يبدو فيلم “كولونيا”، من إخراج محمد صيام وكتابته بالاشتراك مع أحمد عامر، واعدًا في بدايته، برغم شيء من الافتعال يكتنف حواره السينمائي وبعض الأداءات التمثيلية؛ واعدًا ربما بتعرُّضه المباشر لعلاقة حُب/ كراهية بين الأب عُمر (كامل الباشا)، وابنه فاروق (أحمد مالك). يبدأ الفيلم – وهو إنتاج مُشترك بين مصر والنرويج وفرنسا والسعودية والسويد وقطر- بالمُحصِّلة النهائية للعلاقة، وهي وفاة الأب الفُجائية بعد يوم واحد من مُغادرته المستشفى إثر غيبوبة طويلة امتدت لستة شهور. هذا على الأقل ما يُقال في الحوار، وإن كُنا لا نشعر بعُمر عائدًا حقًّا من غياب، بل كأنه ساهر كان يُحصي أخطاء ابنه الضال فاروق، كي يُؤنبه عليها حين تعود له الحياة.
ليس الموت وحده ما يصدم فاروق، إنما يُثقل عليه الشعور بالذنب. مات الأب في سيارة العائلة أسفل البناية، أي لزمه لا بُد زمن طويل حتى يرتدي ثيابه ثم يتسلل نازلًا، ولم يُحس به في كل ذلك فاروق الراقد في الغرفة المجاورة. هناك بذرة شك يزرعها السيناريو، حين نرى فاروق يتخلص من عقاقير غير شرعية على الأرجح، قد تكون أودت بحياة الأب الهشة أساسًا، وهو طبعًا مَنْ ناوله إياها.
| المخرج محمد صيام |
يبدأ الفيلم في اليوم الأول للعيد بحدوث الوفاة، ويعود بعدها إلى اليوم السابق، كي يروي علينا قصته السينمائية التي تُركِز على العلاقة نفسها وليس على أثرها الباقي في حياة الابن. نفهم أن فاروق انقطع عن زيارة أبيه طوال أشهر الغيبوبة، لكنه يوم وقفة العيد هو مُضطر لأن يرعاه بمفرده، ريثما يُتم أخوه علي (عابد عناني)، المقبول أكثر لدى الأب، أعمالًا تخص الأسرة. يُمثل هذا اليوم اليتيم اللقاء الوحيد، بعد غياب مؤقت، والأخير بين الرجلين، قبل غياب نهائي. لكن هذه العودة بالزمن خطوة إلى الوراء، تضع الفيلم أمام خيارين سرديين مُحددين، وربما محدودين. الخيار الأول، أن الأحداث السينمائية، ستكون حبيسة جدران البيت، والثاني اعتماد الفيلم أساسًا على عنصر الحوار، وهذا في ذاته تحدٍ يستلزم حساسية بالغة في صياغة الجُمل والعبارات الحوارية.
تجري معظم المواجهات بين عُمر وعلي في شقة من شقق الطبقة المتوسطة بمدينة الإسكندرية، عدا عن بعض المشاهد التي تجري خارجها. هندسة الشقة، بهيئتها الكابية، وجدرانها الكالحة وإضاءتها الشحيحة – حتى من قبل أن تنقطع الكهرباء – لا تُلمح فقط إلى حياة أسرية مأزومة، بل لعلّها تُشير إلى علاقة فيها من كراهية الذات، ما يُضاهي كراهية الآخر، لدى الرجلين الساكنين فيها.
الكراهية كرابطة عائلية
ما يبرع “كولونيا” في وصفه، ربما أكثر من شيء آخر، هو هذه الكراهية المُتبادلة بين عُمر وفاروق، الاحتقار المُتبادل بينهما. يُقدَّم عُمر أولًا كأب سام، يشتم مَنْ يحملونه صعودًا الدرج إلى شقته، ويُجاهر بازدرائهم بدلًا من أن يشكرهم أو يُحسّ بالامتنان إزائهم. يختص عُمر ابنه فاروق بالنصيب الأكبر من هذه الزراية أو لعلّ الابن الثاني علي لا يتفاعل معها بالقدر نفسه، ربما لاستقلاليته بحياته بعيدًا عن الأب، وربما لطبعه المادي أكثر كما يُظهر الفيلم. يلتقط فاروق خيط سُخط الأب ليُذكره سريعًا برائحته التي لا تُحتمل، ولو أنه يعرف مُبررها: رُقاد الأب الطويل في المشفى.
