رووداو ديجيتال
معد فياض
يختار الموسيقار والمغني العراقي والعالمي إلهام المدفعي، أربيل، عاصمة اقليم كوردستان ليبدأ فيها أولى حفلاته بمناسبة اعياد الميلاد ورأس السنة الميلادية لأنه، وحسب قوله: “اتفاءل بجمهوري هنا وبأهلي العراقيين من الكورد والعرب وبقية القوميات والاديان الذين تجمعهم اربيل او هولير كما احب أن اسميها”، منبهاً الى ان “المجتمع العراقي يشكل سجادة ملونة مباركة منسوجة من قوميات واديان ومذاهب منذ اكثر من سبعة الاف عام، وتكوَن لوحة فسيفساء رائعة”.
المدفعي وصل أمس من عمان الى اربيل، وفي لقائه مع شبكة رووداو الاعلامية اليوم الثلاثاء (23 كانون الاول 2025) قال إن “من بين العروض التي قدمت لي لاحياء حفلات اعياد الميلاد في مدن عربية مختلفة أخترت اربيل لأحيي أولى حفلات اعياد الميلاد فيها، فانا استمتع هنا بين جمهوري الذي يمثل كل العراقيين في هذه المدينة التي حافظت على تراثها وتطورها في آن واحد، وتحولت الى ملاذ آمن للجميع وأجد العربي يعيش هنا الى جانب اخيه الكوردي والتركماني مع المسلم والمسيحي وبقية الاديان والمذاهب”.
وحسب ما اوضح نجله محمد المدفعي مدير M. MADFAI MANAGEMENT GROUP فان “الفنان إلهام المدفعي سيحيي يوم الجمعة 26 كانون الاول الجاري سهرة موسيقية غنائية استثنائية على مسرح قاعة بيرويا في عين كاوة، وسيغني من قديمه وجديده في لقاء يتجدد فيه مع جمهوره الذي انتظره طويلاً”.
واضاف محمد المدفعي الذي نظم الحفل: “كانت هناك عروض لاحياء حفلات اعياد الميلاد بمدن عراقية وعربية لكن الوالد أصر على ان تكون هذه الحفلة في اربيل التي نحبها ونشعر بالانتماء لها ولأهلها”.
المدفعي يفتخر بجذوره الكوردية، موضحاً: “أنا إلهام بن حسن فهمي المدفعي، لقب والدي هو دزيي والمدفعي هو صنف العسكرية الذي كان يخدم فيه منذ البداية”، مبيناً: “كما أن والدتي شيروانية من شيروان مزن، وأهلي وتاريخي كله هنا لكن لم تسنح الفرصة سابقاً للمجيء والبقاء لفترة لكنني ومنذ سنوات آتي الى هنا للراحة والشعور بالسعادة وانا بين الكورد الاصلاء، واختار من بين كل عروض الحفلات ان اغني في اربيل”.
ويوضح المدفعي: “أنا لست ضيفاً على إقليم كوردستان، بل أن أربيل مدينتي، والجميع يعرف بأن أصولي كوردية (دزيي)، وهنا أشعر بالأمان وأنا بين أهلي وأصدقائي، في أربيل التي تتطور وتتقدم الى امام باستمرار”، مضيفاً: “أشعر بالفخر وشعور رائع لأنني في إقليم كوردستان التي أحرص على زيارتها باستمرار”.
لا نستطيع ان نتحدث عن الهام المدفعي بوصفه فناناً موسيقياً وحسب، بل هو يمثل ظاهرة حضارية ويشكل مع عائلته التي ساهمت ببناء بغداد والعراق، من خلال المكتب الاستشاري “دار العمارة” الذي اسسه شقيقاه، قحطان وهشام المدفعي ببغداد في الخمسينيات، حيث قدموا خدمات استشارية وهندسية كبيرة في العراق، ويُعد جزءاً من إرث عائلة المدفعي في الهندسة والعمارة.
