وقع الاختيار على مجتبى لأسباب عدة، فقد نشأ على تربية سياسية من قبل والده وكان يقال إنه رجل الظل الذي يُعد مستشاراً لأبيه لكن من دون منصب رسمي، وهو يتمتع بعلاقات قوية مع الدوائر الأمنية والسياسية والعسكرية والدينية للنظام، مما يعني أنه جزء من شبكات النفوذ المشكّلة منذ عقود ولديها مصلحة في استمرار مصالحها داخل النظام، واختياره بسبب ظروف الحرب قلّل من فكرة التنافس بين الفصائل والتيارات السياسية حتى وإن كانت تؤمن بولاية الفقيه، ومن ثم يمكن القول إن الحرب الأميركية – الإسرائيلية سهلت عملية التوريث التي لا تتماشى مع نظام ثوري تأسس على ولاية الفقيه وضد الملكية.
ألقى المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي أول رسالة له موجهة للداخل الإيراني والمنطقة والولايات المتحدة، وعلى رغم أنها أول رسالة منذ تسميته المرشد الأعلى الثالث للبلاد، فإنها أوضحت معالم رئيسة للسياسة الإيرانية، لا من خلال الحرب الحالية ضد إسرائيل والولايات المتحدة بل وملامح تلك السياسة مستقبلاً، وهو ما يوضح كيف تستغل إيران الحرب لفرض رؤيتها الخاصة على المنطقة.
وتضمنت كلمة المرشد الإيراني الجديد رسائل لكل من الشعب الإيراني في الداخل ولدول المنطقة و”محور المقاومة” والولايات المتحدة، فأكد أنه علم بنتيجة تصويت “مجلس خبراء القيادة” في “الوقت نفسه الذي علمتم به أنتم من خلال شاشة هيئة الإذاعة والتلفزيون”، وبالطبع كان اختياره متوقعاً لأن النظام الإيراني كان يريد التأكيد أنه متماسك وصامد وقادر على إكمال عملية اختيار المرشد الثالث لإيران في زمن الحرب.
ووقع الاختيار على مجتبى لأسباب عدة، فهو نشأ على تربية سياسية من قبل والده وكان يقال إنه رجل الظل الذي يُعد مستشاراً لأبيه من دون منصب رسمي، ويتمتع بعلاقات قوية مع الدوائر الأمنية والسياسية والعسكرية والدينية للنظام مما يعني أنه جزء من شبكات النفوذ المشكّلة منذ عقود ولديها مصلحة في استمرار مصالحها داخل النظام، واختياره بسبب ظروف الحرب قلّل فكرة التنافس بين الفصائل والتيارات السياسية الإيرانية حتى وإن كانت تؤمن بولاية الفقيه، لكن الضغوط الخارجية والتخوف من محاولات انفصال بعض الأقليات من الأكراد والبلوش دفعت إلى تواري التنافس بين الفصائل للتحكم في مشهد الخلافة الثالثة، ومن ثم يمكن القول إن الحرب الأميركية – الإسرائيلية سهلت عملية التوريث التي لا تتماشى مع نظام ثوري تأسس على ولاية الفقيه وضد الملكية.
من جهة أخرى حرص مجتبى خامنئي على توجيه الشكر لمن ينتمون إلى “محور المقاومة”، مشيداً بالحوثيين والعراقيين و”حزب الله”، وهو ما يعزز أهمية الجماعات المسلحة في المنطقة كجزء من الإستراتيجية الإيرانية التي رفضت التفاوض في شأنها مع مبعوث ترمب، فعلى مدى أربعة عقود استثمرت إيران في تأسيس جماعات داخل الدول العربية الهشة والتي تعاني أزمات داخلية، ونسجت علاقات مع جماعات موجودة بالفعل، لكنها نجحت في توظيف تلك الجماعات في زمن السلم عبر خلق علاقات تبعية جعلت من تلك الجماعات أقوى من حكوماتها الوطنية، أما في زمن الحرب فتفعّل إيران “وحدة الساحات” وإشعال الهجمات المختلفة التي تجعل دول المنطقة عرضة للانتقام الإسرائيلي، كما هو الحال في لبنان واليمن والعراق.
