تعرفتُ بشكل متأخّر على الناقد السوري سامي داوود، وعلى كتاباته في النقد الفني والتي حاول من خلالها دائمًا الخروج بالكتابة من طابعها الصحافي التعريفي، صوب مساحات ثقافية يكثر فيها التأمّل والتفكير. بيد أنّ الارتباط الحميمي بالتفكير، لم تكُن تمليه دوافع تخصّصه العلمي في تاريخ الأفكار فقط، وإنّما رغبة دفينة منه في محاولة تأصيل التجربة الجنينية للنقد الفنّي العربيّ، أمام ما تفرضه هذه الممارسة من ترسانة مفاهيمية أصيلة تمتح معارفها من التاريخ والجماليات والأنثروبولوجيا الثقافيّة، ذلك أنّ النقد الفنّي وإنْ كان يتشابه من ناحية الممارسة مع النقد الأدبي، فإنّه يظلّ ينأى بنفسه كثيرًا عن الكتابة حول الأدب، وذلك لأنّ المنطلقات الإبستمولوجية التي يستند عليها النقد الفنّي تختلف بقوّة، بحكم تمركز خطابه حول ما يمكن أنْ نسمّيه بـ “براديغم الصورة” وليس النص أو الخطاب المكتوب بشكل عام. من هنا، تأتي صعوبة النقد الفنّي الذي تفترض في من يُمارسه أنْ يكون متسلّحًا بمفاهيم تاريخ الفنّ وفكر الصورة وسوسيولوجيا الفنّ، بما يجعل الناقد يفهم الأساليب الفنية والمفاهيم الجمالية التي تؤسس شرعية العمل الفني، سواء كان لوحة فنّية أو صورة فوتوغرافية أو فيلمًا سينمائيًا أو مقطعًا موسيقيًا. إنّنا هنا أمام كتابة نقدية تقترب من الفكر وتحاول عبر الصورة ومتخيّلها أنْ تجترح لنفسها خطابًا ثقافيًا أصيلًا يناقش قضايا وإشكالات ذات صلة بالاجتماع العربي الحديث منه والمعاصر.
يحرص سامي داوود في كلّ ما يكتبه من مقالات ودراسات على تأصيل التجربة النقدية وجعلها أداة في خدمة الفكر، ذلك أنّ كتاباته، لا تقف عند وصف الأعمال الفنّية واستشكال الظواهر الفكرية ذات الصلة بالصورة، بقدر ما يوسّع أفق الكتابة ويجعلها تتماهى مع خطاب العلوم الإنسانية ونظيرتها الاجتماعية. بهذه الطريقة، تصبح الكتابة النقدية عند سامي داوود بمثابة تدريب على تأمّل العمل الفنّي، لأنّ هذا الأخير، يصبح المختبر الآمن لميلاد المفاهيم ونحتها وليس إسقاط مفاهيم ومواقف ونظريات على الأعمال الفنّية، كما هو رائج في خطابات ثقافيّة داخل الجامعات العربيّة.
هنا حوار معه:
(*) بداية، أيّ صورة تقدّم بها الفن العربي المعاصر في زمن انتشار التقنيات وتفسّخ الأيديولوجيات، حيث تبدو الأعمال التشكيلية وكأنها تقف وحيدة “هناك” بلا أيّ رسالة ولا أيّ حامل أيديولوجي يجعلها تنخرط بشكل محموم مع تحولات الواقع العربي سياسيًا واجتماعيًا؟
قد تُحدث عبارة “الفن العربي” التباسًا في سياق السؤال، لأنها تغطي مساحة ثقافية شديدة التباين اجتماعيًا وسياسيًا، كما قد تحصر الفعالية الفنية في الإطار المؤسسي فقط؛ غاليري ومتحف، إلخ، وتزيح عنها الفنون البصرية التراثية التي أعادت الحداثة القاصرة تصنيفها إطارًا عتيقًا يُعاد صقله، بدون أن يكون بذاته جزءًا من النشاط الثقافي المستدام للمخيلة الاجتماعية، ولبنةً أساسيةً لمساءلة مآل علاقاتنا الإنسانية في ضوء هذه التحولات.