يوضح إلهام المدفعي: “في بيت العائلة، حيث كانت تعقد جلسات الحوارات الفكرية، والغناء، كنت أستمع لفرقة الجالغي البغدادي التي نستضيفها اسبوعيا ولأغانيهم التراثية مثل (يا الزارع البزرنكوش ازرع لنا حنة، وجلجل علي الرمان، الما يرابض)، وغيرها، بأصوات وآلات موسيقية تقليدية، وكنت أفكر في نقل هذه الأغاني بأسلوب جديد يتناسب مع روح العصر وأتيح للشباب الاستماع إليها، خاصة وأن موجات الفرق الموسيقية الغربية كانت سائدة في العالم مثل فرقة (البيتلز) الانكليزية المشهورة، وسألت نفسي، من الممكن أن نفعل ذلك، وهكذا بدأت”.
عندما بدأ إلهام المدفعي مشواره الفني، منطلقاً في نهاية الستينيات بتجديده للتراث الموسيقي والغنائي العراقي بقالب “موسيقى الجاز”، وعلى إيقاع الآلات الغربية، واجه الكثير من العراقيل، إذ اعتبر العديد من التقليديين أسلوبه تهديداً للتراث الموسيقي، لكن الحملة التي شنت ضده لم تؤخره عن تحقيق هدفه، فكل ما عمل عليه هو إخراج الأغاني التي كان محصوراً تداولها وسماعها بين جيل معين واداؤها بأسلوب متجدد مما أطلقها لأجيال من الشباب حتى اليوم.
يقول: “اشعر اليوم بالسعادة والفخر على ما انجته واقدمه لجمهوري في كل مكان رغم ما عانيته من متاعب، لكن على من يعمل على مشروع ريادي وتنويري أن لا يقف عند هذا الاعتراض أو ذاك بل عليه أن يبرهن نجاحه واستمراريته، وهذا ما أنجزته أنا”.
سألنا المدفعي عن واقع الغناء العراقي اليوم، أجاب: “قد أختلف مع البعض حول واقع الأغنية العراقية، فبالرغم من مساحة الحرية الواسعة ووجود كم كبير من استوديوهات التسجيل والمحطات التلفزيونية التي بلغ عددها بالعشرات، إلا انني لا اسمع ما هو متميز من الاغاني، بل أسمع موسيقى وأصواتاً متشابهة، وأنا هنا أتحدث بصورة عامة وليس عن بعض الأصوات”.
وأشار إلى أن “مطربي موجة السبعينيات، أمثال فاضل عواد وحسين نعمة وفؤاد سالم وسيتا هاكوبيان وسعدون جابر، وياس خضر ثم رياض أحمد، يتميزون بأدائهم وأسلوبهم وأصواتهم واختيارهم للكلمات، كما أن الملحنين وقتذاك كانوا أيضاً مبدعين ومتميزين، وكانت هناك قواعد وضوابط في المؤسسة العامة للاذاعة والتلفزيون التي لا تسمح بوجود أغاني هابطة”.
وتمنى المدفعي قائلاً: “لو أني أجيد اللغة الكوردية لكنت غنيت الأغاني الكوردية الجميلة والمعبرة بأصوات المطربين والملحنين والعازفين”، مشيراً إلى أن “للكورد ثقافتهم الخاصة التي تختلف عن الثقافة العربية وهذا بحد ذاته يميز الأغنية الكوردية التي لها شخصية مميزة تماماً عن الأغنية العربية العراقية”.
بالرغم من ان إلهام المدفعي غنى في أشهر قاعات العالم كـ”رويال ألبرت هول” و”كوين أليزابيث هول” في لندن ومسرح “تريانون” في باريس ودور الأوبرا في العديد من دول العالم، الا انه يحلم بأن يغني يوماً في “مقهى الزهاوي”، اقدم مقاهي بغداد، الذي تأسس عام 1917 ويقع في بداية شارع الرشيد وسط بغداد، وكان يغني فيه أبرز مطربي المقام العراقي محمد القبانجي ويوسف عمر.
ويقول إن الناس الذين يأتون إلى هذا الشارع من كتاب ومثقفين وموسيقيين وفنانين من كل الطوائف والأديان “يتنفسون الثقافة التي كنا نبحث عنها طوال حياتنا”.