في لحظة صلاة، وفي حيّ وادي الذهب بمدينة حمص، انفجرت عبوة ناسفة داخل مسجد الإمام علي بن أبي طالب، لتعيد إلى الواجهة مشهدًا مألوفًا ومؤلمًا في الذاكرة السورية: مشهد الدم الممزوج بالخوف، والعبادة الممزوجة بالريبة، والحيّ الذي كان يومًا ما رمزًا للتعايش، يتحول إلى ساحة لتصفية الرسائل الطائفية. لم يكن التفجير مجرد عمل إرهابي معزول، بل كان فعلًا رمزيًا يستهدف ما تبقى من نسيج اجتماعي هش، ويستغل إرثًا طائفيًا زرعه النظام السوري في عهد الأسد الأب والأسد الابن على مدى عقود، ليبقى حاضرًا في كل لحظة ضعف، وكل فراغ سياسي، وكل ارتباك أمني.
إن ما جرى في حمص لا يمكن فصله عن السياق السوري العام، ولا عن التاريخ الذي جعل من الطائفية أداة حكم، ومن الخوف وسيلة للسيطرة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، حين رسّخ حافظ الأسد نظامًا يقوم على تحالفات أمنية وطائفية، كان واضحًا أن الهوية الوطنية ستُستبدل تدريجيًا بهويات فرعية، وأن الولاء للدولة سيتحول إلى ولاء للطائفة، أو للزعيم، أو للمؤسسة الأمنية. ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، انفجرت هذه التراكمات دفعة واحدة، وتحولت المدن المختلطة مثل حمص إلى ساحات حرب أهلية مصغّرة، حيث الجار يخشى جاره، والمصلّي يخشى المسجد، والمواطن يخشى الدولة.
اليوم، وبعد أن تغيّرت ملامح السلطة، وسقطت كثير من الأقنعة، لا تزال سوريا تعاني من آثار تلك المرحلة، ومن محاولات إعادة إنتاجها بوسائل جديدة. التفجير الأخير في حمص ليس مجرد رسالة دموية، بل هو محاولة لإعادة تفعيل الخوف الطائفي، ولتذكير الأقليات بأنهم مستهدفون، ولتغذية سردية تقول إن الأمن لا يتحقق إلا بالتحصّن داخل الهوية الطائفية، لا بالانفتاح على الهوية الوطنية. وهنا، تقع المسؤولية الكبرى على النخب السورية، وعلى صناع القرار، وعلى كل من يملك منبرًا أو سلطة أو تأثيرًا، لأن الصمت في مثل هذه اللحظات ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في ترسيخ الانقسام.
◄ الأمن وحده لا يكفي. يجب أن تكون هناك مبادرات مصالحة مجتمعية تبدأ من حمص وتمتد إلى باقي المدن لقاءات بين وجهاء الأحياء مشاريع شبابية وفنية تعيد بناء الثقة، وتُعيد تعريف المواطنة
إن تجاوز مثل هذه الحوادث لا يكون بالإنكار، ولا بالاكتفاء بالإدانة، بل يتطلب فعلًا سياسيًا وأمنيًا واجتماعيًا متكاملًا. أولًا، يجب أن يكون هناك خطاب رسمي واضح يرفض التوظيف الطائفي للحادث، ويُدين الجريمة بلغة وطنية لا مذهبية، ويُظهر أن الدولة تحمي جميع مواطنيها دون تمييز. هذا الخطاب يجب أن يصدر من أعلى المستويات، وأن يُترجم إلى سياسات فعلية، لا إلى بيانات عابرة. ثانيًا، يجب أن تُجرى تحقيقات شفافة في الحادث، وأن تُعلن نتائجها للرأي العام، وأن يُحاسب أي تقصير أمني أو إداري، لأن غياب المحاسبة هو ما يغذي الشك، ويُضعف الثقة، ويُشجع على التكرار.
لكن الأمن وحده لا يكفي. يجب أن تكون هناك مبادرات مصالحة مجتمعية حقيقية، تبدأ من حمص وتمتد إلى باقي المدن المختلطة. لقاءات بين وجهاء الأحياء، مشاريع شبابية وفنية تعيد بناء الثقة، برامج تعليمية تُعيد تعريف المواطنة، وتُعلّم الأجيال أن الانتماء للطائفة لا يتناقض مع الانتماء للوطن، بل يجب أن يكون جزءًا منه. يجب أن يشعر المواطن السوري، أيًا كانت طائفته، أن الدولة تحميه لأنه مواطن، لا لأنه ينتمي إلى جماعة معينة. وهذا يتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي من جديد، على أساس المساواة والعدالة والكرامة.
إن النخب السورية، من مفكرين وصحفيين ورجال دين وناشطين، عليهم دور محوري في هذه المرحلة. عليهم أن يرفضوا الانجرار وراء الخطاب الطائفي، وأن يُعيدوا صياغة سردية وطنية جديدة، تُعيد الاعتبار للإنسان السوري، وتُعيد تعريف الهوية السورية على أساس المواطنة لا المذهب. عليهم أن يُذكّروا الناس بأن ما يجمعهم أكثر مما يفرقهم، وأن الألم السوري واحد، وأن الدم الذي يُسفك في مسجد الإمام علي هو نفسه الذي سُفك في كنيسة السيدة، وفي جامع خالد بن الوليد، وفي كل مكان عبادة تحوّل إلى ساحة حرب.
إن الخوف الطائفي هو ما يريده منفذو التفجير، وهو ما يجب أن نرفضه جميعًا. الرد يجب أن يكون سوريًا جامعًا: لا انتقام، لا عزلة، لا شيطنة، بل تضامن وتكاتف وتجاوز. يجب أن نُحصّن المجتمع السوري من الداخل، عبر بناء مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وإعلام مسؤول، وتعليم يُعلّم التفكير النقدي لا التبعية. يجب أن نُعيد الاعتبار للمدن المختلطة، وأن نُعيد الحياة إلى أحيائها، وأن نُعيد الثقة بين سكانها، لأن سوريا لا يمكن أن تُبنى من جديد إذا بقيت مقسّمة بين طوائف ومذاهب وهويات متصارعة.

إن ما جرى في حمص يجب أن يكون لحظة وعي، لا لحظة خوف. يجب أن يكون بداية لسردية جديدة، لا استمرارًا لسردية قديمة. يجب أن يكون مناسبة لإعادة تعريف سوريا، لا لإعادة إنتاج ماضيها. وعلى الحكومة السورية الجديدة أن تُدرك أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة، بل بالعدالة. وأن الاستقرار لا يأتي من السيطرة، بل من الثقة. وأن بناء الدولة لا يكون عبر تحصين الطوائف، بل عبر تحصين المواطن. وأن المصالحة لا تكون بين الطوائف، بل بين الإنسان والدولة.
في النهاية، لا يمكن لسوريا أن تنهض إذا بقيت أسيرة الخوف. ولا يمكن لها أن تتجاوز مآسيها إذا لم تُواجه جذورها. والتفجير في حمص، رغم ألمه، يمكن أن يكون بداية جديدة، إذا أحسنا الإصغاء لصوت الإنسان قبل صوت الطائفة، وإذا اخترنا أن نكون مواطنين لا أدوات، وأن نكون شركاء لا خصوم، وأن نكون أبناء وطن واحد، لا أبناء مذاهب متناحرة. هذه هي مسؤولية النخب، وهذه هي مسؤولية الدولة، وهذه هي مسؤوليتنا جميعًا. لأن سوريا تستحق أن تُبنى من جديد، على أساس الحياة، لا على أنقاض الخوف.