تأتي أهمية الذكرى الأولى للمجازر التي وقعت في مارس/ آذار العام الماضي (2025) بحقّ السوريين العلويين من أن هذه المجازر كانت أول اختبار للسلطة التي جاءت على أنقاض نظام الأسد، واستقبلها السوريون بوصفها وسيلة الخلاص من نظام المجازر. أي أن أهميتها تأتي من أنها كانت أول مجزرة على يد من يستمدّون قيمتهم العامة من أنهم أسقطوا نظام المجزرة. وأيضاً من أنها أول امتحان جدّي للمثقّف العام السوري بعد سقوط نظام الأسد. ما حدث أن سلطة تحالف الفصائل ما بعد الأسد ارتكبت المجزرة، وأن المجتمع السوري ابتلعها بصمت، وأن نسبة واسعة من المثقّفين العامين السوريين “تفهمتها”. السؤال التلقائي على هذا الواقع: أي صلة لسلطة ترتكب مجزرة طائفية بالثورة السورية؟ والسؤال أيضاً: هل يمكن لمن يتفهّم مجزرة ويناور كي يغطّي على الفظاعة الهائلة أن ينتسب إلى ثورة؟
من الطبيعي أن لمجازر الساحل سياقاً يفسّرها ويضيء جوانب مهمة من دوافعها، وقد يكون الجانب الأهم رعب السلطة الجديدة وجمهورها الواسع من عودة النظام السابق بطريقة ما. مفهوم أن السقوط السريع لنظام الأسد المعمَّر، الذي تغلغل عقوداً في المجتمع وبنى علاقات خارجية متينة، بعد أن صمد طويلاً وبدا أنه عصي على الهزيمة، كان مثار استغراب ومصدر ترقّب لأهل السلطة الجديدة وللغالبية الغالبة من السوريين. وقد كان التحرّك العسكري لمجموعة من العناصر المجرمة اليائسة من بقايا النظام السابق، الذين استهدفوا مراكز وحواجز ونصبوا كمائن لقوات الأمن وتمكنوا من السيطرة المؤقتة على بعض المرافق العامة، قد أطلق نوبة رعب دفعت السلطة إلى إعلان النفير العام (عدد العناصر المتمرّدة كان 265 عنصراً حسب تقرير اللجنة السورية الوطنية المستقلة التي عيّنتها السلطة الجديدة نفسها، فيما زاد عدد القوات التي جرى حشدها على 200 ألف، وهناك أرقام تصل إلى ضعف ذلك). أُحبط التحرّك العسكري خلال وقت قصير، بعد أن سقط أكثر من 170 من عناصر الأمن والجيش، ثم بدأت المجزرة. عام مضى وحقائق تكشفت، ولم يُعد النظر في تقييم ما جرى واتخاذ موقف مسؤول تجاه المنكوبين.
بغرض إيجاد مسافة بين مرتكبي المجزرة وأصحاب القرار (السلطة)، ما زال يقال إن المجزرة كانت على يد فصائل منفلتة. يبقى السؤال: لماذا إذن لم تعترف السلطة بالمجزرة بما يوجب عليها التوجّه إلى الأهالي المنكوبين بكلمة طيبة؟ ولماذا لم تترحّم على الضحايا ولم تكترث بتطمين الأهالي الذين عاشوا الرعب ويعيشون قلقاً دائماً من تكرار المجازر، القلق الذي لا تكفّ “الأحداث الفردية” المستمرّة، وذات البعد الطائفي الصريح، عن تغذيته؟ ولماذا لم يُحاسَب قادة الفصائل المنفلتة بدل أن يُرقّوا في مناصب حكومية ويشاركوا في فعّالياتها العامة، على الرغم تورّطهم المثبت في الجريمة ورغم فرض عقوبات دولية بحقّهم؟
إذا وضعنا جانباً التقارير التي تناولت مجازر مارس، التي تشير إلى تورّط مسؤولين حكوميين مباشرةً، لا يزالون في عملهم، فإن سلوك السلطة عقب المجازر، وتورّطها بعد أربعة أشهر في مجازر طائفية واسعة في السويداء، يشير إلى أن سلطة الفصائل لا تمتلك أفقاً سورياً عاماً ولا شعوراً بالمسؤولية الوطنية، وأنها تواصل، من حيث انتهى نظام الأسد، تغذية العصبيات والاستثمار السياسي فيها، بدلاً من أن تعمل على مواجهة هذا الإرث المدمّر الذي يهدّد وجود البلد نفسه.