ناهيك عن وجود شبه قطيعة مسبقة بين الفن التشكيلي والفعالية الاجتماعية في الشرق الأوسط، سبقت ظهور وسائل التسلية وأتمتة التفكير النقدي بالذكاء الاصطناعي. ما يزال الفن مختزلًا في الاقتناء وبيئته، ونشاطًا ثقافيًا بالكاد مُعترفًا به فكريًا، يتموضع وظيفيًا دون الاجتماعية أو فوقها؛ صنّفه كيفما شئت. ولا تجيد حتى النخب الثقافية في هذه المجتمعات تأويل اللوحة بوصفها نشاطًا فكريًا، فيما تُترجم الأبجدية البصرية بلغة ركيكة إلى درجة تُسيء إلى العمل الفني، وتفتح الباب على مصراعيه للأشياء التي ليست فنًا أن تُعرض، بحكم الإطار المؤسسي وموقعها في (Artworld) بتعبير Arthur Danto، كأعمال فنية. وبالتالي تصبح المؤسسة هي الإطار المعياري للعمل الفني، لا محتواه الجمالي.
ضمن هذه المعطيات، كيف للعمل الفني أن يستجيب للرقمنة التي محَت الفروق في الفرادة التعبيرية بين المنتج والمتلقي على نحوٍ مقلق؟
وبحكم عملي لسنوات ناقدًا وغاليريست، كنتُ مراقبًا لصيقًا للتحولات التي أدخلتها التقنية في عملية التخييل وتأثيرها في ماهية العمل الفني؛ إذ بات موقع مثل Pinterest بمثابة مخيلة بديلة، ومادة اقتباس مستمر تُثبّط الفكر داخل المادة البصرية. ومع رقمنة التواصل في مجال بدوي سلوكيًا، يصعب التكهن بحركة الأفكار، سواء عبر العمل الفني أو حتى عبر اللغة.
كيف سنطلب من الناس أن تتأمل فيما تراه وتقرأه، قبل أن تمرر سبابتها على الشاشة العمياء لنافذة الإشعارات؟
أعتقد أن الفن تأخر في إنقاذ لغته البصرية وموقعه النقدي، وركب موجة العرض.
| سامي داوود (يسار) خلال ندوة حول الفن |
(*) هل يمكن أنْ نقول إنه مع الخروج من شرنقة الفنّ الحديث لم يعُد الفنان في حاجة إلى حزب أو نقابة أو قضية حتى تبرز أعماله الفنّية وتأخذ مكانتها داخل فيزيونومية الفن العربي المعاصر؟
يُفترض بالفن أن يكون مجالًا لإظهار التوتر بين المؤسسة والمجتمع؛ فهو فعالية متمردة تتشكّل بينهما وأحيانًا من خلالهما. ومنذ أن كفّ الفن عن أن يكون مجرد حكاية تدعمها السلطة التي تموّله من أجل تعميم أفكارها عبر الصورة، امتلك قدرته على “تخريب” الركود الفكري، بتعبير راينر روشليتز، من داخل النظام الذي يتغذّى منه. لذلك لا يمكن إخضاع الفنون للأدلجة من دون أن تفقد مكانتها النقدية، فتتحول إلى بيان سياسي بلغة بصرية أو شعرية. والأمر لا يتعلق بالفن الحديث تحديدًا، بل بالقدرة على استشراف النسيج الفكري لمآلات الأحداث، أي خارج مجال الأيديولوجيا.
(*) لكنْ، إلى أيّ حد يمكن اعتبار الفردانية بمثابة خاصية فكرية ملازمة باتت تطبع علاقة الفنان العربي بمفهوم الفن المعاصر؟
لا أعتقد أن الفنان العربي يمتلك، في الغالب، الفردانية الفكرية التي يستدعيها سؤالك. فالفردانية، إذا اختُزلت إلى تموضع سياسي ” مع أو ضد” أو مادة استفزازية، تفقد معناها بوصفها حدثًا فكريًا. ما أعنيه تحديدا بالفردانية هو القدرة على استحضار ما ليس ماثلًا، على نحو ما شرحها مارتن هايدغر في كتابه “ما هو الشيء؟”، ابتداع ما هو مفقود في الفكر بحيث يصبح النظر إلى الواقع عبره أكثر وضوحًا. ليست إعلان اختلاف بل إنتاج أفق إدراك جديد، يُعاد عبره ترتيب الواقع. إنها استحداث للشرط الذي يسمح للرؤية بأن تعمل كفعالية فكرية داخل الفن. غير أن ما يسود، في حالات كثيرة، أن معظم الفنانين العرب يجتمعون حيثما يتوفر الطلب، الأمر الذي يفرغ الفردانية من بعدها النقدي لصالح ترويج جمالي للسياق المؤسسي الذي يظهرون فيه.