هذا المقت بين أب وابنه، على أنه ليس مثاليًا بالطبع، وليس البُعد الأوحد من العلاقة، يعكس شيئًا من الجانب المُظلم للصلات العائلية لا سيما في الطبقة المتوسطة. إن عبارة من نوع: “إتلهي على عينك ياض… لأقوم ألطش لك”، تبدو من جانب مألوفة ومسموعة في الحياة الواقعية عنها في الأفلام، كما تُعبر من جانب آخر عن إساءة مُزمنة لمُمارسة السُلطة- هنا سُلطة الأب – داخل حدود الأسرة. يكشف هذا الوضع غير المتوازن عائليًا أنماطًا أوسع وأشمل من المُمارسات الاستبدادية التي تستفيد من خطاب ديني وإعلامي يمنح نماذج السُلطة كبارها وصغارها حصانة ما ولا يكتفي بتمرير إساءة المُعاملة بل قد يُشرعنها حتى. في المقابل نجد الأغلبية العظمى من الأعمال التلفزيونية والسينمائية تُغالي في التعبير عن عقوق الأبناء على سبيل المثال، عوضًا عن تسليط الضوء على العُقد السيكولوجية التي تنشأ منذ مرحلة الطفولة وتُعيد إنتاج نفسها لاحقًا في المزيد من الظواهر الاجتماعية والفكرية السياسية التي تقود إلى التطبيع مع الديكتاتورية.
ومع ذلك، لا يُشكل الطغيان أو الإساءة الضلع الوحيد لشخصية الأب عُمر. وأن يقع الاختيار على الممثل الفلسطيني كامل الباشا بروحه اللطيفة وتركيبة جسده الضئيلة، لأداء الشخصية أمام ممثل موهوب لا يعدم الرقة كأحمد مالك– حصل عن هذا الدور على جائزة أفضل ممثل من مهرجان الجونة السينمائي – فهذا مما يتوافق مع لحظات الحنان المُتبادلة أيضًا بين الرجلين، أو أوقات انكسار القسوة خصوصًا من جانب الابن، كحين تنقطع الكهرباء فجأة بعد مواجهة كلامية جارحة بينهما، ويُسارع فاروق إلى تلبية نداء الأب ملهوفًا. أو حتى في المواجهة الأخيرة، حين لا يحتمل فاروق سير أبيه وحيدًا بلا معونة. يتشكل إيقاع الفيلم على نحو ما من هذا التأرجح المتوالي بين العاطفتين المُعميتين حُب/ كراهية، ما يُميز حقًا “كولونيا” ويمنحه شيئًا من روحه الخاصة. المشكلة فقط أن مُخرِجه لم يجد هذا التناقض كافيًا في ذاته، أو اعتقد أن تبريره يحتاج إلى أسرار كبرى أو خفايا مدفونة. يُوهن هذا التصور من تأثير الفيلم، في نصفه الثاني بالتحديد، لكن قبل ذلك، علينا أن نبحث عن الحلقة الناقصة، ما هي علاقة الرجلين بالمرأة؟
| أحمد مالك ومايان السيد في لقطة من الفيلم |
الأم والحبيبة
الكولونيا هي الرائحة المُفضلة للأم الغائبة، تختصر الذكريات الجميلة بين عُمر وفاروق، وتُمثل النصف الممتلئ من الكوب الأسري، وهي من الأشياء القليلة التي يتفقان على حُبها في الحياة. عدا ذلك، تمثل الأم حاجزًا بين الرجلين، فهي التي فضلت فاروق في المعاملة على شقيقه علي، بينما مال الأب إلى علي أكثر. يتصلب فاروق بشدة حين يأتي عُمر على ذكر الأم بسوء، وهو كثيرًا ما يفعل. في المقابل، يرفض الأب علاقة فاروق بسارة (مايان السيد)، لا لسبب مُحدد، كأنما الرفض يتصل بالرفض العام لخيارات الابن في الحياة.