تعالج سلطة الفصائل موضوع المجازر بطريقة جنائية غير سياسية، فهي تلفت النظر إلى مجرمين أفراد رغم أنهم مجرّد عناصر في فصائل وخاضعون لتراتبية عسكرية. استبعاد الجانب السياسي يحمي القادة الذين لم يشاركوا مباشرة في القتل، ولكنهم في الحقيقة هم أصحاب الأمر، ويحمي السلطة نفسها من المساءلة العامة حين يُرمى المسؤولية على أفراد مرؤوسين. ومن نافل القول إن السلطة غير جدّية في محاسبة هؤلاء، وهكذا تستمرّ عجلة الإفلات من العقاب بالدوران ويبقى باب المجازر مفتوحاً
يوجد أيضاً من لا يبرّئ السلطة فقط، بل ويجعل من المجزرة باباً لإسباغ الفضيلة على السلطة. يقول هؤلاء إنه لولا السلطة لكانت المجازر أوسع بكثير ولتعرّض العلويون للإبادة. وكأن من نفّذ المجزرة جمهور مغفّل مستقلّ عن السلطة، صادف أنه يحمل السلاح وينتظم في مجموعات لمهاجمة جماعة صادف أنها بلا سلاح. وكأن وجود السلاح هنا وعدم وجوده هنا مجرّد مصادفة مستقلة عن السلطة الجديدة التي سلّمها غالبية العسكريين العلويين أسلحتهم أملاً بطي صفحة الدم. والحقّ إن هذا التصوّر يدين السلطة الجديدة، من حيث إنه يشير إلى قدرتها على ضبط المجرمين ومنعهم من “إبادة العلويين”. ذلك أن السلطة لم تدخل في أيّ مواجهة عسكرية مع أيٍّ من الفصائل “المنفلتة” التي ارتكبت المجازر، ما يعني أن هذه الفصائل كانت تعمل ضمن التوجّه العام للسلطة، وأن هذه طلبت تالياً، لاعتبارات سياسية مفهومة، عدم التمادي في المجازر، وأن الفصائل كفّت عندئذ عن “انفلاتها” واستجابت.
يردّ بعضهم المجازر، وما سبقها وتلاها من انتهاكات واستخفاف بحقوق العلويين، إلى غياب العدالة الانتقالية، ما دفع الناس إلى أخذ حقّهم بأيديهم. يفتقد هذا الكلام التماسك رغم شيوعه. العنف المادي والمعنوي الذي مورس بحقّ العلويين ينبع من وعي مبتور يغذّي الميل إلى تحطيم مادي ومعنوي لهذه الجماعة، وهو أمرٌ لا صلة له بتطبيق العدالة الانتقالية من عدمه. يمكن للمرء أن يسأل من باب الافتراض الذهني: لو انطلق مسار جَدّي للعدالة الانتقالية منذ الأيام الأولى، فهل كانت ستختفي ظاهرة “الأحداث الفردية” التي لم تتوقّف لا قبل المجازر ولا بعدها؟ وهل هُجّر الأهالي واحتُلّت القرى واستباح بدو أملاك علويين وأرزاقهم في القرى والسهول لأن العدالة الانتقالية لم تبدأ؟ أم أن غياب العدالة الانتقالية هو ما دفع مثلاً عنصر الأمن الذي كان يخدم في أحد الحواجز في ريف اللاذقية إلى دخول الأراضي الزراعية المجاورة وقتل الإخوة الذين كانوا يقطفون ورق العنب؟
ضعف اكتراث السلطة بحقوق العلويين يدلّ على تواطؤٍ غايته تغذية عصبيات طائفية بغرض الاستثمار السياسي. ولا حاجة للبرهان على أن ابتلاع المجتمع السوري المجزرة الأولى بعد سقوط نظام المجازر يعني فتح حساب جديد لمجازر تالية، فسرعان ما شهدنا المجزرة الثانية (بدأت مجازر السويداء في اليوم نفسه الذي سلّمت فيه لجنة التحقيق في مجازر الساحل تقريرها في 13 يوليو/ تموز 2025).
قبل أن تحدث المجزرة في الواقع، تحدث أولاً في الرؤوس حين يطاولها العطب
رغم ما تكشّف من حقائق، ليس فقط من تقارير لجان التحقيق بما فيها اللجنة التي شكّلتها السلطة نفسها، واللجان العالمية، ومن شهادات الأهالي، بل، والأهم ربما، ما كشفته سياسات سلطة الفصائل خلال عام مضى منذ تاريخ مجازر الساحل، لم يتوصّل السوريون إلى موقف مشترك يساعد في تلافي تكرار المجازر. لا يزال التحايل والهرب من التحديق في ملامح فظاعة ما جرى هو السائد، وهذا يزيد في هول الأمر وخطورته، ويعيق السوريين عن الإمساك بحبل احترام القيم الأساسية العامة الذي يعصمهم من التفرّق والضياع، ويحمي تضحيات السوريين من الهدر.
أهم ما يمهّد لارتكاب المجزرة اطمئنان صاحب القرار إلى أنه سوف ينجو من الحساب، والسبيل الأول لكي ينجو المجرم من الحساب اعتياد المجتمع على الجريمة واعتبارها شأناً فيه نظر. قبل أن تحدث المجزرة في الواقع، تحدُث أولاً في الرؤوس، حين يطاولها من العطب ما يجعلها ليست فقط قابلة لاستيعاب المجزرة، بل أيضاً لتمريرها.
حين يفتقر المجتمع إلى مستند قيمي وأخلاقي مشترك ومتين وذي أولوية، تجد المجزرة لها مكاناً ومستقرَّاً فيه، ولذلك فإن بناء هذا المستند هو المسعى والواجب والطموح.