نجح الطبيب النمساوي د. فيكتور فرانكل في استنباط نظرية في الطب النفسي، ومن ثم في تحويلها إلى منهج علمي يستقطب المرضى النفسيين الذين خرجوا أحياءً من الحروب وسجون الأسر من مختلي التوازن والانفصاميين.
نظريته قائمة على بحث الإنسان عن المعنى. أن تكون في محنة عسيرة ولم تمُت، بل خرجتَ إلى الحياة وهوائها النقي، يبقى ما تبقى من المعنى وكيف تستثمره في حياة الحرية.
يبدو عنوان النظرية “العلاج بالمعنى” غير معهود في الأدبيات الطبية، لكن سرديات علم النفس أباحت له؛ وعبر التجربة الشخصية؛ أن يجد السؤال والجواب معًا، عندما كان معتقلًا في السجون الألمانية النازية وشهد ويلاتها وعذاباتها، وضعف الإنسان- الأسير في دهاليزها القذرة. ولن يكون فرانكل مدّعيًا، أو إن نظريته النفسية سُطّرت بخيال الطبيب، لكن “المعايشة” القاسية الاستثنائية في المعتقلات النازية، وما أصابه فيها من ضعف ومرض وعجْز هو ومَن معه، اكتشف نظريته النفسية في البحث عن المعنى؛ معنى أن تكون إنسانًا، وتكون حالمًا، وأخلاقيًا وطموحًا. معنى أن تفهم الحياة بشكل طبيعي وتتعايش معها، حينما رأى الأسرى معه يُعدمون ويتساقطون في أفران الغاز ويموتون من الجوع والعطش. وبعد خروجه من المعتقل وضع نظريته المذكورة في إيجاد العلاج النفسي بالمعنى من دون غيره من العلاجات المعروفة في التسكين المؤقت.
عاش د. فرانكل في أسوأ الأمكنة وأقذرها وأقساها وأكثرها يأسًا ووحشيةً، وهي المعتقلات، السجون والمعسكرات، لنقف عند هذا المكان الذي يحمل أكثر من تسمية، فطبيعته تشبه صندوقًا لا فضاء فيه ولا حياة ولا هواء. وهو من الأمكنة الهامشية المحشورة في الحياة حشرًا لظروف وأسباب الحروب. لكنه يتقدم ليصبح المتن العام لظروف داخلية أو دولية، فيُمسي أكبر من طاقة الفرد في تحمّل أوضاعه الداخلية والنفسية والمعيشية، فيتبدل المكان الأصلي إلى مكان حجري بلا أنفاس إلى حد كبير. عندها يعي المُعتَقل؛ وهو أمام الموت؛ بأن المكان طارئ على حياته الشخصية، فكان أن يتعامل معه كونه مستودعًا يقضي فيه عقوبة الأسر الحربي؛ لذلك عليه أن يعتمد على ذلك الشعور الشخصي وينصرف إليه؛ بالرغم من أنه مكان محشور في الحياة. فالمعنى هو البقاء على قيد الحياة. والمعنى المستتر هو كيف للأسير المبتلى أن يتفرغ لمعاينة الحياة التالية إن بقي على قيد الحياة إلى النهاية.
| عاش فرانكل في أسوأ الأمكنة وأقذرها وأقساها وأكثرها يأسًا ووحشيةً، وهي المعتقلات، السجون والمعسكرات (Getty) |
(1)
في كتابه “بحث الإنسان عن المعنى” (ترجمة علي السعيدي، الاتحاد العام للأدباء في العراق، بغداد، 2025) يوزّع د. فرانكل التأليف على رافدين. الأول هو المجريات المروّعة لما حدث في الأسر. والثاني تفصيل شيء من النظرية النفسية التي تعالج بالمعنى. وقد يختلط الرافدان ببعضهما بعد الحرب والأسر، فالمرضى النفسيون هم خلاصة الحرب والسجون والمعتقلات، أو معطيات التخلخل النفسي الذي يصيب الأقربين منهم. لذلك نجد ثيمة السجن انتشرت كثيرًا في القصص والروايات والأفلام السينمائية؛ كونها دراما حقيقية مهما اشتط الخيال فيها. تعالج مشاكل الإنسان الخارج من القذارة والاختناق والخوف والجوع والهزال والمرض، وهي تقدم المكان والمُستَمكنين فيه بكل الطرق تعرية وإفاضة فيلمية/ سردية/ صورية.
