
-
-
..سقراط العلو
-
شهدت العاصمة دمشق، منذ سقوط نظام الأسد، عدة اعتصاماتٍ لسائقي التاكسي، كان آخرها في نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) أمام وزارة النقل، للاحتجاج على القانون رقم (16) الذي أصدره النظام السابق في العام 2021، وأتاح بموجبه للسيارات الخاصة الصغيرة والمتوسطة العملَ في النقل العام عبر التطبيقات الإلكترونية.
أعادني مشهد الاعتصام الأخير إلى العام 2019 حين كنتُ طالباً في الماجستير بالجامعة الكاثوليكية في لشبونة حيث واجهتني في امتحان مادة السياسات العامة مهمة كتابة نص يقدّم موقفي من احتجاجات سائقي التاكسي البرتغاليين ضد شركة أوبر. يومها فعلتُ ما يفعله الطلاب عندما يتقاطع السؤال الامتحاني مع ما يعرفونه عن ذائقة الأستاذ والجامعة؛ فكتبت إجابةً مثاليةً نيوليبرالياً. استدعيتُ «اليد الخفية» لآدم سميث، ودافعتُ عن حرية السوق كآليةٍ وحيدة لتنظيم المنافسة، واعتبرتُ تدخّل الدولة في تحديد الأسعار أو حماية المهنة خطراً على كفاءة الاقتصاد وقدرته على الابتكار. ذهبت في الحجاج إلى أقصى ما يُمكن أن ينسجم مع منطق «المنافسة المفتوحة» و«تحرير السوق»، وأنا أعرف مسبقاً أن هذه الإجابة ستطرب أستاذ المادة، الذي يرى في الحدّ من دور الدولة علامة نضجٍ فكري، أكثر مما يراه مسألةً موضعَ نقاش.
لم تكن الإجابة حينها تعبيراً عن تجربةٍ حية مع السوق بقدر ما كانت استجابةً لتمرين نظري، يفترضُ كما أدبيات النيوليبرالية أن السوق مساحة عادلة بأطرافٍ عقلانية مُحدِّد مكسبها الوحيد هو الكفاءة. لا سائقي تاكسي يُعيلون أسرهم، ولا مدناً متوترة تعيش ضغط الغلاء، ولا مهناً هشّة لا تملك قدرة التكيّف. اليوم، لا بد من تغيير زاوية النظر إلى السوق بوصفه علاقة اجتماعية وسياسية تتقاطع فيها القوة، وعدم المساواة، وموازين النفوذ. من هنا تبدو احتجاجات سائقي التاكسي في دمشق مدخلاً مناسباً لطرح قضيةٍ ذات بُعد عالمي ألقت بظلالها على سوريا، وتوسيعها لنقاش حدود عدالة السوق الحر ودور الدولة، خصوصاً في إطار التوجه المُعلن للحكومة الانتقالية نحو السياسات النيوليبرالية، واستشراف الأثر الاجتماعي المحتمل لتلك السياسات قياساً على تجربة بشار الأسد في التحول الاقتصادي.
في ظاهر الأمر، يبدو الصراع بين سائقي التاكسي والتطبيقات الرقمية صراعاً بين «تقليدي» و«حديث»، سيارة تقف في الشارع، وأخرى يُمكن حجزها عبر الهاتف. لكن ما تغيّره تلك المنصّات لا يقتصر على شكل الطلب في سوق النقل فقط، بل يمتد إلى بُنية العلاقة الاقتصادية فيه. ففي النموذج التقليدي، يقوم عمل السائق على تفاوض مباشر مع الراكب ضمن إطار سعري تحدّده التعرفة الرسمية والعرف الاجتماعي. أمّا في نموذج أوبر ويلا غو، فالعلاقة لم تعد بين طرفين، بل بين ثلاثة؛ تطبيق يحتكر المعلومة وخوارزمية التسعير، وراكب، وسائق يتحول من فاعل مستقل إلى طرف مُلحق بمنصّة تملك القدرة على تحديد العمولة، وطريقة احتساب الأجرة، وحتى إقصائه عبر تقييمات الزبائن.
