تشير التطورات الميدانية الأخيرة إلى أن السلطة ماضية في بسط سيطرتها الكاملة على الأحياء المتبقية في مدينة حلب، في خطوة تبدو عسكرياً محسومة، لكنها سياسياً وإنسانياً محمّلة بتداعيات شديدة التعقيد. فحسم السيطرة لا يعني نهاية الصراع، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر إرباكاً، تتداخل فيها الملفات العسكرية مع الحسابات الإقليمية، وفي مقدمتها ملف «قسد» وما يحمله من تشابكات داخلية ودولية.
إن استعادة السيطرة على الأحياء لا تتم في فراغ، بل في سياق صراع أوسع تتقاطع فيه المصالح المحلية مع الإرادات الخارجية. ومع تمدد نفوذ السلطة، يُتوقّع أن يدخل ملف «قسد» مرحلة جديدة من التعقيد، حيث ستبرز أسئلة شائكة تتعلق بمستقبل مناطق النفوذ، وترتيبات الأمن، وشكل العلاقة بين المركز والأطراف. هذه التعقيدات لا تهدد بإطالة أمد الأزمة السورية فحسب، بل تنذر أيضاً بإعادة إنتاجها بأشكال مختلفة، أقل وضوحاً وربما أكثر كلفة.
في خضم ما يمكن وصفه بـ«معارك كسر العظم»، تبدو الخسائر الإنسانية هي الثابت الوحيد. فالمدنيون في سوريا يدفعون الثمن الأكبر لصراعات كان بالإمكان تجنّب كثير من مآسيها لو توفرت إرادة سياسية حقيقية للحلول، بدلاً من منطق الحسم القسري والتغليب العسكري. المدن المدمّرة، والنزوح المتكرر، والانهيار الاقتصادي والاجتماعي، ليست نتائج جانبية، بل هي جوهر هذه المعارك التي تُدار من فوق رؤوس الناس.
المفارقة المؤلمة أن ما يجري اليوم كان يمكن تفاديه أو على الأقل تقليص كلفته البشرية والمادية. غير أن غياب التسويات المبكرة، وتعطيل المسارات السياسية، والارتهان لمنطق القوة، دفع سوريا إلى مسار استنزاف طويل، لا يبدو أن السيطرة العسكرية وحدها قادرة على إنهائه. فالحسم الأمني، مهما بدا ناجزاً، لا يصنع استقراراً دائماً، ولا يعالج جذور الأزمة.
من هنا، فإن السيطرة على أحياء حلب، إن تحققت، لن تكون خاتمة المشهد السوري، بل محطة إضافية في صراع مفتوح، تتراكم فيه الخسائر ويزداد فيه التعقيد. أما السؤال الجوهري، فيبقى معلّقاً: إلى متى سيستمر السوريون في دفع ثمن معارك كان بالإمكان تجنبها، لو أُعطيت السياسة فرصة حقيقية قبل أن تفرض الوقائع نفسها بقوة السلاح؟