(1)
تعرّفنا على كولن ويلسون منذ كتابه “اللا منتمي” في ستينيات القرن الماضي. لم يكن حدثًا استثنائيًا، لكنه تزامن مع شيوع موجة أدب العبث العربي في الوجودية الأدبية والحياتية والفوضى المسايرة لها؛ تلك التي رافقتها كتابات سارتر وكامو وسيمون دو بوفوار وغيرهم من أدباء تلك الموجة في الكتابة، الذين يبحثون عن الاختلاف والحرية بمعانيها المختلفة، ويشيعون العدمية الأدبية بوصفها شعورًا جماعيًا أنتجته الحضارة الغربية على وجه الخصوص. وقد تأثرت به الشعرية العربية في نهضتها الستينية تحديدًا. وبالتالي فإن وجود ويلسون الأدبي انسجم مع تلك الموجات الغربية الصاخبة الباحثة عن معنى حياتي وأدبي.
كل هذا نحسبه من إفرازات الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من إرهاصات في الثقافة العالمية العامة. وبوصفها مستقبِلًا للتيارات الأدبية فإن الأدب العربي تأثّر على نحوٍ مضاعف بتلك الإرهاصات والتيارات الأجنبية التي وفدت عبر الترجمات المتتالية. وليس كولن ويلسون ممثّلًا لتلك التيارات العبثية والعدمية، لكنه أحد الوجوه الإنكليزية الشابة آنذاك التي قوبل كتابه “اللا منتمي” بالتشجيع والثناء والنقد، قبل أن ينقلب النقد عليه ويُتَّهم بالتزييف والكذب، ولهذا أسباب لسنا في واردها في هذا الحيّز ونحن نتداخل مع كتابه “فن الرواية”.
(2)
لا يطرح ويلسون نفسه منظّرًا في الفن الروائي، بقدر ما هو قارئ محترف للأدب الكلاسيكي العالمي. ومثل هذا الاحتراف هو تلويح نقدي بالضرورة، لكنه يحاول أن يبتعد عن كونه ناقدًا ويقترب من القراءة النقدية الواعية، من دون أن يحترف منهجًا نقديًا له. فالقراءة تميل، في كثير من الأحيان، إلى الملاحظة والنقد والرأي في تضاعيفها النقدية، وبالتالي لا بدّ أن تدخل تجربته الذاتية الكتابية في قراءاته السردية وفحصها عبر الآخرين من الكتّاب؛ نقّادًا وروائيين وفلاسفة؛ ولكنها في العموم تقدّم تجربة قراءة زائدًا كتابة. فقد قدّم ويلسون وجهات نظر عن روايات معروفة، مثلما استقدم آراء نقدية لغيره ليعزّز ما يقوله. لذلك تختلط تجربته الشخصية بآلياتها الكتابية ووجهات نظره الشخصية في تقديم السرد الروائي على ما يراه، لا ما يرى غيره، حتى وإن كانت ذات نهج تعليمي، ففي الكتابة الإبداعية “يتساقط الضعفاء، بينما يواصل الأقوياء بتؤدة كي يصبحوا كتّابًا جيّدين”.
هذا التقديم المبكر من الكتاب يؤسّس فيه إلى نظرة شاملة على النوع الكتابي، ويتعالَم كثيرًا مع الأجيال التي لحقت بتجربته الروائية على وجه الخصوص، لذلك يرى “أن تشجيع أولئك الذين سيصبحون كتّابًا في المستقبل أشبه بوضع السماد في حديقة ممتلئة بالأعشاب الضارة”. تلك الأعشاب تُؤوَّل إلى ما يشير إلى زمنه الكتابي، بوجود تقاطعات أدبية تالية تعترض سبيل الكتابة أو تشوّهها، ولا سيما وأن الكتابة في زمنه الشخصي كانت في وضع أدبي ملتبس بشيوع تيارات وجودية وعدمية وربما فوضوية.