هذا الانتقال من علاقة تفاوض مباشر إلى علاقة تحكمها خوارزمية، هي ما أسماه عددٌ من الباحثين «رأسمالية المنصّات»، حيث ينتقل جزءٌ كبيرٌ من النشاط الاقتصادي إلى أنماط جديدة من الاحتكار القائم على البيانات والشبكات، بدلاً من الأشكال التقليدية. فالمنصّة لا تبيع خدمة النقل فقط، لكنها تُسيطر على البنية التحتية الرقمية التي تمر عبرها الطلبات، وبالتالي كلما زاد عدد المستخدمين والسائقين، أصبح من الأصعب على منافس جديد أن يدخل السوق، وأصبح موقع المنصّة أقرب إلى احتكار فعلي.
من وجهة نظر ليبرالية كلاسيكية، تعمل مثل تلك المنصّات على رفع كفاءة السوق، وخفض التكاليف، وتنظيم أفضل للعرض والطلب، وتقديم خدمة أكثر أماناً وشفافية. نظرياً هذا صحيح، باشتراط أن المعلومات متاحة للفاعلين في السوق بالتساوي، وأن الأطراف متكافئة تقريباً، وأن التفاوض حُرّ. أمّا في الواقع، فلا شيء من ذلك يتحقق؛ فالمنصّة هي الطرف الوحيد الذي يرى الصورة الكاملة للسوق، يعرف الطلب في كل لحظة، ويتحكم في سعر الرحلة، ويمتلك إمكانية إعادة توزيع الريع داخلياً بما يخدم نموه هو أولاً.
هنا تبدأ فكرة «حرية السوق» في التهافت نظرياً. فالسوق لا يعود مساحةً مفتوحةً لتعدّد الفاعلين، وإنما قناةً واحدةً يمرُّ عبرها النشاط الاقتصادي، والحرية هي حرية دخول المنصّة بشروطها، لا حرية تفاوض في سوق متعدد. وفي هذا الإطار، يُمكن الاستعانة بنقد الاقتصادي كارل بولاني لفكرة «السوق المجرّد» في كتابه التحول الكبير، وهو السوق الذي يتحرك خارج المجتمع؛ حيث اعتبر بولاني في تحليل مبكر جداً، هو أقرب للنبوءة في عصرنا، أن تحويل العمل والخدمات إلى «سلع» تتحكم بها قوى العرض والطلب من دون حماية اجتماعية سيُفضي إلى ما أسماه «الحركة المزدوجة»، من جهة توسّع للسوق، ومن جهة ثانية رد فعل اجتماعي يسعى إلى إعادة توجيه الاقتصاد لخدمة المجتمع وقيم العدالة والحماية.
ويُعد احتجاج سائقي التاكسي في كل الدول التي دخلتها تلك المنصّات تقريباً، أحد وجوه هذه الحركة المزدوجة، فالسوق توسّع رقمياً بشكلٍ أعاد تنظيم القطاع، وقوبل ذلك برفضٍ اجتماعي من فئات ترى أن هذا التنظيم يأتي على حساب قدرتها على البقاء والمنافسة. ومما يُعزّز عدم العدالة في سوق النقل، هو قدرة تلك المنصّات، وبخاصة ذات الرساميل الكبرى، على التأثير في القرارات الحكومية سواءً عبر قنوات شرعية أو غير شرعية، كما حدث في قضية عُرفت باسم «وثائق أوبر»، والتي أظهرت تعاوناً وتسهيلاتٍ لدخول أسواق بشكل غير قانوني بين الشركة وسياسيين أوروبيين، من بينهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حين كان وزيراً للمالية. فإذا كان هذا الحال في دول أوروبية، فكيف كان الحال حين ظهرت تلك التطبيقات والمنصّات في سوريا، وسُمح لها بالعمل في ظل مظلة أسماء الأسد الاقتصادية؟
وتفتح مثل تلك الحالات النقاش حول إمكانية حيادية الدولة تجاه السوق، ومدى واقعية ذلك؟ فالدولة لا تقف خارج مشهد المنافسة، بل هي فاعلٌ فيه يبحث عن تعظيم مصالحه السياسية والاقتصادية. إذ أن السماح لمنصّات النقل بالعمل في بلد ما، أو تقييدها، لا يتم وفق معيار «الصالح العام» المُجرّد، بل وفق مزيجٍ من ضغط نقابات، ومصالح مستثمرين، واعتبارات انتخابية أو أمنية. وهذا النوع من القرارات ليس تقنياً، وإنما محصلةٌ لصراع أصحاب مصالح داخل الدولة وخارجها.
