قبل اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، لم تكن الصراعات التي شهدنا أحداثها خلال العامين الماضيين ترقى إلى حجم القدرة على تغيير الخط الذي كان يفترض بالمستقبل أن يسير ضمن حدوده. أحداث فنزويلا كانت بروفة أولى، وحرب إيران الأولى كانت تمرينًا متقدمًا، والحرب في لبنان كانت أيضًا، على نحو ما، تمرينًا أوليًا لحرب الـ 12 يومًا التي شنّتها إسرائيل على إيران. أما الحرب على غزة فكانت في ما يظهر اليوم، تمهيدًا ضروريًا لعزل الرأي العام العالمي والمحلي عن التأثير، وحصار القوى الدولية المنوط بها الدفاع عن حقوق الإنسان والقيم الكونية.
حققت الحرب على غزة أرضية مناسبة لتعويد الرأي العام العالمي على التعايش مع قتل الأبرياء. المدنيون في حرب غزة كانوا مطالبين بمعاداة من يقاتل عدوهم. وجائزتهم، فيما لو نجحوا بذلك، ليست أكثر من النجاة من الموت والتيه.
وهذا الذي نراه اليوم في لبنان ليس أقل من ذلك. لدينا الكثير لنعترض به على حزب الله وأشباهه وداعميه. لكن الثابت أن ما يجري اليوم في لبنان يبدو في جانب منه توخيًا للنجاة بأبهظ الأثمان. الخلاصة التي تقول: لا تعطي إسرائيل ذرائع، لا يكون الرد عليها بأن إسرائيل لا تحتاج ذرائع. هذا الرد اليوم عاجز عن إقناع المشردين والنازحين. هؤلاء يرون اليوم، وبعد أن شهدوا الحرب التي شهدوها، طوال شهور من التشرد والموت على الطرقات وفي العراء، أن شرط بقائهم يقتضي أن يقبلوا التضحية بمن ادّعى أنه قادر على حمايتهم، وأن يقنعوا بنتيجة متواضعة، ليست أكثر من الأمل، وليس اليقين، بأن يتوقف القصف والتهجير.
| لا تعطي إسرائيل ذرائع، لا يكون الرد عليها بأن إسرائيل لا تحتاج ذرائع. هذا الرد اليوم عاجز عن إقناع المشردين والنازحين (AP) |
لهذا ربما تختلف الحرب الحالية في أهدافها وتداعياتها بين لبنان وإيران. في إيران هذه الحرب قد تنتج تغييرًا كبيرًا في مسار التاريخ. وفي لبنان، ورغم تزامن الحربين وتماثل الطرفين، تهدف هذه الحرب إلى منع الناس، كل الناس، من أن يكون لديهم أي رأي، ناهيك بأي قدرة على تغيير مصائرهم. إنهم يأملون فقط أن يمتنع العدو عن قتلهم وتهجيرهم، ويتصرفون وفقًا لمقتضيات ما يرونه مناسبًا له.
في إيران الأمر مختلف جذريًا. هذه حرب تطاول دولة إقليمية كبرى. لكن خطورتها تكمن في كونها تحدث بعد انهيار ثلاثة أنظمة لم يحدث أن انهارت منذ 1945. أول نظام يمكن ملاحظة علامات انهياره هو نظام القيم الأميركي الأوروبي، والذي رعى طوال هذه العقود معضلات الشرق الأوسط، وغذّى جمرها الكامن تحت الرماد في أحايين كثيرة.
والنظام الثاني الذي انهار هو نظام الدول السيدة التي تملك جيوشًا تدافع عن الحدود. والواضح أننا لأول مرة نشهد واقع أن الأسلحة الفتاكة محتكرة، على نحو لا قبل للدول الصغيرة والمتوسطة أن تمتلكه. لأن هذه الحرب تعتمد أولًا على المعلومات، وتقاد بأنظمة خوارزمية وأقمار صناعية وقواعد بيانات وأسلحة ذكية. وهذه كلها أسلحة يملك مفاتيحها طرف واحد حتى هذه اللحظة. وليس ثمة طرف آخر مرشح لامتلاك هذه الأسلحة، وإن كان يمكننا الظن أن دولًا مثل الصين واليابان قد تكون في طور تطوير أسلحة مضادة، وقادرة على الردع. لكنها أيضًا، أي تقنيات الردع هذه، وبحكم طبيعة الحروب المقبلة، لن تكون متاحة للجميع.
أما الانهيار الثالث فهو الأشد خطرًا، لأن هذه الحرب تقع في وقت يبدو العالم بلا مركز. التحالف الأوروبي الأميركي متعثر ومريض، والصين صامتة ولا شك أنها تدرك أن الخوض الواسع في مثل هذه الحروب قبل التجهز الفعلي لها سيضعها في خانة روسيا المستنزفة منذ سنوات في أوكرانيا، والتي لم تعد تستطيع أن تندد حتى. لأن أحدًا في العالم لن يخشى من تنديدها أو تهديدها حقًا. وحين يكون العالم بلا مركز على النحو الذي نعاينه اليوم يصبح كل حدث قابلًا لأن يصبح انفجارًا هائلًا.
لكن المغامرة التي تخوضها أميركا اليوم ليست بلا موارد ولا يمكن اعتبارها محكومة بالفشل. فبخلاف الدول القومية التي تعاني من صراعات داخلية تكبّلها في كل حين، فإن أميركا لا ترى في صراعاتها الداخلية تهديدًا وجوديًا. لأن الفيدرالية الأميركية بالمفهوم اللينكولني تمنح الدولة قدرة على الامتداد من المركز إلى الأطراف عبر موظفين وجيوش، ما يجعلها قادرة على امتصاص التمرد وإعادة ضبط الأزمات كما حدث في الحرب الأهلية. هذا التحصين البنيوي لا يقوم على وحدة أصلية أو قومية، بل على قدرة الإدارة المركزية على فرض النظام والاستقرار. لذلك، حين تخوض أميركا مغامرتها العالمية اليوم، فإنها لا تتحرك تحت ضغط خوف من الانقسامات الداخلية، بل بثقة في أن بنيتها الأصلية تمنحها قدرة فريدة على الصمود في عالم هش وغير مستقر.
لطالما كانت أميركا تسلك وتتصرف وفقًا لمعطيات نظامها الفيدرالي. لكنها لطالما كانت تراعي الأفكار الكبرى التي تفترض أن الدولة سيدة، وأن المواطن موكل بمراقبة سياسات دولته على الأصعدة المختلفة، من الاقتصاد إلى الدفاع فالسياسات الخارجية. وكان المواطن الأميركي قادرًا على العيش في وهم أنه مصدر السلطات، وأنه يقرر بالاقتراع سياسات دولته. اليوم يبدو هذا الوهم مكشوفًا إلى درجة مريعة. وربما تكون المرة الأولى التي يدرك فيها هذا المواطن أن مفاتيح مستقبله، ومستقبل العالم كله، محصورة بأيدي موظفين فيدراليين، ومؤسسات تقوم بأنشطة عابرة للحدود. وأن دوره يقتصر على الاهتمام بالشؤون المحلية، في حين تقوم هذه المؤسسات بالتقرير، من دون رقيب أو محاسب، في السياسات الكبرى التي من شأنها تقرير مستقبله وحاضره.