بقلم: ماريا عباس.. كاتبة
1. مشهد المكان
أطفال يلعبون حول أمهاتهم النازحات.
عجائز ممددات تحت بقايا أشجار، كأنهن أشباح حرب.
قمامة تحوم حولها أسراب من الذباب،
وقطط جائعة تنبش أكياسها بحثاً عن بقايا طعام.
كان تشرين قد جاء سقيماً ذلك العام، وزاد من كآبة المشهد.
إنه مطار القامشلي.
كنت هناك مع ابني ووالده، أبتلع قلقي بصعوبة، ننتظر طائرة يُفترض أن تحط في مطار مدينتنا. الحرب مشتعلة بكل طقوسها الرعناء، والعالقون في دروب الموت كانوا في طريقهم إليه.
شارفت شمس العصر على الرحيل، وشارف قلبي على الانفجار. للمرة الثالثة في أسبوع واحد، في خريف 2015 الثقيل، بدا المكان خانقاً رغم اتساعه. الأشجار المحيطة بالمطار، الآيلة إلى الموت، كانت تشبهنا. والناس، منهكون، مكتظون، ينتظرون.
2. النازحون والحرب
وصلت مجموعات من النازحين الهاربين من مدن بعيدة إلى القامشلي. كانت ملامحهم تفضح ثقل النزوح والخوف. لا أحد ينكر همجية النزاع الدائر.
المعارك الدامية بين تنظيم داعش والقوات الكردية المدعومة من التحالف الدولي — وحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة، التي أصبحت لاحقاً قوات سوريا الديمقراطية (قسد) — كانت كفيلة بأن تترجم الحرب على كل شيء: البشر، الحجر، والذاكرة.
قبور مصطفّة على مدّ النظر، ميراث ثقيل خلّفته الحرب في المدن الكردية، حين صار الأبناء والبنات شهداء. على بوابات المدن، صورهم ترفرف بجانب الأعلام والرايات الملونة.
3. المطار: ملاذ مؤقت
في حرم مطار قامشلو الدولي، لم يبق أثر للعشب الأخضر. دهسته الأقدام المتعبة، الثقيلة، التي دكّت المكان دكّاً. الجميع ينتظر فرصة قد تمتد أياماً أو أسابيع لركوب طائرة عسكرية إلى دمشق.
الطائرة العسكرية أصبحت الوسيلة الوحيدة للسفر، خاصة لمن لا يملكون المال أو العلاقات. أما الطيران المدني فصار حلماً بعيداً، يحتاج إلى حظ ومال ونفوذ.
توقفت حافلات النقل تماماً. الطرق إلى حلب ودمشق صارت مسرحاً للسطو والاختطاف. تقاسمتنا الجماعات المسلحة كغنائم متروكة، تقودها إيديولوجيات متناقضة، لكن يجمعها السلاح.
حتى قطار الشرق، الذي حمل أحلام المرضى والطلاب وعشاق الحرية لعقود، تحول إلى مجرد حكاية محفوظة في ذاكرة جيلنا.
4. فندق الفارين
تحوّل المطار إلى فندق مفتوح للفارين:
نساء، أطفال، رجال، وعجائز، بلا مأوى ولا مال.
الهاربون من داعش، الخارجون من مخيم الهول، ينتظرون أن يصبحوا أرقاماً في قوائم اللجوء إلى أوروبا أو دول الجوار.
كانت وحدات من الجيش السوري لا تزال تسيطر على المطار، تتحكم بحركة الطائرات المدنية والعسكرية، التي تنقل الجنود، الجرحى، الموتى، والذخيرة، في مشهد يختصر اقتصاد الحرب.
5. طائرة الموت المؤجل
الطائرة الوحيدة المتاحة كانت طائرة “اليوشن”، بلا مقاعد، صلبة كقسوة الحرب. كم كان “محظوظاً” من حظي بالسفر مع الجرحى أو الجنود أو الموتى.
كلهم، بطريقة أو بأخرى، موتى على قيد الانتظار.
القمامة، القطط الجائعة، الأطفال المشردون، روائح البارود والعفونة، وضجيج المولدات الكهربائية… كلها صارت مألوفة.
هكذا كانت القامشلي، مدينة الحب والموسيقا ونهر الجغجغ، ذاك النهر الذي وصفه ماكس مالوان ذات يوم بأنه “جزء مثير من العالم لا يعرفه أحد”.
كيف يجتمع هذا القدر من القبح والجمال في ذاكرة مدينة واحدة؟
6. أمومة على حافة الفقد
في 2015، كنت تلك الأم التي ترافق ابنها البكر، ذو الخمسة عشر عاماً، إلى مصير مجهول.
كان البحر أحد احتمالاته، البحر الذي ابتلع قوارب مطاطية وغدر بركابها. لو نطق، لسرد حكايات السوريين بكل لغاتهم.
للمرة الأولى، حملت حقيبته بيدي:
ملابس قليلة، علبة ماء، بعض المال، هوية، بسكويتة، قطعة شوكولاتة…
وبهذا التعقيد البسيط، تدفع الأمهات أبناءهن إلى المجهول.
لم أكن قوية. ومن قال إن الأمهات قويات؟
نحن أكثر خلق الله هشاشة.
7. الانتظار والعودة
انتظرنا ساعات. ثم عدنا خائبين.
فرحت سراً، بأنانية أم: سيبقى يوماً آخر. سأراه يتنفس.
في اليوم التالي أعدنا المحاولة. لا مفر من السفر. البقاء كان موتاً مؤجلاً.
السلاح صار مغرياً للمراهقين. كثيرون التحقوا بوحدات عسكرية. داعش جعلنا أهدافاً لأننا أكراد. القرى سقطت، والخوف صار قانوناً.
خياراتنا كانت اثنين: القتال أو القتل.
والخيار الثالث: الفرار.
8. الرحيل الأخير
في المرة الثالثة، لم أرافقه.
غادر وحده، يحمل حقيبته الصغيرة على ظهره الغض.
عانقته حتى كدت أبتلعه. تظاهرت بالقوة، وكتمت بكائي.
رافقه والده إلى المطار.
راقبناه من شرفة المنزل.
لوّح بيده.
وكان الرحيل موجعاً بما يكفي ليكسر القلب.
نساء الحي لوّحن له، بكين، ودعون بالكردية:
Hafiz Xweda Safin
“ليحفظك الله”.
9. ما بعد الرحيل
عاد والده وحيداً.
دخلت غرفة ابني. سريره كما هو.
احتضنت فراغه، وبكيت.
استعدت لحظة تحركه في رحمي، أول صرخة، أول ضحكة، وآخر عناق.
تمزق قلبي بسكاكين صدئة من خيالات أمومة في زمن الحرب.
هل تعلم الحرب ماذا تفعل بقلوب الأمهات؟
وهل يعلم صناعها أي حقد يزرعون؟
10. بعد عشر سنوات
عشر سنوات مضت، ولا تزال الحكايات موجعة.
في شتاء 2026، مطار القامشلي مغلق لأجل غير مسمى، والحرب اشتعلت من جديد.
أستعيد هذه الحكاية وأنا بعيدة، أراقب الأمهات ما زلن يبكين أبناءهن، ضحايا الهويات، وضحايا البحث عن الحرية.
نال منهم سلاح الجيران.