(*) إنّ المتأمّل لتحولات الفن المعاصر بسورية يجد نفسه أمام أعمال فنية مذهلة، سيما تلك التي ظهرت خلال مرحلة الحرب والتي ساهمت في تثوير الكثير من الفنانين على شكل اللوحة وألوانها وموادها، حيث بدت الطوبوغرافية الفنية السورية أنها أمام تجربة جديدة في تاريخها، بقدر ما يحاول الفنان من خلالها تجريد الواقع يظلّ في الآن نفسه مرتبطًا به. كيف تفهم علاقة اللوحة السورية بالحرب خلال هذه المرحلة؟
لقد استجوبتُ ـ بالكتابة والندوات ـ الفن في سياق الحرب الأهلية السورية لمفهمة اللغة التعبيرية للافتراس المتبادل بين قرابين الموت هناك. كان السؤال: كيف سيتغير التعبير الفني أمام الركام والأشلاء وصور الفتك المصحوب بالضحك؟ ظهرت تجارب مميزة بدون شك، لكن لم تتناول أيٌّ منها الضحك بوصفه أقصى آليات التشفي الوحشي التي بلغتها الحرب. الضحك، تحديدًا، بدا لي ذروة التشفي الوحشي؛ لحظة ينقلب فيها المعنى على ذاته. ومع ذلك، لم يُقارب بوصفه بنية دلالية تستحق التفكيك.
وضعت الحرب التعبير الفني في حالة خرس، وأظهرت هشاشة العلاقة الإنسانية، بل وكشفت أن العنف يتشكّل عبر الثقافة في سورية لا على النقيض منها. ظل الأدب السوري مجاريًا للأحداث، كأنه صحافة حرب، ولم يكتشف التحول في اللغة على غرار ما قام به فيكتور كلمبير في دراسته للغة النازية. لذلك جرى ما جرى من دون تعميق ثقافي موازٍ، وكان طبيعيًا أن يحافظ النظام على هيكله طالما أنه يتغذّى من خصوم يتقاتلون على امتلاكه بالثقافة ذاتها.
هل كان الفن التشكيلي السوري بمستوى هذا الرهان؟ جزئيًا نعم، لكنه أُزيح عن المشهد كمؤثر ثقافي لصالح هيمنة الإعلام، بوصفه إحدى أهم وسائل التخدير الاجتماعي في المنطقة.
(*) لماذا في نظرك ظلّت تجارب من قبيل إبراهيم الحسون وريم يسوف وبهرام حاجو منسيّة داخل أدبيات النقد العربي، أمام ما اجترحته هذه التجارب من آفاق بصريّة مغايرة، سواء في تطويع المادة أو الثورة على السند أو حتى في الانخراط الثقافي مع ما كان يعيشه الاجتماع السوري من مخاض ومآزق وتصدّعات لم تختف ندوبها بعد؟
أعمال إبراهيم وريم وبهرام مميزة ومتمايزة، لكنها ليست الوحيدة المنسية في الفضاء العربي. وأعتقد أن السبب الأساسي في تجنب دراسة أعمالهم هو صعوبة إيجاد مفردات لغوية مكافئة لفرادتهم البصرية، أو تبسيطها بشكل مخيب، حتى إننا نقرأ أحيانًا مقالات تؤطر هذه التجارب المتباينة بالكلمات ذاتها.
