
فيما تتواصل الحرب التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة على إيران، التي استهدفت دولاً عديدة في المنطقة تحت مبررات استهداف المصالح الأميركية، بدت سوريا حتى الآن محيّدة.
ومع أن الحرب لا زالت في أيامها الأولى، إلا أن التوقعات تستبعد أن تكون سوريا مسرحاً لضربات إيرانية مشابهة للضربات التي تلقتها الدول الخليجية والأردن وتركيا، خلال الأيام الماضية.
وثمة تفسيران لأسباب عدم توجيه إيران ضرباتها إلى سوريا، الأول تلاشي الوجود الأميركي فيها، بعد إخلاء واشنطن للعديد من قواعدها العسكرية، وآخرها قاعدة “قسرك” في ريف الحسكة.
وهو ما يتفق معه الباحث والمحلل السياسي أيمن دسوقي، الذي يشير في حديث لـ”المدن”، إلى ضعف بنك الأهداف الأميركية في سوريا، بعد عملية إعادة الانتشار التي قامت بها القوات الأميركية في الجغرافيا السورية مؤخراً. ويقول: “لكن ذلك، لا يعني بطبيعة الحال عدم دخول سوريا ضمن دائرة الأهداف في وقت لاحق في حال تطور مسرح العمليات العسكرية”.
ويشير دسوقي إلى حسابات إيرانية متعلقة بالمجموعات الحليفة لطهران في سوريا ولبنان، ويقول: “ليس من مصلحة حلفاء إيران منح الذرائع لسوريا للانخراط في جهد عسكري إقليمي ضدها”، وذلك في إشارة منه إلى التعزيزات التي أرسلها الجيش السوري إلى الحدود العراقية واللبنانية.
وكان الجيش السوري قد أرسل تعزيزات إلى المناطق الحدودية، لتعزيز الأمن، ومنع تحويل سوريا إلى ساحة لاستهداف القوات الأميركية أو الاحتلال، وهو ما قد يُفهم على أنه تأكيد على “حياد” سوريا.
فائدة تكتيكية معدومة
أما التفسير الثاني لسبب استبعاد سوريا من الضربات الإيرانية، فيُرجعه الأكاديمي والباحث السياسي ماهر التمران، إلى شبه انعدام الفائدة التكتيكية الإيرانية من توجيه ضربات لسوريا.
ويوضح التمران لـ”المدن”، أن “الفائدة التكتيكية لإيران من ضرب سوريا، أقل بكثير من التكاليف المحتملة، فإيران تستهدف الخليج، ومضيق هرمز، وبعض القواعد الأميركية في العراق، وهذه المواقع تحقق ضغوطات اقتصادية ملموسة على أميركا والحلفاء، بينما قصف سوريا لا يساهم في هذا الضغط”.
بجانب ذلك، يتحدث التمران عن رغبة إيرانية بعدم خلق حالة عداء جديدة مع سوريا، ويقول: “إيران لا تزال تأمل أن تعود سوريا إلى محور المقاومة ضد إسرائيل، وهو هدف طويل المدى يتطلب حواراً وسياسات تكتيكية محسوبة، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال غياب أي تصريحات سلبية معادية إيرانية تجاه الحكومة السورية الجديدة، منذ سقوط النظام البائد”.
ويضيف أن “الحرب الآن تركز على نقاط الضغط المباشر، الخليج، ومضيق هرمز، وإسرائيل، في حين أن سوريا تمثل رهاناً سياسياً طويل المدى، وأي استهداف مباشر اليوم لسوريا قد يحرق هذه الفرصة”.
ويقول التمران إن السياسة الإيرانية تجمع بين التحكم العسكري الفوري والمرونة السياسية الطويلة المدى، وهو ما يفسر لماذا سوريا لم تُضرب رغم أنها مرشحة نظريا، ويضيف أن “إيران تتجنب الصدام المباشر مع سوريا، لتبقى خياراتها مفتوحة لبناء تحالفات مستقبلية، كما أن سوريا محايدة حاليا بسبب وضعها السياسي الجديد”.
سوريا لم تعد ملعباً إيرانياً
في المقابل، يعتبر الخبير العسكري والاستراتيجي العميد عبد الله الأسعد، أن عدم مساس إيران بسوريا، جاء نتيجة قناعة إيرانية بأن دمشق لم تعد ملعباً لسياساتها، بعد انحسار مشروعها المُكلف بشرياً ومادياً في هذه البلاد. ويقول لـ”المدن”: “سوريا باتت عقدة لإيران، ولذلك لن تنكأ طهران هذا الجرح مجدداً”.
لكن، رغم ما يبدو حياداً سوريّاً حتى الآن، تعرضت بعض المناطق السورية لسقوط بقايا صواريخ إيرانية، وبالتالي فإن تطور المواجهات واستمرارها قد يُلغي حالة الحياد، ويُدخل سوريا في خانة الدول المعنية بالمواجهات.