نرى جازمين بأن فكرة السجن ليست عقوبة بذاتها، إنما المكان بالتوصيفات المذكورة- والتي ستأتي- هو العقوبة الفظيعة التي يعاني منها الأسير والسجين والمعتقل، ووقتها يتساءل السجين أو الأسير عن معنى الحياة وليس جدواها. المعنى الخفي والمستتر لها، خاصة حينما يكون تحت طائلة التعذيب، وفي أقفاص أسر مشهود لها بتقديم الموت البطيء مع الوجبة اليومية الوحيدة. لهذا كان د. فرانكل (وكان أحد الأسرى في السجون النازية في أربعينيات القرن الماضي) قد عاش في قذارة الأسر طبيبًا وإنسانًا، ولم يستطع أن يفرز هذا عن ذاك، وبالتالي بعد رصده الدقيق للموت المجاني البطيء والسريع لأصحابه المعتقلين، صاغ وجودًا طبيًا نفسيًا من الإنسان إلى الإنسان واقترب من الحياة التي كادت أن تهرب منه، كما هربت من غيره، فوجد بأنه يؤسس لمدرسة طب نفسية هي مدرسة “العلاج بالمعنى” بأن يبحثُ الإنسان عن المعنى الذي قد لا يجده. فالمعنى يليه معنى المعنى؛ وهذا عصارة المعنى. على أن نمر بشكل مختصر على ظروف الاعتقال في المعسكرات النازية الوحشية، التي مهّدت لنظرية العلاج بالمعنى التي تبناها د. فرانكل وروّج لها وأحاطها بالكثير من التفسيرات والمعطيات والشواهد.
***
د. فرانكل حمل في الأسر النازي الرقم 119104
(2)
زائر المعتقلات والمعسكرات النازية وغيرها لا بد وأن يحمل تصورات هي مزيج من العطف والشفقة، فهو (لا يعرف شيئًا عن الصراع العنيف الذي كان محتدمًا بين السجناء… من أجل الحصول على القوت اليومي وعلى فرصة الحياة ذاتها…)، وهذه صدمة أولى لا يمكن للزائر أن يكتشفها، على أن الصدمة الثانية هي عندما (يجري اختيار السجناء من قائمة المرضى والضعفاء العاجزين عن العمل إلى معسكرات الاعتقال الرئيسية المزودة بغرف الإعدام بالغاز وبأفران حرق الجثث…). وبالرغم من أن فرانكل طبيب نفسي، إلا أنه؛ وعندما يرى الأهوال حوله؛ يؤلف هذا الكتاب ويترك أمره لغيره بأن (يحولوا هذا الكتاب إلى نظريات مجردة يمكن أن تكون مساهمة في مجال تطبيقات علم النفس في حياة السجن)، فما رآه وعاشه وأضعفه جسديًا لا تتحمله أية نظرية علمية ولا رواية طويلة. فالسرديات القريبة من الموت تحاكي الضعف الإنساني بطريقة غريبة، وتجعلُه يفكر بالانتحار، أو تمنّي الموت، كونه الخلاص الأخير في حياة لا يكون لها معنى في أقفاص الأسر الأسمنتية.
بقيت العديد من الأسئلة التي تراوده في كيفية انعكاس الحياة اليومية في معسكر الاعتقال في ذهن السجين العادي، خاصة وإنهم “قاموا بتجميعنا كالقطيع” و”تم بيعنا كعبيد إلى شركة البناء…”، وفي شتاء 1945 “تفشى مرض التيفوئيد وأصاب الجميع تقريبًا، وكانت حصيلة الوفيات كبيرة خاصة للضعفاء…”، هذه مناظر يومية ورؤى كابوسية مُحكمة لإماتة قلب الأسير من حيث المبدأ، لأن المقبل من الأحداث هو الأمرّ منه. لهذا يتحدث فرانكل عن ثلاث مراحل يمر بها السجين أو الأسير في المعسكر، فالمرحلة الأولى التي تشكل صدمة له هي التي تلي دخوله المعتقل وتُختصر بـ:
• مهمة السجين الجديد تنظيف المراحيض وإزالة مياه الصرف الصحي.
• النوم على أسرّة مكونة من طبقات، ينام تسعة رجال على كل طبقة- على الخشب مباشرة.
• يتشارك كل تسعة سجناء ببطانيتين اثنتين لا غير.
• النوم يكون على الجنب متراصّين ومكوّمين.