المفردة البصرية لدى إبراهيم معتّقة ومتعددة المستويات؛ فكل شكل يعكس شبكة دلالية مركبة، بحيث يتحدد الدال في العلاقة التي يفترضها داخل الحيّز البيني، لا بوصفه دالًا نهائيًا. وهذا ما يتيح له تفكيك الفكرة الاجتماعية عن الموضوع الذي يعالجه.
تعمل ريم على تجريد المكان من كتلته، وتفريغه بصريًا بما يدعم تصورها لعالم حالم بديل، حيث تصبح الخفة مفهومًا ضروريًا لتزويد الحياة ببدائل القسوة؛ فلا وزن هناك، ويمكن للخيمة والطفل أن يشتركا في الجسد ذاته.
أما بهرام، بخبرته في تشريح الجسد، فيتناول العلاقة الإنسانية كمفارقة عاطفية تجري تحت الجلد؛ احتواء جسدي متبادل يتوسطه نزاع مكتوم. يتشكل الجسد لديه عبر الحفر في الثقل العاطفي، وتجسيد الركام غير العقلاني للنوازع المتعارضة، من خلال تحريف دقيق لخط الجسد يحوّله إلى وعاء بصري مكشوف، يجعل حتى الظل ثقيلًا بحمولته المتعينة عبر أشكال تحجب بعضها في فراغ اللوحة.
(*) رغم الطابع الحركي المذهل الذي تميّزت به التجربة التشكيليّة السورية، إلاّ أنّ النقد العربي ظلّ على حاله، بل بدا وكأنّه ظلّ منسيًا ولم يعرف أيّ تجديد يُذكر على مستوى مفاهيمه وأدواته. ما السبب في نظرك الذي جعل النقد الفني العربي، يظلّ بمنأى عن الزخم الجمالي الذي طبع اللوحة السورية ومتخيّلها؟
يُعزى هذا الواقع، في جانب كبير منه، إلى ضعف التأسيس المعرفي لدى من يكتبون في النقد، فضلًا عن محدودية الثقافة البصرية في النقاش العام، وعجزها عن إقناع المتلقي بأنها عنصر ضروري لتنمية قدرتنا الإبداعية في التفكير الحر. ومن النادر أن نجد مثقفًا عربيًا ملمًا بالفن المعاصر. فالأدوار التي تُمنح للفنان في الرواية أو المسرح، على سبيل المثال، تُصاغ بعبارات نمطية تكاد تدعو للسخرية.
كما أن مفهوم النقد في الثقافة العربية يُختزل غالبًا في الجرد الحسابي: إحصاء نقاط السلب والإيجاب. في حين أن النقد، بوصفه ممارسة معرفية، هو دراسة عابرة للتخصصات تعمّق فهمنا للشيء. والظواهر المعاصرة تفرض علينا الاشتغال ضمن مجالات معرفية متقاطعة كي نطوّر أدوات قراءتنا للفن والحياة معًا.
(*) ماذا عن النقد السوري، إلى أيّ حد يمكن اعتباره صورة مصغّرة عن الممارسات النقدية العربيّة، أمام تراجع وظيفة النقد الفنّي وغيابه من صفحات كتالوجات المؤسسات الفنية لدرجة يمكن أنْ نتحدث معه اليوم عن موت النقد الفني؟
سيكون من الظلم الحديث عن تجربة النقد السوري بمعزل عما مرّ به البلد من تمزق ثقافي واجتماعي. فقد أخذ الاصطفاف الطائفي مكان التفكير في الحرب بوصفها مادة للتأمل. صحيح أن بعض المؤسسات الفنية السورية واصلت العمل خارج البلاد، لكنها لم تخاطر بوضع إنتاجها على محك الحرب ثقافيًا، بل ظل عملها أقرب إلى مناصرة فنية لنشاط اجتماعي أو سياسي، أشبه بترويج لحالة معمّمة بشمول مفرط في الإعلام، أو نسخة عنه.
لا أستسيغ عبارة “نهاية” أو “موت” لفعالية ستستمر ما بقي الإنسان؛ فوجودنا مشروط بالتفكير في ماهيتنا وتجسدها عبر الوسائط التعبيرية التي نمتلكها. ما يتغير هو شكل الوسيط، لا ضرورة التعبير.