خليل حسين . محرر بموقع السفينة
لا أحد خرج بريئاً من امتحان المرحلة الانتقالية
بعد عام كامل على سقوط النظام، لم تتقدم سوريا خطوة واحدة نحو الدولة التي حلم بها السوريون. بل على العكس، تبدو البلاد اليوم أكثر تشتتاً وضعفاً من أي وقت مضى، وكأن القوى التي ورثت لحظة الانهيار لم تكن مؤهلة إلا لتكرار الفشل ذاته بصيغ جديدة.
السلطة الانتقالية، التي رُوّج لها بوصفها حجر الأساس في عملية البناء، تحولت إلى مؤسسة باهتة، بلا قدرة ولا إرادة، عاجزة عن اتخاذ قرار واحد يغيّر مسار الأمور. لم تستطع فرض الأمن، ولا وضع خطة اقتصادية، ولا حتى جمع القوى السياسية في قاعة واحدة. كل ما نجحت فيه هو إدارة الفراغ… وتوسيعه.
أما المعارضة السورية، التي رفعت شعارات كبرى في سنوات الصراع، فقد أثبتت خلال العام الماضي أنها الأكثر استعداداً للصراع الداخلي والأقل استعداداً لتحمل مسؤولية وطنية. خلافات شخصية، مزايدات أيديولوجية، وتفكك تنظيمي جعل مشاريعها السياسية حبيسة البيانات والمؤتمرات، لا الواقع.
وعلى الجانب الكوردي، ورغم تحقيق تقدم ملموس على مستوى التنظيم والإدارة، إلا أن الحركة الكوردية لم تتجنب الوقوع في فخ الحسابات الضيقة. تعدد مراكز القرار، تنافس على التمثيل، وتباينات حادة في الرؤى، جعلت الإنجاز الكوردي السياسي يتحول أحياناً إلى رافعة تعمق الانقسام بدلاً من أن تُسهم في بناء نموذج وطني جامع.
في الوقت ذاته، تمددت الفصائل العسكرية على الأرض، فتحولت إلى سلطات أمر واقع تتقاسم الجغرافيا وتفرض رؤيتها الخاصة بمعزل عن أي سلطة مركزية أو مشروع سياسي موحد. لا يمكن بناء دولة في ظل جزر أمنية قائمة على منطق السلاح لا منطق القانون.
إلى ذلك كله، يبرز العامل الدولي والإقليمي، الذي وجد في هذا الفراغ فرصة لرسم خرائط نفوذ جديدة، ووجدت فيه القوى المحلية مظلة للاصطفاف لا للبناء. هكذا، تكرّس المشهد الحالي: سوريا بلا مرجعية موحدة، وبلا خطة انتقال، وبلا طرف قادر وحده على حمل عبء الدولة.
الحقيقة التي لا يمكن الالتفاف حولها هي أن الفرصة التاريخية التي وُلدت مع سقوط النظام كادت تُهدر بالكامل. لم يسقط النظام وحده؛ سقط معه الرهان على طبقة سياسية جديدة قادرة على تجاوز أخطاء العقود السابقة.
ليس المطلوب اليوم البحث عن “بطل” أو “براءة طرف”، بل الاعتراف بأن الجميع أسهم، بدرجات متفاوتة، في إطالة أمد الفوضى. وأن الدولة لن تُبنى ما دام كل طرف ينتظر سقوط الآخر قبل أن يمد يده للشراكة.
سوريا لا تحتاج إلى شعارات جديدة، بل إلى مسؤولية سياسية حقيقية.
إلى اتفاق على شكل الدولة قبل تقاسم الدولة.
إلى تعريف واضح للمصلحة الوطنية، بعيداً عن الأهواء الحزبية والقومية والولاءات الإقليمية.
العام الأول كان امتحاناً…
والنتيجة كانت فشلاً جماعياً.
والسؤال المطروح الآن:
هل يملك السوريون ترف تكرار هذا الفشل؟