُضيف: “يركب حرفوش الموجة قبيْل الانتخابات بتذكيرنا بمشروعه الذي لم يأتِ بجديد حسب الخبراء (العام 2020)، وقد رأت البلدية حينها، ضرورة إعداد دفتر شروط لتنظيم مناقصة تسمح لأكثر من جهة الدخول فيها لمعالجة أزمة النّفايات، لكنّه اعترض على المناقصة، معتبرًا أنّ المشروع لا يحتاجها لحصوله على موافقة برلمانية فرنسية ومجلس الشيوخ الفرنسيّ، وهذا ما رفضته البلدية، التي اقترحت تدخل خبيرة بيئية لإعداد خطّة متكاملة لمعالجة النّفايات الصلبة في طرابلس، وبناءً عليها، يوضع دفتر الشروط اللازم، لكنّ العقبات كانت سياسية وداخلية أكثر منها خارجية، ولم تنجح المساعي في تحديد الطريقة الأسلم لمعالجة النّفايات، ووفق معطياتنا، فإنّ الخبيرة سافرت إلى أستراليا، بعد تعطيل عملها من أكثر من جهة”.
أمّا من أثار الشكاوى حول الفساد في الهبات المقدّمة للبنان، ومنها معمل النّفايات في طرابلس، هو عضو المجلس البلديّ السابق، ورئيس لجنة البيئة والطاقة المهندس محمّد نور الأيّوبي، الذي أكّد في كتابٍ أرسله للبرلمان الأوروبي أنّ رائحة الفساد تفوق رائحة النّفايات نفسها في المشاريع المموّلة من الاتحاد الأوروبي. وقد قُرأت الرّسالة (الكتاب) خلال انعقاد جلسة عامّة لبرلمان الإتحاد الأوروبي، من قبل النّائب الفرنسي تيري مارياني، “وقد أثارت ضجّة كبيرة، ونتيجة لذلك، تقرّر تشكيل لجنة تحقيق داخل البرلمان الأوروبي، وتحديدًا للفترة التي كانت موغيريني مسؤولة وممثلة للاتحاد في لبنان، وذلك لمراجعة الهبات المرسلة، انطلاقًا من التحقيق في ملف معمل معالجة النّفايات المموّل جزئيًا من الاتحاد الأوروبي.
الأيّوبي الذي يُشير إلى أنّه قدّم كتبًا لثلاث جهات، وهي: برلمان الاتحاد الأوروبي، النّيابة العامّة المالية، واتحاد بلديات الفيحاء، يقول لـ “لبنان الكبير”: “قُدّمت الشكوى للاتحاد الأوروبيّ، عبر حرفوش الذي تواصل بدوره مع النائب الفرنسيّ تيري مارياني للحديث عن المعمل الذي مُوّل بهبةٍ من الاتحاد الأوروبي، كذلك للّنيابة العامّة المالية، نظرًا لأنّه يعمل دون أدنى المواصفات البيئية، وبتكلفةٍ مضاعفة لمدينةٍ تُعتبر الأفقر على حوض البحر الأبيض المتوسّط، والسبب يكمن في النّقاط الأساسية الآتية: تخطّي القوانين المرعية الإجراء واستباحتها من قبل الإدارات المتعاقبة كافة، تخطّي الأصول الفنّية، وتخطّي الأصول التعاقدية، ممّا يتسبّب بهدر المال العام”.
ولمتابعة الشكوى، طلب الأيوبي من اتحاد بلديات الفيحاء، تزويده ببيانات خاصّة بمعمل معالجة النّفايات، لإرسالها إلى النّيابة العامّة، “وللأسف لم يتمّ تزويدنا بها، ما أدّى إلى تجميد الشكوى (بأرضها) وعدم استكمال التحقيق، وبقيت الشكوى لدى النّيابة العامّة معلّقة في أدراجها. ويختم حديثه متسائلًا: “هل سيتمّ لفلفة الموضوع لتبقى الشكوى في الأدراج، أم ستُستكمل التحقيقات لكشف المستور؟”