ماركو علبي
يُعدّ استبدال العملة من أخطر القرارات السيادية في أي اقتصاد، لما له من أثر مباشر على الثقة النقدية، وسلوك الأسواق، والعلاقة بين الدولة والمجتمع. في الحالة السورية، جاءت هذه الخطوة بطريقة تكشف خللاً بنيوياً في إدارة السياسة النقدية، وتطرح تساؤلات جدية حول موقع المصرف المركزي ودوره الحقيقي. فالقرار أُعلن قبل شهور، ونُفّذ خلال فترة زمنية شديدة القِصر، من دون مسار تحضيري علني، ومن دون نشر دراسات، أرقام، أو توضيح الإطار الفني للعملة الجديدة، في تعارضٍ واضح مع أبسط قواعد الحوكمة النقدية.
هذا الإيقاع المتسارع لا يمكن فصله عن طبيعة القرار نفسها. فاستبدال العملة يتطلب عادةً تحضيراً طويلاً لإدارة السيولة، وضبط التوقعات التضخمية، وحماية المدخرات، وتفادي الاضطرابات السعرية. غياب هذه المقدمات لا يشير إلى خلل إجرائي عابر، بل إلى أن العملية لم تُدار بوصفها سياسة نقدية مكتملة، وإنما كقرار فوقي من رأس الهرم السياسي؛ فُرض على المؤسسة المعنية، ما أفرغ دور المصرف المركزي من مضمونه المهني، وحوّله إلى جهة تنفيذ لا جهة قرار.
تتعمّق خطورة هذا المسار عند النظر إلى العملة من زاويتها الأوسع. فالعملة ليست مجرد وسيط تبادل أو وحدة حساب، بل تمثل أحد أركان العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة. قبول المواطن بالعملة الوطنية هو تعبير عن ثقته بقدرة الدولة على حماية قيمتها وضمان استقرارها. من هنا تكتسب مقولة جون ماينارد كينز دلالتها حين قال: «لا توجد وسيلة أكثر خبثاً ولا أكثر ضماناً لتقويض أسس المجتمع من إفساد العملة». فالمسألة هنا لا تتعلق بتغيير الورق النقدي، بل بالتضخم، بانهيار الثقة، واختلال العلاقة بين السلطة (كدولة!) والمجتمع.
وفي هذا السياق، فإن استبدال العملة من دون نقاش عام، أو شفافية، أو مشاركة مهنية، يرقى إلى مساس مباشر بهذا العقد. لم تُشرك المصارف، ولا غرف التجارة، ولا خبراء النقد، ولا ممثلو القطاع الخاص، ولم يُفتح أي نقاش مجتمعي حول التوقيت أو الآليات أو المخاطر. والأخطر من ذلك كُله، أن البرلمان غائب، فيما تُستبدل عملة البلاد «بمرسوم رئاسي يظهر حاكم المصرف المركزي مُحتفلاً بإصداره، مُعلناً استباحة سلطته».
«الأمر يبدو بالنسبة لي أقرب إلى الجنون!! هذا القرار، وهذه العملة قُدّمت كأمر واقع، من سلطة أمرٍ واقع!».
في التجارب التي تحترم الحد الأدنى من الانضباط المؤسسي، يقود المصرف المركزي هذا النوع من القرارات، ويكونُ مرجعيتها الفنية وصاحب الكلمة الحاسمة فيها. حتى في الحالات الجدلية، كما في تركيا، جرت التغييرات المرتبطة بالعملة ضمن أطر قانونية ونقاشات عامة وبرلمانية وإعلانات مسبقة، إدراكاً لحساسية الملف واتساع أثره. ويمكن لأي متابع اليوم، عبر مصادر مفتوحة، الاطلاع على تجارب دولية تعاملت مع العملة بوصفها شأناً عاماً يخضع للمشاركة والشفافية، لا للمفاجأة.
في الحالة السورية، بدا المصرف المركزي غائباً عن قيادة المسار، حاضراً فقط في موقع الشرح التقني العابر والتنفيذ للقرار السياسي. هذا الواقع لا يشير إلى خلل في الأدوات، بل إلى تآكل الاستقلالية (إن وُجدت)، وتحويل المؤسسة النقدية إلى حلقة تنفيذية ضمن قرار سياسي أوسع.
تأتي هذه الخطوة، فوق ذلك، معزولة عن أي سياسة مالية أو نقدية متماسكة. لا ضبط للعجز، ولا معالجة للأسباب البنيوية للتضخم، ولا إعادة هيكلة للقطاع المصرفي، ولا إطار واضح لإدارة سعر الصرف المُدار بتعويمّه إدارياً وحبس السيولة، بما يضعف الطلب ويعمّق الاختلالات. في ظل هذا الفراغ، يتحول استبدال العملة إلى إجراء يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين، بدل أن يشكّل مدخلاً لاستقرار نقدي. زيادة المعروض ستأكل قدرة المواطنين الشرائية، وضعف الرقابة والمؤسسة الأمنية سيؤدي إلى مشاكل لا حصر لها لشعبٍ 90% منه تحت خط الفقر العالمي!
أيضاً، الأسواق لا تبني توقعاتها على شكل الورقة النقدية أو عدد الأصفار، بل على مصداقية السياسات، واستقلال المؤسسات، ووضوح القواعد. وعندما تُدار العملة خارج هذه المعايير، لا تقتصر المخاطر على الارتباك السعري، بل تمتد إلى ترسيخ قناعة أعمق بأن السياسة النقدية باتت خارج نطاق الاختصاص المهني.
في المحصلة، ما جرى لا يؤشر إلى مرحلة اقتصادية جديدة، بل إلى تكريس نمط مألوف في إدارة البلاد. المصرف المركزي لم يتحول بعد سقوط الأسد إلى فاعلٍ مستقل، بل جرى تحجيمه أكثر ليغدو أداة تنفيذ (مع احترامي مضحكة). وعند هذه النقطة، يتراجع النقاش حول التفاصيل التقنية والموجبة والإيجابيات المحتملة، لحسابٍ أوسع وأخطر: حساب الثقة، والعقد الاجتماعي، واستقلالية المؤسسة النقدية التي يُفترض أن تحميهما. وهذه، في جوهرها، هي الضربة القاضية الحقيقية لاستقلالية المصرف المركزي.