لكن أهم ما جاء في خطاب مجتبى أنه يوضح كيف يفكر صناع القرار الإيرانيون من العسكريين والسياسيين في الوقت الحالي ومستقبلاً، فخلال تناوله مسألة العلاقات مع دول الخليج أكد أن إيران “كانت ولا تزال حريصة على إقامة علاقات ودية وبناءة مع جميع هذه الدول، غير أن العدو عمد منذ أعوام إلى إنشاء قواعد عسكرية ومالية في بعض هذه البلدان بهدف ترسيخ هيمنته على المنطقة”، وبهذا المنطق فإن إيران تعترض على الوجود الأميركي في حين أنها أسست لذاتها الوجود العسكري والمالي داخل دول المنطقة عبر الوكلاء الإقليميين، ولا يمكن تجاهل أن إيران ضغطت كثيراً على بشار الأسد من أجل الدفع في مقابل دعمها له خلال الحرب الأهلية، وذلك من ترسيخ وجودها العسكري والضغط عليه لتوقيع اتفاقات تمنحها امتيازات اقتصادية.
والمسألة الأهم هي تأكيده أن بلاده استهدفت القواعد العسكرية الأميركية فقط، على رغم أن أول رد فعل إيراني تجاه الضربات الأميركية – الإسرائيلية كان إطلاق الهجمات على دول الخليج، مستهدفة حتى اللحظة أهدافاً مدنية واقتصادية، في رسالة واضحة بأن بلاده تريد رفع كلفة الحرب على الجميع للتأثير في أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي.
لقد خسرت إيران ما سعت إلى بنائه من علاقات ودية مع دول الخليج خلال الأعوام الأربعة الماضية، فتحسن علاقاتها مع الخليج أخرجها من عزلتها الإقليمية من جهة ودفع هذه الأخيرة إلى القيام بدور الوساطة مع الإدارة الأميركية من أجل تجنب الخيار العسكري من جهة أخرى، ولا يمكن تجاهل أن الدول العربية رفضت مشروع “الناتو العربي” الذي اقترحه دونالد ترمب خلال ولايته الأولى، لذا فإن الهجمات الإيرانية على دول الخليج خلقت شرخاً في العلاقة معها وعدم ثقة ستحتاج طهران إلى كثير من الجهد لإعادة تحسينها، لكن الأهم هنا ما اعتبره مجتبى نصيحة بإغلاق القواعد الأميركية في المنطقة لأن إيران ستواصل نهج مهاجمتها، وهنا خلقت سابقة وتريد أن تجعلها سمة لسياستها الإقليمية، وهي أنها بإطلاق هجمات على دول الخليج وعلى أهداف مدنية واقتصادية ونفطية، إضافة إلى أي وجود أميركي في الشرق الأوسط، فإنها تمارس دور شرطي الخليج ولكن بالصيغة القسرية الخشنة.
والمؤكد أن إيران باستمرار مهاجمة دول الخليج تستغل الحرب من أجل فرض رؤيتها لأمن الخليج، ومن ثم فإنها لا ترد على الضربات الأميركية والإسرائيلية وتهاجم دول الخليج فقط لوقف الحرب، بل وتريد فرض رؤيتها لأمن الخليج، فمن المنظور الإيراني أن مصدر التهديد الأساس في منطقة الخليج ينبع من الوجود الأميركي في المنطقة وعلى طول الحدود الإيرانية في أفغانستان والعراق وفي الشرق الأوسط، وإن لم يخل ذلك من استفادة إيران ذاتها من هذا الوجود الأميركي فلم يكن من اليسير تحرير الكويت وإخراج العراق منه، أو إسقاط نظام صدام حسين في العراق من غير الوجود الأميركي.
وعلى رغم ذلك ترى إيران الوجود الأميركي في المنطقة مصدر تهديد وتعتبر أنه لا بد من أن يكون لها دور أساس في هذا الأمن، ولا ينطبق ذلك على الوجود الأميركي في المنطقة، فإيران لا تريد أية مبادرات للأمن الجماعي تستبعدها مثل معارضتها “إعلان دمشق” عام 1994 الذي يُعد أوضح النماذج على موقفها الرافض وجود القوات الأجنبية، وليس فقط المتعلق بالقوات العسكرية الأميركية والغربية، بل يشمل أية قوات غير الدول الواقعة على الخليج حتى الدول العربية ذاتها، ففي أعقاب حرب الخليج عام 1991 اقترحت مصر وسوريا “إعلان دمشق” للتعاون والتنسيق بين الدول العربية في المجالين السياسي والأمني لمواجهة التحديات والتهديدات التي نتجت تلك الفترة من حرب الخليج الثانية، وللعمل على تعزيز التعاون الاقتصادي، ومن ثم فإن رفض طهران وجود قوات أجنبية عربية أو غربية يعكس طموحاً للانفراد بممارسة دور السيطرة.