وبما أن الرواية “هي وسيلة تساعد الكاتب على هضم تجربته” فقد عدّها ويلسون بديلًا عن الفلسفة الوجودية والنفسية. لذلك رأى في معيارية تقييمة، لزمنه وزمن ما قبله، بأن “تأثير الرواية كان أعظم من الثلاثة المجتمعين: داروين وماركس وفرويد”، مع أن أولئك الثلاثة ليسوا روائيين، ومقام القياس ينسحب على النقد الأدبي بصورة عامة. فويلسون يرى أن النقد درس الكتابة بشكلها الإبداعي (وليس التفكير الإبداعي) على أساس أن (الإبداع ليس سرًّا مقدّسًا..)، بل هو مشاع بين الكتّاب، غير أن ما يفكّر به ويطرحه بصورة واضحة هو التفكير الإبداعي الذي يؤسّس للكتابة لا الشكل الإبداعي. وهذا الخلط في مفهومية الفن السردي يشير إلى مرجعيات في علم النفس الفرويدي في حلم اليقظة وتشخيص الأنوية الكتابية في العقل الإبداعي، فالكتابة الروائية هي من “خاصية حلم اليقظة الممتع”، بطرح فلسفي نفسي يتوخّى من خلاله إثبات حقيقة سردية مهمة متأمّلًا قول إرنست همنغواي بأن “الكتابة تبدو سهلة، غير أنها في الواقع أشقّ الأعمال في العالم”. لكنه يستدرك الفعل السردي في الرواية في الهدف السامي لها، وهو “تقديم وعي متّسع الزاوية”، باعتبار أن الوعي اليومي “ضيّق ومحدود”، بما يعني أن مثل هذا الاتساع هو اتساع حياتي أكثر شمولية مما تقدّمه الرواية، وهو “معادل للتجربة” كون الرواية “تعلّمنا شيئًا ما عن العالم الواقعي”.
(3)
سنرى في مستقبل هذه القراءة أن أحكامًا جادّة تصدر بحق السرديات الروائية، فـ(الروايات الفاشلة هي تجارب فكرية أخفقت في الظهور بشكل صحيح)، كون الرواية “تميل إلى رؤية نفسها”، بما يشير إلى أن مهمة الروائي هي “مهمة روحية”. هذا التداخل في النظر إلى داخل الرواية وليس خارجها هو رؤية شخصية تتفاعل مع الوجود السردي من داخله، ومهما اتّسعت فرشة الرواية فإنها تظل غير واسعة طبقًا للواقع الحقيقي، فهي “سلسلة من اللقطات مأخوذة بعدسات ضيّقة الزاوية”.
ولأن البنية السردية تتمثّل في إيلاء الكاتب أهمية للقانون السردي، إلا أن ويلسون يحيلها إلى القانون الرياضي النيوتني: “القانون الأساس للرواية هو قانون الحركة الثالث لنيوتن، وهو أن لكل فعل ردّ فعل مساوٍ له ومعاكس”. وهذا الشروع في قولبة السرد في قانون ليس سرديًا، إنما هو من قوانين الحركة والجذب العام. وهو انتهاج حركي يحيل النقد إلى مواضعات رياضية، فالواقع الاجتماعي المرتدّ هو واقع حركي متغيّر وغير ثابت. لا يشبه الارتداد الحركي الرياضي والفيزيائي، لأنه غير مستقرّ، نسبي، ليس دقيقًا كقانون رياضياتي يمكن النظر إليه من هذه الزاوية. لذلك فإننا نظن أن التشبيه لا يلائم السرديات المفتوحة المتحرّكة، التي لا تنضبط على وفق القوانين الحركية والثابتة في الرياضيات والفيزياء وغيرها من القوانين العلمية.