وكمثال على تدخّل الدولة كفاعل في تنظيم السوق ووضع شروط التنافس، يُمكن أن نستعرض ثلاثة نماذج مفيدة في إطار الحديث عن قطاع النقل:
أولها فرنسا، حيث واجه نموذج أوبر عقبةً قانونيةً تتمثّل في أن رخصة التاكسي تعتبر أصلاً اقتصادياً استثمر فيه السائقون سنواتٍ من عملهم ومدخراتهم. فحين دخلت الشركة دون أن تتحمّل تكلفة هذه الرُّخَص، اعتبر السائقون أن الدولة سمحت بعملية تنافس غير عادلة لصالح رأسمال جديد. فاحتشدوا، وأغلقوا الطرق، ودخلوا في صدامات مباشرة مع الشرطة. مما دفع الحكومة إلى تبني مقاربة وسطية عبر عدة إجراءات لتنظيم المنافسة، منها: حظر تشغيل السائقين غير المرخّصين، وإلزام سائقي المنصّات بالحصول على ترخيص مهني، وتنظيم الأسعار والعمل، وفرض حدٍّ أدنى من الحماية الاجتماعية، ووضع إطارٍ قانوني يضمن منافسةً عادلةً مع التاكسي التقليدي. هنا تدخلت الدولة لتنظيم السوق، ومنع أن يتحول تحريره إلى إزاحة لفئة مهنية بأكملها.
أمّا ألمانيا فانطلقت من فلسفة «اقتصاد السوق الاجتماعي» التي ترى أن السوق ليس عادلاً من تلقاء ذاته، وأن مهمة الدولة أن تضمن التكافؤ في شروط المنافسة. لذا لم يُسمح للمنصّات بالدخول كفاعل حر كامل، بل خضعت منذ البداية لمنظومة شروط قريبة من شروط التاكسي التقليدي؛ تسعير مضبوط، رخص مُحددة، التزامات ضريبية واجتماعية واضحة. أي أنها لم تعطِ «ذراع السوق الخفية» فرصةَ الانفراد برسم ملامح القطاع، بل قيّدته منذ البداية بفكرة العدالة، حيث لا تُمنح شركة واحدة، بحكم بنيتها الرقمية، امتيازاً بنيوياً يُحوّل المنافسة إلى مسارٍ أحادي ينتهي باحتكارٍ جديد.
أما النموذج الثالث، فهي البرتغال التي اختارت ما يُمكن اعتباره نموذجاً وسطاً بين الحظر والفتح المطلق. لم تمنع تطبيقات النقل، لكن وضعت قانوناً خاصاً لها يُعرّف نوعية العمل داخل تلك المنصّات، ويُحدد سقوفاً للعمولات، ويضبط العلاقة بين السائق والتطبيق والدولة. إذ كان هدف السياسة العامة خلق توازن بين رفع معدلات النمو، والحفاظ على قدرة الفئات الأضعف على متابعة حياتها بكرامة، وعدم تحويل النمو إلى عملية سحق بطيء لمهن تعتاش منها جماعات واسعة.
وفي التجارب الثلاث، كانت احتجاجات سائقي التاكسي بمثابة تحدٍ لقدرة الدولة على فرض منطق العدالة على السوق دون تقييد حريته، والحكومات في استجاباتها المتفاوتة تعاطت مع الاحتجاجات ضمن هذا المنظور، فالقضية ليست اختباراً لمدى ولائها لليبرالية الاقتصادية بوصفها عقيدة، وإنما قضية عدالة، فانتقلت تلك الحكومات من سؤال هل نسمح للسوق بالعمل؟ إلى سؤال بأي شروط نسمح له؟
إذا انتقلنا بهذه الأدبيات والتجارب إلى دمشق، يُصبح من واجب الحكومة التعامل مع احتجاج سائقي التاكسي كمؤشر مُبكر لحساسية القرارات الاقتصادية، وخصوصاً فتح السوق في قطاعات معينة، وما يترتّب عليه من آثار اجتماعية وسياسية. فالسوق السوري ليس مُشبعاً بنقاباتٍ قوية، ولا تحكمه دولة قادرة على التعويض، ولا يعيش في ظل نمو معقول يسمح للفئات المتضررة بإعادة التموضع. إضافةً إلى الواقع الاقتصادي المتردي، حيث يعيش أكثر من 90 بالمئة من السكان تحت خط الفقر. في بنية كهذه، لا يوجد أي هامش لتجريب سياسات السوق بالطريقة نفسها التي جُرِّبت بها في بيئات أكثر استقراراً.