وترفض إيران أية مبادرات للأمن الجماعي لا تشملها، والسؤال هنا كيف يمكن أن تكون إيران جزءاً من الأمن الإقليمي والجماعي مع جيرانها، وعند تعرضها لأي تهديد أميركي أو إسرائيلي تكون هي مصدر التهديد الأول لجيرانها، وتستغل موقعها الجيوسياسي لتكون تهديداً للاقتصاد العالمي، ولذلك فإن العقلية الإيرانية تواجه إشكالاً حقيقياً.
كذلك تضمن خطاب خامنئي الابن تأكيد الاستمرار في استخدام ورقة إغلاق مضيق هرمز، وأنه جرت دراسات في شأن فتح جبهات أخرى تفتقر واشنطن فيها إلى الخبرة الكافية وستكون فيها شديد الهشاشة، وسيجري تفعيلها في حال استمرار الوضع الحربي وبما يراعي المصلحة، والمقصود هنا مضيق هرمز وباب المندب، وحتى الآن كان توقف الملاحة الانتقائي في مضيق هرمز سبباً في رفع أسعار النفط عالمياً والتأثير في الاقتصاد العالمي، وتهدد إيران بأن لديها أوراقاً لم تستخدمها بعد، ومن بينها باب المندب وتحريك الحوثيين، فيحاول مجتبى أن يصور مدى التأثيرات التي سيعانيها العالم والوصول إلى أزمة عالمية، وهنا تستعرض إيران ما تعتبره أوراق قوة في يديها تستخدمها بالتدريج، ومن ثم فإن الرد الإيراني منذ بدء الحرب لم يكُن عشوائياً بل كان حملة متعددة المسارات تهدف إلى ضرب البنية العسكرية في المنطقة وإشراك دول الخليج في دفع كلفة الحرب، وفي الوقت نفسه ممارسة ضغط نفسي وسياسي على المجتمع الإسرائيلي.
ومضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20 في المئة من النفط العالمي وإغلاقه أو تهديد الملاحة فيه يؤديان إلى رفع أسعار النفط عالمياً بصورة كبيرة وتضرر اقتصادات أوروبا وآسيا، وكذلك فإن باب المندب تمر عبره السفن المتجهة إلى قناة السويس وتؤدي أية اضطرابات فيه إلى التأثير مباشرة في التجارة بين آسيا وأوروبا، ويؤدي تعطله إلى اضطرار السفن للالتفاف حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما يزيد زمن الشحن على نحو كبير.
إجمالاً إيران لا تريد وقف إطلاق النار الآن وإنما تريد أن تستعرض استخدام أوراقها تدريجاً وقدرتها على شل الملاحة والشحن البحري بما يلحق أزمة بالاقتصاد العالمي، وحينها يكون توقف الحرب بناء على تشكيل معادلة إستراتيجية جديدة تمكن إيران من الدخول في مرحلة المفاوضات بواقع مختلف عن تدمير قدراتها الإستراتيجية، لذا فإن إيران تتدرج في التصعيد وتستهدف إطالة أمد الحرب بغية استنزاف الوجود الأميركي في المنطقة لتكبده أعلى خسائر، مما يدفع الداخل الأميركي إلى الضغط من أجل إنهاء أي وجود أميركي في الشرق الأوسط، وهو هدف محوري في رؤية إيران لأمن الخليج منذ تأسيس الثورة الإيرانية، وفي سبيل ذلك تنقل الحرب من صراع عسكري إقليمي إلى أزمة اقتصادية عالمية عبر مراحل للحرب من الصواريخ الباليستية إلى الممرات البحرية، ولا تحتاج إلى إغلاق المضيق بالكامل، فيكفي فقط أن تهاجم إحدى ناقلات النفط وستتوقف شركات الشحن والملاحة والتأمين عن تسيير ناقلات النفط، وهنا تريد إيران أن تقوم بدور المسيطر على الممرات البحرية للاضطلاع بدور الهيمنة القسرية الخشنة.
