لم يكن هجوم تدمر مجرّد اختراق أمني جديد في سجلّ الصراع السوري، بل مثّل لحظة كاشفة لطبيعة المرحلة التي تدخلها البلاد بعد أكثر من عقد من الحرب. فخطورة الهجوم لا تنبع من نتائجه العسكرية المباشرة، بقدر ما تكمن في ما كشفه عن هشاشة متزايدة في البنية الداخلية للدولة، وعن تآكل مقلق في منظومات القيادة والسيطرة، وتداخل الولاءات السياسية والعسكرية، في مشهد يعكس دولة لم تنجح بعد في إعادة إنتاج نفسها كمركز سيادي متماسك.
تشير تقديرات مسؤولين ومصادر مطلعة إلى أن ما جرى في تدمر يعبّر عن خلل بنيوي يتجاوز ضعف الانتشار الأمني أو سوء التقدير الاستخباراتي، ليصل إلى أزمة ثقة داخل المؤسسات نفسها. فالتشقق لم يعد محصوراً في خطوط التماس الجغرافية، بل بات يمتد إلى عمق البنية الاجتماعية والسياسية، حيث تتزايد المخاوف لدى مختلف المكوّنات السورية من مستقبل غير واضح المعالم.
في هذا السياق، ينقل عن أحد المسؤولين قوله إن القلق بات شعوراً عابراً للطوائف والأعراق: “العلويون يشعرون بأن الضمانات التقليدية تتآكل، والسنّة يرون أن الدولة عاجزة عن تمثيلهم سياسياً، فيما يراقب الكرد التطورات بحذر شديد، إدراكاً منهم أن أي انهيار إضافي في المركز سينعكس مباشرة على أطراف البلاد”. هذا القلق المشترك لا يعبّر عن وحدة وطنية بقدر ما يعكس إدراكاً جماعياً بأن سوريا تتجه نحو مزيد من التفكك، لا نحو إعادة الاندماج.
وعلى المستوى الخارجي، يكتسب هجوم تدمر دلالات إضافية تتصل بمحاولات دمشق إعادة فتح قنوات الشرعية مع الولايات المتحدة. فالنظام السوري يدرك أن أي حديث جدي عن إعادة تأهيل سياسي أو أمني يمرّ حكماً عبر معيار أساسي: القدرة على العمل المنسّق والفعّال مع القوات الأميركية وشركائها في محاربة التنظيمات المتطرفة. غير أن هذا المعيار يصطدم بتاريخ طويل من التعاون الأميركي مع قوات سوريا الديمقراطية في شرق البلاد، وهو تعاون لم يكن تكتيكياً فحسب، بل شكّل بنية أمنية موازية خارج سيطرة دمشق.
وبحسب مصادر دبلوماسية، تدور حالياً نقاشات معمّقة في العواصم الغربية حول مستقبل الهيكل الحاكم في سوريا، في ظل إدراك متزايد بأن الصيغة الحالية غير قادرة على إنتاج استقرار مستدام. وينقل عن مصدر استخباراتي أوروبي قوله إن “السيناريو الأول يفترض أن يكون حكم الشرع إطاراً انتقالياً مؤقتاً، يهدف إلى ضبط الانهيار لا أكثر. أما السيناريو الثاني، فيتمثل في انزلاق البلاد نحو اضطرابات داخلية واسعة، تغذّيها انقسامات غير محلولة وغياب مسارات مصالحة حقيقية”. ويضيف المصدر أن “هاتين الديناميكيتين قد تتداخلان، بحيث تتحول المرحلة الانتقالية نفسها إلى عامل تسريع للفوضى بدل أن تكون جسراً للاستقرار”.
في ضوء هذه المعطيات، يمكن قراءة هجوم تدمر كرسالة سياسية بقدر ما هو حدث أمني. فهو يسلّط الضوء على حدود القوة التي ما زالت الدولة السورية تمتلكها، وعلى الفجوة المتسعة بين السيطرة الشكلية على الأرض، والقدرة الفعلية على إدارة مجتمع متشظٍ، واقتصاد منهك، وشبكة تحالفات خارجية متناقضة.
إن السؤال المركزي الذي يفرضه المشهد الراهن لم يعد مرتبطاً بإمكانية عودة الحرب الشاملة، بل بقدرة سوريا على تجنّب تفكك بطيء وصامت، تُنتج فيه كل أزمة أمنية مؤشرات جديدة على تآكل الدولة من الداخل. وفي هذا السياق، يبدو أن هجوم تدمر لم يكن سوى حلقة في سلسلة اختبارات قاسية ستحدد ما إذا كانت سوريا تتجه نحو إعادة تعريف مؤقت للدولة، أم نحو فراغ طويل الأمد تعجز فيه أي سلطة مركزية عن فرض مسار جامع.