-
نوارة محفوض، ليلى العمر، ديما شلار… الجمهورية .نت
-
-
-
أُنتِجَ هذا التحقيق ضمن الدورة الثالثة من «برنامج مِنَح الجمهورية للصحفيّات السوريات»، الذي يَدعمُ إنتاج مشاريع صحفية مُعمَّقة تتعلّقُ بشؤون السوريين والسوريات ومعاشهم داخل البلد وخارجه، وكان المُحرِّر المشرف على إنتاجه هو الزميل سلطان جلبي.
*****
بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول (ديسمبر) في العام 2024، بدأ كثير من أهالي مدينة حمص الذين التحقوا بصفوف المعارضة السورية خلال سنوات الثورة، وهجِّروا نحو الشمال وفق اتفاقيات التهجير التي فرضها النظام السابق، بالعودة إلى مدينتهم. وقد وجدوا مدينة يسودها الخراب، إذ تعرضت أحياء شتى لدمار واسع بفعل الحرب وقصف النظام السابق للمعارضة التي تمترست في هذه الأحياء لسنوات. وتُقدِّرُ محافظة حمص اليوم أن عدد المنازل المدمرة نحو 35 ألف منزل. وقد واجه كثير من المهجرين العائدين مع عائلاتهم واقعاً معقداً، يصعب فيه إيجاد سكن لائق، في ظلّ الارتفاع الكبير في أسعار الإيجارات في الأحياء غير المدمرة، السنية منها والمختلطة والعلوية. ساهم هذا الوضع، إلى جانب حالة الاستقطاب الطائفي وتغيّر موازين القوى في المدينة، في بروز ظاهرة من التعديات على المساكن، كان معظم ضحاياها من الأحياء التي كانت تُعَدّ موالية للنظام السوري السابق. ويصفُ الذين أجرينا معهم مقابلات من سكان هذه الأحياء تغييراً في التركيبة السكانية والثقافة السائدة، إذ بدأ مشهد سكان هذه الأحياء يتنوع سواء من جهة اللباس أو اللهجات إلى حد كبير.
في محاولة لفهم هذه الظاهرة، قمنا بإجراء مقابلات مع أكثر من ثلاثين مالكاً جرى الاستيلاء على عقاراتهم أو التعدي عليها بأشكال مختلفة. وقد وُثِّقت هذه التعديات بالاعتماد على مقابلات معيارية تتضمن إبراز إثبات ملكية العقار، وشهادتهم حول ظروف الاستيلاء، والجهة التي قامت به، بالإضافة إلى ردِّ فعل السلطات في حال تقديم شكوى. كما أجرينا مقابلات مع عدد من النشطاء السياسيين في المدينة، ومع محامٍ منتسب إلى نقابة المحامين في حمص، ووجّهنا أسئلة إلى المكتب الإعلامي في محافظة حمص. وبالإضافة إلى ذلك، رصدنا عشرات حالات الاستيلاء الأخرى التي لم يرغب مالكوها في الإدلاء بشهاداتهم بشكل مباشر، خوفاً من أية تبعات مُحتملة.
يكشف التحقيق عن وجود ثلاثة أنواع من الاستيلاء على العقارات: مصادرات عقابية نُفِّذت من قبل السلطة لكن دون إطار قانوني واضح، وغالباً ما جرت بقرارات من لجنة أمنية تَتبَعُ لهيئة تحرير الشام وشملت ممتلكات ضباط ومتنفّذين كبار في النظام السابق. النوع الثاني هو استيلاءات فردية من قبل أفراد منتسبين إلى الأمن أو الجيش الجديد، بوصفها نوعاً من إساءة استخدام السلطة. والنوع الثالث هو استيلاءات جرت من قبل «مدنيين» مسلحين، ليسوا منضوين في قوات السلطة.
مشهدان لحمص: من الثورة حتى سقوط النظام
قبل اندلاع الثورة السورية عام 2011، انقسمت حمص إلى أحياء ذات غالبية إمّا سنية أو مسيحية أو علوية، في حين اتسمت بعض الأحياء الأحدث عمرانياً بدرجة أعلى من الاختلاط والتنوع. بدأت الاحتجاجات في المدينة طلباً للتغيير السياسي، وانضم إليها كثيرٌ من السوريين من مختلف الطوائف والإثنيات. في نيسان (أبريل) من العام نفسه حاول المتظاهرون الاعتصام في ساحة رئيسية على غرار ميدان التحرير في القاهرة، إلا أن التجمع قُمِع بوحشية وخلّف ما عرف لاحقاً بـ«مجزرة ساحة الساعة» الشهيرة. بعد ذلك بدأت المظاهرات تتركز في الأحياء السنية من المدينة، وانضم كثير من سكانها إلى الاحتجاجات، مثل البياضة وبابا عمرو والخالدية وغيرها. ومع انتقال الثورة إلى العمل المسلح، سيطرت فصائل المعارضة المسلحة التي تشكلت من أبناء هذه الأحياء على تلك المناطق واشتعلت المعارك فيها. لاحقاً فرضت قوات النظام السابق حصاراً طويل الأمد، ترافق مع قصف عشوائي واسع، ما ألحق ضرراً في البنية التحتية ودمر أعداداً كبيرة من الأبنية السكنية، وأدى إلى تهجير جزء كبير من السكان. وفي نهاية المطاف، استعاد النظام السابق السيطرة على كامل المدينة عام 2017.