(4)
القانون السردي يتبع حركة القانون الواقعي في المجتمعات. فالكاتب وإن بدا “كعالم الرياضيات يهتم بالمعادلات العامة” إلا أن هذا التوصيف غير متطابق مع المعادلات الاجتماعية بشكل عام؛ مع أن ويلسون يضعه معيارًا لتجربته السردية في رواياته التي كتبها بعد “اللا منتمي”. ولهذا قد نتّفق معه في أن أي روائي “يكتب عن عالم موجود في داخل رأسه”، لكن مثل ذلك العالم وإن اختلط الخيال به فهو عالم واقعي بالنتيجة. فالرأس يلتقط ما يفرزه المجتمع من معطيات كثيرة. الرأس خزّان لأسرار وإرهاصات المجتمع ومعطياته وتقلّباته النفسية والسلوكية المتأثّرة بالسياسة الداخلية والخارجية والعوامل الاقتصادية المتمخّضة عنها، وبالتالي فالمجتمع هو الرأس الأكبر في معطيات السرد. الكنز الذي يضخّ في رؤوس السرديات الروائية والقصصية والشعرية وكل الجماليات المتاخمة لهذه الأجناس الأدبية. ومن هذا الرأس يحاكي كولن ويلسون الرواية القديمة والمعاصرة، بوصفه روائيًا ذا ميلٍ فلسفي، ويعطي آراءه بلا تردّد في قراءات كثيرة. فرواية “يوليسيس” يعدّها واحدة من أكثر التأثيرات ضررًا بأدب القرن العشرين، ودفعت النقّاد إلى الإعلان أن الرواية وصلت نهايتها الآن، بسبب غرابتها المضمونية وبنائها الشكلي المتعاقب والطويل والغامض إلى حدّ كبير، وجيمس جويس “لا يملك إلا ثيمة واحدة أساسية ألا وهي نفسه”، في حين أن إرنست همنغواي “ليس من الأنموذج التأمّلي، ولهذا لم يفكّر أبدًا في مضامين تأمّلاته، بل عمل على مجرّد تكرارها”، وجان بول سارتر في رواية “الغثيان”: (عندما تفرغ مقهاه، فإن رأسه يفرغ أيضًا)، ومشكلة برنارد شو هي (الافتقار الكامل إلى الروح الخارجية).
وهذا التجزيء النقدي في ملاحظات القراءة الويلسونية هو اختزال لأفكار سردية فيها من النقد بقدر ما فيها من القراءة الفاحصة في توازٍ معرفي، باعتبار أن هدف الفن هو رفع المرآة “أمام وجهك النهائي”، وهو “مرآة سحرية يستطيع من خلالها الإنسان أن يرى روحه”، ليقف في معادلة قد تكون من إيهامات السرد، تتمثّل في أن للإنسان “روحين وليس روحًا واحدة: الأولى في الداخل وتنظر إلى الخارج… والثانية في الخارج وتنظر إلى الداخل”. وهذا التوفيق المفترض معاينة الرواية وقدرها السردي هو في الثقل العقلي الذي يتوفّر فيها (أكثر من المعتاد).
(5)
ما نقصده بالتوازن المعرفي هو كثرة الإحالات إلى سرّاد ونقّاد وجماليين مختلفين؛ لا ليشير إلى سعة اطّلاعاته المعرفية، بل لتوكيد أفكاره القرائية والنقدية في أنه هاضم لمرحلته وما قبلها. فعنده أن شكسبير يرى بأن الفن مرآة تعكس الطبيعة، وتوماس مان يرى – الفن – مرضًا؛ في حين أن ماثيو أرنولد يصرّ على أن الأدب هو نقد الحياة، وشيلر يعي بأن الحرية وحدها هي التي تُحدث العمالقة، وجان جاك روسو يتشاءم بقوله بأن الإنسان يولد حرًّا، إلا أنه مقيّد بالأغلال في كل مكان، فيما يرى تولستوي أن الحرية وهم، وإليوت أوّل من أطلق اصطلاح (المعادل الموضوعي)، وطالما عُدّ بلزاك أعظم الروائيين على مرّ الأزمنة. وهذه العيّنات التي ترد في ذاكرة كولن ويلسون تفسّر اهتماماته الأدبية الفلسفية في رؤية العالم عبر الرواية، فالأدب الجاد “يستمدّ قوّته من مغايرته بين رموز الكاتب الخاصة بالقيم، والعالم الذي يرفض”، وبالمحصّلة الطبيعية فإن “الذات الإنسانية تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الآخرين”. ومن ثم فإن ويلسون، مع إنه يقدّم نوعًا نقديًا قرائيًا، فإنه يقدّم في هذا الكتاب نوعًا ملائمًا لما يمكن أن نسميه بالقراءة الفاحصة التي تقترب من النقد وتبتعد عنه في اللحظة ذاتها.
المصدر:
“فن الرواية”، كولن ويلسون. ترجمة: محمد درويش. بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون. 2008
هامش:
من إصدارات كولن ويلسون الروائية: “طقوس في الظلام” 1960، “ضياع في سوهو” 1961، “رجل بلا ظل” 1963، “القفص الزجاجي” 1966، “طفيليات العقل” 1967.
ضفةثالثة