بظهورها تمنح مايان السيد الفيلم نفسًا جديدًا ومُختلفًا. سارة المُتحرِكة تُحبّ فاروق وتتفاوض مع عُقده النفسية، جريئة تذهب لزيارة أبيه، حين تسمع بخروجه من المستشفى، ولو من دون إذن فاروق. تعكس سارة التجمد النفسي والعاطفي الذي يحياه الابن. غير أن شخصيتها، ومن المفترض أنها شخصية ثانوية في السيناريو، تحمل حيوية تفتقدها شخصية فاروق الأساسية على الورق. إن سارة لا تعيش في بيئة اجتماعية أفضل من تلك التي يحيا بها الابن، إلا أنها لا تكف عن التجريب والتحايل، للخروج من حيز الأسرة ومحاولة رؤية شيء من العالم.
ثم تأتي شخصية ماجي في المشهد الوحيد لها في الفيلم، لتُعيد التأكيد على العجز الكامن في شخصية فاروق على مستوى كتابة السيناريو. ماجي (دُنيا ماهر) هي عابرة جنسيًا، لا يبدو عملها في تجارة المُخدرات مجرد وسيلة لكسب المال، كحال فاروق، بل كأنه نوع من التمرد على المنظومة الأبوية كُلها، وبحثٍ عن الذات. الواقع أن أداء دُنيا ماهر في ظهورها الأوحد ذاك، يستحق جائزة خاصة، خصوصًا أن تقديم العابرين جنسيًا قليل جدًا في السينما المصرية. وعلى جرأة المشهد، هو ليس تقديمًا سلبيًا. مع ذلك، يُمكن للمُتفرج ألا يهتم كثيرًا بهذا الحضور العابر، لسبب جوهري يتعلق بارتباك السيناريو لاحقًا، عدم قدرته على توظيف هذا الظهور لخدمة غاية أو معنى أكبر يريد صياغته، بالإضافة إلى اللجوء إلى الإيحاء والتلميح بدلًا من أن يقول صُناع الفيلم ما يُريدون قوله بثقة ووضوح.
تصاعد درامي ضعيف
في الساعات الأخيرة من اليوم، يُقرر الأب أن يُصاحب الابن في رحلة ليلية إلى بيت صديق قديم اسمه مُنير. ونحن لا نفهم سبب هذه الزيارة التي تُذكرنا إلى حد ما بأجواء فيلم “البحث عن سيد مرزوق” لداوود عبد السيد. بدءًا من هذه اللحظة، يدخل الفيلم في حالة من الصمت الغريب، مع أنه يستمر في الحديث. يسكت السيناريو عن طبيعة العلاقة بين عُمر ومُنير، وحتى حين يبوح الأب ببعض الأسرار الخطيرة التي يُلقيها دفعة واحدة على الابن وعلينا، فهو يُثير أسئلتنا أكثر مما يُقدم إجابات. إذا أخذنا في الاعتبار ظهور ماجي، العابرة جنسيًا، ربما نفهم لماذا رجَّح بعض النقاد أن الأب عُمر مثلي جنسيًا وأن هذه المثلية التي استنتجها البعض، وراء الشرخ العائلي. المُشكلة مجددًا أن تصورًا كهذا يتناقض مع مُعطيات أخرى سبق أن قدّمها الفيلم.
إن الخلاصة أو الحلّ الذي يصل إليه الفيلم – يمر عبر مشهد المكاشفة المبتور في النهاية- كان يتطلب من صُنّاعه العودة إلى البداية لصناعة بناء درامي مُتماسك مقارنة بذلك الذي حظي به الفيلم فعلًا. بناء يُعبّر عن فكرة واضحة في الذهن ورؤية غير مُشتتة ولا ناقصة. صحيح أن السينمائيين يُفضلون عادة اللجوء إلى المفاجآت في نهايات الأفلام، سعيًا لترك بصمة ما، إلا أن مفاجأة الفيلم تخصم للأسف من تأثيره، وتُضعف رائحته المُختلفة بمقاييس الأفلام التجارية. مع ذلك، ما يزال “كولونيا”، وهو أول فيلم روائي طويل لمُخرجه، يستحق الفُرجة والتأمُّل بعد الفُرجة. ثمة مشاهد مُمتعة أدائيًا لجميع المُمثلين، وإن شابها أحيانًا بعض الافتعال، وعبارات مؤثرة وإن لحق بها تكرار أو تعليقات أضعف، وغيرها من عناصر لافتة في فيلم حاول البحث عن الصدق بخصوص هذه الورطة التي اسمها العلاقات العائلية.