• استخدام الأحذية كوسائد/ مخدات/ بالرغم من أنها مغطاة بالطين.
• ارتداء القمصان نفسها لمدة ستة أشهر حتى تفقد ألوانها.
• عدة أيام بدون اغتسال بسبب تجمد الماء في الأنابيب.
• تُسلب من الميت أحذيته المتخشبة ومعطفه وثيابه.
• التعود على الحراس الساديين، وفهم الأساليب الوحشية التي كانت تمارس على السجناء من قبلهم.
في حين أن المرحلة الثانية هي ضرورة التكيف الإجباري مع روتين المعسكر، والقبول بالذل والإهانة. أما المرحلة الثالثة فهي التي تلي الخروج من السجن وماهية ردود أفعال الأسير في الحرية المتاحة له. ويتضح أن تدجين الأسير عبر هذه المراحل الشاقة غاية خطيرة في تحوير الإنسان وعاداته إلى متطلبات المعسكر النازي واشتراطاته القسرية “أصبح صاحبنا نحيفًا إلى حد لم نستطع التعرف عليه في البداية”، فالذي يجتاز هذه المرحلة القاسية لا يفكر بالانتحار، بالرغم من أن فرصة النجاة ضعيفة وضئيلة و”كل مسلم سيُلقى به في غرف الإعدام…”. وهذه الأسباب، وغيرها من التي سنختصر وصفها، هي التي دعت د. فرانكل إلى أن يقول: “أدركت مرارة الحقيقة أن أي حلم مهما كان فظيعًا لا يمكن أن يكون أكثر بشاعة من واقع المعسكر الذي نحن فيه…”.
(3)
تأسيس نظرية علمية في الطب، لا بد وأن تمر بمراحل ميدانية لتكتسب صدقيتها الفعلية، بعد أن تُصبح جاهزة للتجريب والاختبار وقياس معدلات نجاحها الأولية. وعلم نفس السجن من اجتراح د. فرانكل، الذي لم تعوزه التجارب الحيّة وهو يعيش ويتعايش مع الإنسان الذي يراه يترنح ويتخلخل داخله في معسكرات الاعتقال. ويكشف المزيد من الانتهاكات الإنسانية التي مرّ بها هو وزملاؤه المعتقلون:
• اختفت آخر طبقات الدهون تحت جلودنا وأصبحنا كالهياكل العظمية المتنكرة بالجلد المتيبس والثياب البالية.
• صار بمقدورنا مشاهدة أجسادنا وهي تلتهم نفسها أمام أعيننا.
• ما أنا سوى جزء ضئيل من كتلة هائلة من اللحم البشري.
• أصبحنا على معرفة تامة بعلامات الرحيل لأصحابنا (فلان لن يعيش طويلًا).
• هوس السجناء بالأكل والطعام هو السبب الكامن وراء غياب الرغبة الجنسية لديهم.
• جلوس القرفصاء على القش المنقوع ببول البشر.
• المدخنة هي غرف الغاز التي يتم فيها إحراق السجناء.
• لم يكن منظر الجثث المغطاة بالقمل يزعجني.
• انتشار آكلي لحوم البشر في المعسكر.
• حرب الأعصاب التي تدور رحاها بين السجناء في الحديث المفتوح عن السياسة والدين.
• انتشار مرضَي فتق البطن والسل.
• ابتكر الرجال أحلامًا مسلية حول المستقبل.
• إحراقهم حتى الموت.
• شعر وكأنه يسير في جنازته.
عندما تحرّر د. فرانكل من الأسر الدامي، حاملًا معه العذابات البشرية كلها، رأيًا وشاهدًا مباشرًا عليها، رأى الإنسان الجبار كيف يُصبح ضعيفًا وآيلًا للانتهاء، “القوة الداخلية للإنسان قد تتجاوز به حتمية مصيره الخارجي… من الناحية النفسية يمكن أن نطلق على ما كان يحدث للسجناء المحررين اسم اختلال الشخصية”… فيستنتج؛ بعد المعسكر الشاق؛ أن “الجسد البشري أقل قيودًا من العقل، لهذا استفاد من الحرية منذ اللحظة الأولى”. وهنا يشير إلى الجسد بوصفه منظومة عصبية هي التي تُنتج ردة الفعل إزاء العالم الخارجي المحيط بها. فالجسد هو الجدار الإنساني الأول الذي يواجه الفضاء الخارجي بكل ما فيه من قوة وتعسف وإذلال، بينما العقل اللامرئي يكيّف نفسه على الحالة التي يكون الجسد فيها مطعونًا وذابلًا، وهو الأقل تأثرًا بتلك العذابات التي رواها فرانكل. وهذا بدوره سيوظف سرديات السجن المرئية وغير المرئية في نظرية العلاج بالمعنى.
