القوى السياسية في العراق تتطلع إلى من سيحظى بشرف تسنّم منصب رئيس الجمهورية العراقية، بينما الخلافات الكردية – الكردية المحتملة على المنصب تلوح في طريق التوافق على الشخصية المرشحة لذلك المنصب، الأمر الذي سيعرقل استكمال تشكيل هياكل السلطة في الآجال المنصوص عليها دستوريا.
بغداد- بات اسم وزير البيئة العراقي السابق نزار العمادي (آميدي باللغة الكردية) متداولا بقوة داخل الأوساط السياسية والإعلامية العراقية كمرشح من قبل حزب الاتّحاد الوطني الكردستاني لتولّي منصب رئيس الجمهورية لفترة الأربع سنوات القادمة.
ويأتي طرح اسم العمادي في إطار الحراك المتسارع لإعادة تشكيل هياكل السلطة العراقية واختيار قياداتها في ظل نتائج الانتخابات البرلمانية التي أجريت في شهر نوفمبر الماضي.
وتم إلى حدّ الآن حسم ملف رئاسة البرلمان حيث أسند المنصب للسياسي السني هيبت الحلبوسي، بينما يظل اختيار من يتولى منصب رئيس الحكومة ومنصب رئيس الجمهورية مدار مفاوضات نشطة وحتى مساومات بين القوى المعنية بالمنصبين.
ويقع منصب رئيس الحكومة عرفا ضمن حصّة المكوّن الشيعي بينما يقع منصب رئيس الجهورية بمقتضى العرف نفسه ضمن حصّة المكوّن الكردي، لكنّ عرفا جانبيا قضى إلى حدّ الآن بذهاب المنصب إلى حزب الاتحاد الوطني وهو الأمر الذي عبّر غريمه ومنافسه الأكبر الحزب الديمقراطي الكردستاني عن التزامه به معلنا عدم وجود أي مانع من الخروج عن ذلك العرف.
وجاء ذلك في سياق المناكفات الجارية بين الحزبين بشأن عدّة مسائل على رأسها كيفية توزيع السلطة وتقاسم المناصب في حكومة إقليم كردستان العراق التي لا يزال تشكيلها معلقا بسبب خلافات الحزبين منذ إجراء الانتخابات البرلمانية في الإقليم منذ أكثر من سنة.
ومن شأن دخول الديمقراطي كمنافس جدي على منصب رئيس جمهورية العراق الذي يتمسّك به الاتحاد بقوة أن يمثّل عامل تعقيد إضافي لعملية حسم ملف المنصب الذي يتوقّف عليه استكمال تشكيل السلطات في الآجال الدستورية.
وبحسب الدستور العراقي يتعيّن انتخاب رئيس الجمهورية في غضون ثلاثين يوما من انعقاد الجلسة الأولى للدورة البرلمانية الجديدة. وقد عقدت تلك الجلسة بالفعل في التاسع والعشرين من شهر ديسمبر الماضي.
ونُقل عن عدد من مسؤولي الإطار التنسيقي، التأكيد خلال اجتماعهم مع الاتحاد الوطني الكردستاني على أهمية أن يكون للقوى الكردية مرشح واحد لمنصب رئيس الجمهورية.
وقالت مصادر محلية لشبكة رووداو الإعلامية إنّ الاجتماعات والاتصالات بدأت بين الاتحاد الوطني والأطراف المكونة للإطار التنسيقي قبل انتخاب رئيس البرلمان ونائبيه.
ونقلت الشبكة عن المتحدث باسم ائتلاف النصر سلام الزبيدي، قوله “كان رأي الإطار التنسيقي في اجتماعه مع الاتحاد الوطني هو ضرورة التوصل إلى اتفاق مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بشأن مرشح منصب رئيس الجمهورية، وعدم الدخول إلى البرلمان بمرشحين اثنين، لأن وجود أكثر من مرشح يسبب إحراجا للإطار في تحديد من يصوت له”.
وفُتح باب الترشح لمنصب رئيس الجمهورية في الحادي والثلاثين من شهر ديسمبر الماضي وسيستمر حتى الرابع من يناير الجاري ويجب على المرشحين تسجيل أسمائهم رسميا في البرلمان خلال هذه الفترة.
وقال الزبيدي إن الاتحاد الوطني طرح في اجتماعه مع الإطار التنسيقي عدة مرشحين كان أبرزهم نزار العمادي. وأضاف أن الإطار التنسيقي ليس لديه أي ملاحظات عليه، كونه يعرف خلفيته.
وسبق للعمادي أن تولى وزيرا للبيئة في بداية تشكيل حكومة محمد شياع السوداني الحالية قبل أن يترك منصبه لهلو عسكري ضمن حصة الاتحاد الوطني.