بقي الحال كذلك حتى كانون الأول (ديسمبر) 2024، عشية سقوط النظام، عندها دخل المقاتلون القادمون من الشمال السوري إلى المدينة على وقع أصوات الرصاص التي لم تتوقف، وفيما تعالت التكبيرات وزغاريد النساء في الأحياء التي شاركت في الثورة، بدا المشهد مختلفاً في أحياء أخرى كانت تُعَدّ موالية للنظام السابق، إذ وضع كثيرون بعض متعلقاتهم الشخصية وأطفالهم وأسرهم في سياراتهم وحاولوا مغادرة المدينة باتجاه قراهم أو أماكن اعتقدوا أنها أكثر أمناً. وبينما كانت قافلة من السيارات تُقِلُّ مقاتلين تدخل المدينة من أحد أطرافها، كانت قوافل سيارات أخرى تغادرها على عجل من جهات أخرى للمدينة. ولكن كثيرين آثروا البقاء في بيوتهم، فأوصدوا أبوابهم وانتظروا القادم المجهول. كانت المدينة التي شهدت حرباً طاحنة لسنوات تشهد تغيّراً سريعاً في القوى المُسيطرة، وتعيش مخاطر وقوع انتهاكات كان لقطاع الإسكان نصيبٌ منها.
المُصادرات العقابية
بعد سقوط النظام تَولَّت قوات هيئة تحرير الشام بادئ الأمر حكم المدينة، وكلّفت لجنة أمنية تابعة لها، قادمة من إدلب، بمهمة مصادرة بيوت وممتلكات مسؤولي وضباط النظام السابق. وقد نُفِّذت هذه المصادرات بقرار من اللجنة، ولكن من دون إطار عمل قانوني واضح وإجراءات موحدة، بحسب ما صرّح أحد المحامين العاملين في القصر العدلي بحمص للجمهورية.نت. لاحقاً بدأ كثير من أعضاء الهيئة والفصائل المُتحالفة معها الانتقال إلى هذه المنازل وشغلها مع عائلاتهم، وتندرجُ هذه الاستيلاءات ضمن ما يُمكن تصنيفه بالمُصادرات العقابية. في بعض الحالات، جرت المصادرات بقرار فردي من مسؤول القطاع الأمني، تبعاً لتقييمه الشخصي، ومن دون إطار قانوني واضح.
خلال إحدى حملات التفتيش المبكرة التي نفذتها السلطات الجديدة في حي ضاحية الوليد في كانون الثاني (يناير) 2025، جرى الاستيلاء على منزل محامٍ يحمل رتبة مستشار، كان معروفاً بنفوذه وعلاقاته مع النظام السابق. كانت السلطات الجديدة قد نظّمت حملات دهم وتفتيش في كثير من الأحياء ذات الغالبية العلوية بعد سقوط النظام بحثاً عن الأسلحة أو المقاتلين السابقين في صفوف النظام. وبحسب شهادة صاحب مكتب عقاري في الحي نفسه، جرت خلال حملة التفتيش مصادرة عدد كبير من بيوت الضباط ومقاتلي النظام السابق وحتى بعض المسؤولين المدنيين والموالين المتنفذين، كحالة المستشار. وبحسب إفادات الجيران، انتقل أحد عناصر الفصائل إلى المنزل مع عائلته بعد عملية التفتيش، مع الإبقاء على كامل محتوياته من أثاث وممتلكات شخصية عائدة للمستشار وعائلته. ورغم محاولات الرجل التواصل مع المستولي، إلا أن الأخير رفضَ مغادرة العقار، ما أدى إلى نشوء حالة ابتزاز وافق بنتيجتها المالك على بقاء المُستولي خوفاً. وأشار الجيران إلى أن تَردُّدَ مسلحين على المنزل خلق َمناخاً من الخوف في الحي، ولكن المستولي (أبو غ) لم يهدد أحداً أو يتعرّض لأي من سكان الحي الآخرين بسوء.
واتساقاً مع السياسة التي انتهجتها السلطة السورية الجديدة بإخلاء مساكن الضباط العائدة ملكيتها لوزارة الدفاع، والتي كان النظام السابق يستخدمها لإسكان ضباط جيشه، تحدثت الجمهورية.نت إلى سيدة برتبة ضابط مهندس كانت مُدرِّسةً في الكلية الحربية وتُقيم في مساكن الضباط في حي الوعر. بعد نحو شهر من سقوط النظام، جاء رجال مسلحون إلى البناء وعرّفوا عن أنفسهم بأنهم من الأمن العام. طلبوا منها إخلاء الشقة فوراً، ورفضوا منحها مهلة لإخراج ممتلكاتها، وأُجبرت بعد نقاش طويل على المغادرة مصطحبة حقيبة ملابس شخصية وأوراق العائلة الثبوتية فقط، كما رفضوا حتى السماح لها باصطحاب الكتب والدفاتر المدرسية العائدة لأولادها. لم تقاوم وتكلمت معهم بتهذيب شديد خوفاً، كما تقول، وقد علمت لاحقاً أنه جرى إسكان عائلة من أفراد الأمن العام في الشقة، وحين ذهبت إليهم تطلب فرشها الذي اشترته بمالها الخاص رفضوا إعادته، وخشيت مواجهتهم أو تقديم شكوى.