هذه النظرية التي تبحث في العلاج النفسي المتمحور حول إيجاد المعنى عبر المستقبل – أي على المعاني التي سيحققها المريض في مستقبله – والقصد هو العلاج النفسي الذي يتمحور “حول إيجاد المعنى”، وهو إيجاد معنى الوجود الإنساني، إيجاد معنى الحياة في حياة الإنسان. ويحدد د. فرانكل المعنى الرمزي ببحث الإنسان عن المعنى الذي قد يولد توترًا داخليًا بدلًا من التوازن الداخلي، إلا أن هذا التوتر بالتحديد هو الشرط الأساسي للصحة النفسية التي ترتكز على “درجة معينة من التوتر – التوتر بين ما حققه الإنسان وما ينبغي له أن يحققه”، متأملًا مقولة نيتشه: “مَن يعرف السبب الذي يعيش من أجله يمكنه تحمل المعاناة في سبيله كيفما كان حجمها”، لأن المرضى النفسيين ينغمرون بفكرة أن لا معنى أخيرًا لحياتهم. تطاردهم “تجربة الفراغ الروحي” والتي أسماها د. فرانكل “الفراغ الوجودي”، فليس للإنسان إلا أن يسأل عن معنى حياته. وهو من الأسئلة الصعبة التي لا بد من سؤالها في تلك الأمكنة الموبوءة.
وهذه تقنية نفسية وليست علاجًا دوائيًا في التحليل الوجودي للإنسان المنكسر لأي سبب، لا سيما الذين يفتقرون إلى المعنى من عُصاب يوم الأحد على سبيل المثال. فالمعاناة “ليست ضرورية لإيجاد المعنى”، يكفي إزالتها لتصبح الحياة واضحة وصريحة، لأن معنى الحياة “غير مشروط” والناس “يملكون ما يكفيهم من أسباب العيش لكنهم لا يملكون شيئًا للعيش من أجله… فالعالم ليس سوى مزحة، فلا وجود للعدالة فيه وكل شيء فيه عشوائي…”، لذلك فإن فهم هذا المعنى يقوّي قوة التحفيز للفرد في البحث عن معنى.
(4)
ما ذكره فرانكل في خطابه التذكاري عام 1988 بمناسبة الذكرى الخمسين لغزو هتلر:
• لا أعرف سوى الضحايا، أما الجناة فلا أعرفهم، وعلى الأقل لا أعرفهم شخصيًا.
• أرفض اتهام الناس بالذنب بشكل جماعي. ليس ثمة ذنب جماعي. إنه غير موجود.
• المقاومة تفترض البطولة، وفي رأيي لا يمكن للمرء أن يطالب بالبطولة إلا من شخص واحد هو… نفسه!
استدراك:
استوجبت ثلاث مقدمات لتصدير هذا الكتاب: الأولى للمترجم د. علي السعيدي، الثانية للمحرر هارولد س. كوشنر، والثالثة للمؤلف- طبعة 1992. ما يستوقفنا فيها هو مقدمة المترجم الذي عاش نفس مشكلة الأسر، لكن في “النسخة الإسلامية”، وعاش مع هذا الكتاب متماهيًا مع كل كلمة فيه؛ كونه يعرف الأذى والعجز وأمراض الأسر والسجون عبر “محطات الجحيم في معسكرات الاعتقال النازية وبعدها” التي ذكرها د. فرانكل. أما المحرر كوشنر فيصف الكتاب بأنه “من أعظم الكتب التي صدرت في عصرنا الحاضر لطبيب نجا من الموت بما يشبه المعجزة من دون أن يفقد الأمل. لكن إصراره على الحياة حافظ فيه على شعلة الأمل بعد نهاية الحرب مضيئة عبر استحضاره لصورة زوجته، وفكرة أن يراها مرة أخرى بعد الحرب”.
وجاءت مقدمة المؤلف تعريفية بالظروف العظيمة التي أحاطت به أثناء اعتقاله في المعسكر النازي. وقد تُرجم هذا الكتاب إلى أكثر من 50 لغة وبيعت منه أكثر من 16 مليون نسخة.