وكان الشروع في إعادة تشكيل هياكل السلطة الاتحادية العراقية في ضوء الانتخابات البرلمانية وما تقتضيه من تقاسم للمناصب بين مختلف الفاعلين في العملية السياسية، قد أعاد إلى العلن مجدّدا الخلافات بين الحزبين الرئيسيين والغريمين التقليديين في إقليم كردستان العراق واللذين رحّلا خلافاتهما القائمة أصلا بشأن تقاسم مناصب حكومة الإقليم إلى بغداد حيث بدأ مزاد الصراعات والمساومات والصفقات بشأن تقاسم مواقع السلطة هناك ومناصبها.
واختار الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة السياسي الكردي المخضرم مسعود بارزاني التعبير عن غضبه على غريمه حزب الاتّحاد الوطني الكردستاني بزعامة بافل جلال طالباني بشأن عدم دعم الاتحاد الوطني لمرشّح الديمقراطي الكردستاني إلى منصب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب العراقي، عبر التلويح بكسر العرف السياسي المعمول به والقاضي بذهاب منصب رئيس الجمهورية العراقية إلى حزب الاتّحاد.
وقال بارزاني إنّه لا يجب أن تعتبر أي جهة بعد الآن منصب رئيس جمهورية العراق “ملكية خاصة أو حكرا عليها”. ودعا إلى تغيير آلية انتخاب الرئيس كي يمثل من يشغل المنصب شعب كردستان تمثيلا حقيقيا.
وكانت الخلافات بين الحزبين القائدين لسلطات الحكم الذاتي في كردستان العراق قد عطّلت عقد جلسات برلمان الإقليم رغم مضي أكثر من عام على انتخابه، كما عطلت تشكيل حكومة جديدة للإقليم بفعل الخلافات على مناصبها بسبب مطالبة الاتحاد الوطني بزيادة حصصه في المواقع القيادية وهو ما رآه الحزب الديمقراطي كسرا للأعراف وتجاوزا للأوزان الانتخابية والتمثيل النيابي.
وفي نطاق تجربة الحكم التي تأسست في العراق على أنقاض نظام الرئيس الأسبق صدام حسين، جرى العرف السياسي بأن يكون منصب رئيس جمهورية العراق من حصّة حزب الاتحاد الوطني حيث سبق أن شغله الزعيم التاريخي للحزب الراحل جلال طالباني كما شغله القياديان في الحزب نفسه فؤاد معصوم ثمّ برهم صالح وصولا إلى الرئيس الحالي عبداللطيف رشيد.
وتعمّدت قيادة الحزب الديمقراطي أن توجّه رسالة إلى نظيرتها في الاتحاد الوطني مفادها أن أي كسر للتفاهمات وتجاوز للأعراف سيواجهان بتجاوز أكبر للأعراف ذاتها دون استثناء لما يتعلق منها بالمنصب الرفيع على رأس هرم السلطة الاتحادية.
وقال بارزاني “ينبغي أن تترسخ القناعة لدى جميع الأطراف الكردستانية بأن هذا المنصب من حصة الكرد”، بصفة عامة.
وطرح في سياق الخروج عن الأعراف المتبعة في اختيار رئيس الجمهورية آلية جديدة للاختيار تتضمن ثلاثة سيناريوهات، أولها أن يتم تحديد شخص ما من قبل برلمان كردستان كممثل للأكراد لتولي منصب رئيس الجمهورية، وثانيها أن تجتمع كافة الأطراف الكردستانية وتتفق على شخص لهذا المنصب، وثالثها أن يقوم النواب والكتل الكردية في مجلس النواب العراقي باختيار شخص لتولي المنصب.
وشدّد زعيم الحزب الديمقراطي على القول إنّه “ليس شرطا أن يكون الشخص الذي يتم اختياره لمنصب رئيس الجمهورية من الحزب الديمقراطي الكردستاني أو من الاتحاد الوطني الكردستاني، بل يمكن أن يكون من طرف آخر أو شخصية مستقلة”.
واعتبر أن “الأهم من ذلك هو أن يحظى هذا الشخص بإجماع كردي وأن يمثل شعب كردستان في منصب رئاسة جمهورية العراق”.
وتأتي بوادر الصراع الكردي – الكردي على منصب رئيس الجمهورية العراقية كنتيجة عكسية للانتخابات العراقية التي كان ينتظر أن يضيّق إجراؤها هوة الخلاف بين الحزبين الرئيسيين في كردستان العراق وأن يكسر جمود تشكيل حكومة الإقليم، لكنّ ما حدث جاء مخالفا لذلك تماما، حيث تمكّنت القوى السياسية الشيعية المشكلة للإطار التنسيقي الشيعي من تجميع صفوفها مجدّدا للحفاظ على دورها القيادي في السلطة، كما تمكّنت القوى السنية المعروفة بصراعاتها الشرسة على المناصب من تجاوز خلافاتها وتشكيل مجلس سياسي سنّي بهدف حماية حصصها في منظومة الحكم ومؤسسات الدولة، بينما بقيت القوى الكردية على خلافاتها وصراعاتها المرشحة للتفاقم أكثر مع تصاعد الصراعات على مواقع السلطة في الدولة الاتحادية.
العرب اللندنية