حين تطالعنا نشرات الأخبار بعواجل عن حدوث إطلاق نار في مدينة ما، ننتظر لنتبيّن طبيعة المهاجم. لكننا جميعًا نكون متأكدين أنه رجل، وليس امرأة. هذا التأكد في حدّ ذاته يعني الكثير. الرجل، أو ما تبقى من تاريخه، هو من يقاتل، حتى الموت أو الانتحار، دفاعًا عن وظيفته القديمة. أما المرأة من جانبها فلا ترى في هذا المسلك الانتحاري ما يمكن المراكمة عليه. لم تكن مرة انتحارية على النحو الذي يكونه الرجل، ولم تكن مرة ملتبسة الحضور في الحيّز العام على النحو الذي يكونه الرجل. فالرجل، في الحيّز العام، يقرّر ظهوره بحسب ما يصف نفسه، ويعرّفها. حضوره ليس جسديًا، بقدر ما هو حضور وظيفي: فارس، فلاح، مدرب كرة قدم، لاعب كرة سلة، مدير مصرف، جندي. هكذا يُفهم التنوع الذي يحيط بما يرتديه الرجال في الحيّز العام، لأنهم يريدون أن يُظهروا أنفسهم بوصفهم ذوات تملك وظائف محددة اجتماعيًا. وفي كل هذا، هم لا يلقون بالًا لدلالات أجسامهم جنسيًا وإشاراتها، إلا في أوضاع بالغة التحديد. ذلك أنهم حتى اليوم ما زالوا يتصرفون بوصف رغبتهم حاضرة، وبوصفهم كائنات مرغوبة من الجنس الآخر، لأسباب لا تحصى. فهم مرغوبون لأنهم مقتدرون ماليًا، أو لأنهم أقوياء بدنيًا، أو لأنهم منضبطون جسديًا وعقليًا. هكذا تفيض الغواية الذكورية عن حد الجسم لتشمل الصفات، وهذه غواية أقل ما يقال فيها أنها ليست طبيعية، ولا يمكن أن تكون. فالرجل لا يغوي بوصفه صاحب جسم، في الغالب الأعم من الحالات، بل بوصفه صاحب وظيفة أو ملكية.
لنعد قليلًا إلى عواجل حوادث إطلاق النار في مدينة ما. ما ننتظر تبيّنه عند حدوث الجريمة ليس هوية المهاجم الجنسية، بل هويته الوظيفية: هل هو معترض سياسي، ويريد أن يغير في الشأن العام بالقتل وإراقة الدم؟ هل هو أيديولوجي يحسب أن جسمه ليس مهمًا، وأن الصفة التي يحملها ويريد إشهارها على العموم أهم من كونه صاحب جسد حي؟ هل هو مضطرب نفسيًا أو عقليًا، ويريد أن يقوم بفعل خارق، أكبر وأخطر من وجوده، ما يعينه فعلًا على الانضباط، وضبط مشاعره وتحولاته التي لا طاقة له على احتمال متغيراتها وتقلباتها؟
هذه الانتظارات تدل بلا لبس على أن الرجل المعاصر يشعر بأنه يكاد يخسر كل امتيازاته، التي كانت محققة له ومضمونة في العصور القديمة. الرجل المعاصر ليس فارسًا، لكنه لا يكف عن التفكير بالطريقة الأنسب التي تجعله فارسًا حقًا، ولو للحظات تسبق موته أو اعتقاله من قبل السلطات. والرجل المعاصر ليس قويًا، مثلما يوحي جسم الجندي بالقوة. إنه رجل منضبط، ويمكن أن يقوم بأكثر الأفعال جنونًا إذا ما أُمر بالقيام بها. جسم الجندي هو جسم منضبط وفعال، ونادرًا ما يخيف من يحيطون به، أو يجعلهم يتحسبون لأي فعل قد يقوم به. إنه منضبط تمامًا، وانضباطه الرياضي والجسدي والعقلي هو بالضبط ما يتيح له، حين تصدر الأوامر، أن يصبح أكثر الكائنات عنفًا وجنونًا. ليس فارسًا، بل كلب حراسة. وهذا يشير بلا لبس إلى الخسارات الكبرى التي مني بها الرجل ووظائفه، وصعوبة استعادتها على أي نحو من الأنحاء.
الجندي ليس وحيدًا في هذا المضمار. الموظف أيضًا هو كائن منضبط. الرأسمالي أيضًا. أصحاب المليارات أيضًا. كل هؤلاء لا يستطيعون أن يتصرفوا كما لو أنهم أحرار في ما يريدونه. ثمة ضوابط لا تحصى، لا تتعلق كلها بتعويض النساء والأطفال عن العسف الذي لحق بهم في ظل السلطات البطريركية. هذه الضوابط تشي بأن الرجل يخجل بتاريخه أيضًا. لذا حين يعمد إلى محاولة الاستفادة من سلطاته وقدراته على النحو الذي يعيده فارسًا أو أميرًا أو ملكًا، فإنه يغلف هذا التعمد بالسر. السر الذي يجعل من الرجل كائنًا حائرًا. لا يجد مكانه في العلن ولا في السر. وغالبًا ما يمارس نشاطاته بوصفها ضد رغباته تمامًا.
قد تكون ظاهرة “إطلاق النار العشوائي” هي ذروة أزمة الرجل. المهاجم غالبًا رجل (شاب أو في منتصف العمر) يشعر باللاتمكين في جميع جوانب هويته الوظيفية: رب عمل، معيل، محارب، صاحب قرار. والعنف في هذه الحال يأتي استجابة لهذا العجز، بوصفه كلمته الأخيرة للإعلان عن الوجود: أنا هنا، أنا فاعل، أنا قادر على إحداث تغيير درامي (ولو كارثي) في النظام الذي أشعر أنه أخضعني وأهملني”. إنه تحويل الجسد من كائن منضبط سلبي إلى أداة فوضوية نشطة. وهو فعل لا تقوم به المرأة بالنسبة نفسها، لأن تشكيل هويتها وطرق إثبات الذات الاجتماعية لديها مختلفة جذريًا، ولأن علاقتها التاريخية بالعنف العلني كممارسة “مشروعة” للهيمنة أو الاحتجاج معدومة تقريبًا.
وهذا كله يصنع رجلًا يعيش يومياته بين عالمين:
هو في العلن كائن وظيفي، محسوب، دقيق، منضبط، محايد. وهو في السر كائن حائر، يريد استعادة شيء ضائع، شيء لم يعد من حقه، ولا يعرف كيف يدافع عنه من دون أن يُدان.
الرجل اليوم كائن مزدوج، لا يجد مكانًا له لا في العلن ولا في السر، يمارس أفعاله ضد رغباته، أو كأنها آخر محاولاته لتذكير نفسه بأنه لا يزال يملك أثرًا ما.
وفي الخلاصة، يبدو أن العنف الذي يمارسه الرجال لا يُمارس لأنهم أشرار، ولا لأن الذكورية سامة كما يفيد الخطاب الشائع، بل لأن الرجل يخسر وظيفته التاريخية، ولم يجد حتى الآن وظيفة مناسبة.
ضفة ثالثة