وبالرغم من عدم مسؤولية الحكومة الانتقالية عن ترخيص تلك المنصّات، إلا أن معالجة المشكلة وإعادة تنظيم سوق النقل العام بطريقة عادلة يقع على عاتقها. والأهم من ذلك، الاستفادة من هذا الدرس ومراعاة الجوانب الاجتماعية والسياسية لتوجّهاتها المُعلنة نحو تقليص القطاع العام، ورفع الدعم، والتحرير المتسارع للتجارة لصالح الواردات، وسن القوانين الناظمة للاقتصاد، مثل مشروع القانون الضريبي الموحّد، والذي يميل في جوهره إلى حماية رأس المال الكبير، بينما يترك الشركات الصغيرة والمتوسطة أمام تكاليف إنتاج مُتصاعدة من دون حمايةٍ تُذكر. إضافةً إلى غياب الشفافية في توزيع الاستثمارات على الشركات، والتركيز على جذب استثماراتٍ عقارية وخدمية عالية الربحية، في ظل غياب الحديث أو التوجه، ولو بالحد الأدنى، نحو برامج الحماية الاجتماعية التي تحمي ما تبقّى من قدرة الطبقات الشعبية على البقاء.
في مثل هذا السياق، تُصبح احتجاجات سائقي التاكسي في دمشق أبعد من مجرد مطالب فئوية، ويجب أن تُفهم حكومياً على أنها مقدمةٌ لاحتجاجاتٍ قادمة في قطاعات اقتصادية أخرى قد تتضرر من نتائج «إعادة بناء الاقتصاد» بالطريقة الحالية الارتجالية وغير الشفافة، والتي بالضرورة ستُلقي عبء العملية على أكتاف الفئات الأضعف.
فوفقاً للأدبيات الناقدة لليبرالية الجديدة، فإن تحرير السوق من دون حمايةٍ ترافقه يؤدي إلى تركُّز الثروة في يد قلة، وتآكل الطبقة الوسطى، واتساع قاعدة الفقر، وبالتالي تراكم غضب اجتماعي ينفجر عند أول فرصة. أما من حيث التجربة العملية، فليس أوضح من مثال التحول الاقتصادي الذي أحدثه بشار الأسد، وكيف شكّلت نتائجه المقدمات الاقتصادية للثورة السورية، وعلى رأسها خسارة القاعدة الشعبية الريفية لحزب البعث. فإذا كانت على المستوى النظري والعملي تلك هي نتائج التلاعب غير المدروس بالاقتصاد، في ظل نظام أمني متوحش ممسك بتلابيب المجتمع، فكيف بمجتمع خرج لتوّه من حرب، ولم يُرمّم بعد شبكات تضامنه، ولا يملك مؤسسات قادرة على امتصاص الخسائر؟
في امتحان لشبونة 2019، كان من السهل أن أكتب دفاعاً نظرياً عن تحييد الدولة لصالح «اليد الخفية». أما في دمشق 2025، فيُصبح هذا الدفاع غير مقنع. ليس لأن السوق شرٌّ في ذاته، بل لأنه في غياب قواعد عادلة، يميل إلى خدمة الأقوى. ولأن إعادة بناء الاقتصاد اليوم شرطٌ لازمٌ لكنه غير كافٍ، إلا إذا كانت العدالة سابقة على التفكير فيه. وهنا أطرح سؤالي الختامي، هل مَن يقوم اليوم رسمياً على صناعة القرار الاقتصادي السوري، يُفكر بنضج 2025 في ضوء الأدبيات وتجربة سوريا في التحول الاقتصادي عام 2005، أم أنه يُفكر بعقل الطالب الذي يُحاول تحصيل العلامات من خلال إرضاء توجهات مُدرّس المادة؟
-