يرى الحقوقي بسام الأحمد، المدير التنفيذي لمنظمة «سوريون من أجل الحقيقة والعدالة» أن هذه المُصادَرات تُعَدُّ استيلاءات غير قانونية لأنها جرت بقرارات أمنية خارج الإطار القانوني: «الجهة المُخوَّلة أن تبت بهذه القضايا يجب أن تكون محكمة مُشكّلة قانونياً، ويجب أن يكون للمتضررين حق الدفاع والعلنية وتقديم الوثائق، وتُقرر المحكمة بعدها هل هذا الأمر قانوني أم لا».
وثَّقنا أيضاً حالات عدة لم نتمكن، بسبب نقص الشفافية، من حسم تصنيفها أو تمييز ما إذا كان العقار قد صُودِر بقرار أمني، أم جرى الاستيلاء عليه من قبل أحد الأفراد العاملين في الأمن أو الفصائل كنوع من إساءة استخدام سلطة. تحدثت الجمهورية.نت إلى أحد سكان حي النزهة، الذي قال إن أحد جيرانه (أ.ج) كان عضواً فاعلاً في قوات الدفاع الوطني التي قاتلت مع النظام السوري السابق، والتي تُتَّهم بارتكاب انتهاكات جسيمة وتعفيش للمنازل. وقد هرب (أ. ج) ليلة سقوط النظام السابق، ولم يعرف الجيران وجهته. بعد أيام من سيطرة قوات المعارضة على المدينة، انتقلَ أحد أفراد هيئة تحرير الشام إلى المنزل مع أسرته. يتحدَّرُ الرجل من إدلب، ولا يزال يُقيم في العقار حتى لحظة إعداد هذا التقرير. وبحسب شهادة الجار، استولى الشخص ذاته على كل ممتلكات (أ.ج) ومن ضمنها مكتب في الحي ذاته ومعرض لبيع الملابس، كما وزَّعَ بقيةَ العقارات على إخوته.
ويُشار إلى أن الاعتداءات اقتصرت على العقارات المُسجَّلة رسمياً باسم (أ.ج)، إذ كان يسكن في شقة ضمن بناء من أربعة طوابق يضم شقتين في كل طابق منه، وكان بعض إخوته يقيمون في شقق في البناء نفسه، ولكن أملاكهم لم تُمَسّ، غير أن الخوف سكن قلوبهم فاختاروا بيع شققهم ومغادرة البناء بعد مصادرة شقة أخيهم.
الاستيلاءات الفردية الناتجة عن إساءة استخدام السلطة
هذا النوع من الاعتداءات على المُلكية يبدو الأكثر انتشاراً في حمص، إذ يقوم أفراد عاملون في الأمن أو الجيش الجديد بالاستيلاء على العقارات. وغالباً ما يُنفِّذ عمليات الاستيلاء هذه أفرادٌ عائدون من الشمال السوري، سواء كانوا من أبناء المحافظة أم من مناطق أخرى. تستهدف هذه الاستيلاءات بيوتاً في أحياء كانت تُعَدُّ موالية للنظام السابق، وفي بعض الحالات كان الضحايا مسيحيون أو إسماعيليون، ولكن الغالبية كانوا ينحدرون من الطائفة العلوية. وفي معظم الحالات، يستخدم المستولي العقار سكناً له أو لأحد أقاربه، مع الاستيلاء على كامل محتوياته.
قدَّمَ الضحايا شكاوى إلى السلطات في بعض الحالات، وتنوعت النتائج: ففي حالات معينة أُعيدَ العقار إلى أصحابه، بينما في حالات أخرى هَدَّدَ المُستولي أصحاب العقار حتى بعد تقديم شكوى ما دفعهم إلى التراجع عنها خوفاً. كما رصد فريقنا، أثناء العمل على هذا التحقيق ثلاث حالات قتل وقعت بعد فترة قصيرة من الاستيلاء على منازل الضحايا في مدينة حمص وتَقدُّمهم بشكاوى.
من الحالات التي رصدناها كانت حالة (ع.م) الذي ورث مع إخوته بناءً من طابقين في حي الوعر بحمص من والدهم المتوفى أثناء الحرب، وهو مدني شأنه شأن بقية أفراد أسرته، وكان موظفاً في القطاع العام. تعرّضَ العقار للضرر خلال القتال بين فصائل المعارضة وقوات النظام السابق، وبقي خالياً لفترة طويلة وبحاجة إلى إصلاحات. وبعد عودة المُهجَّرين قسراً من الشمال السوري، تَواصَلَ أحد الجيران مع (ع.م) ليُبلغه أن أحد العائدين من أبناء العشائر السنية، والمنتمي إلى إحدى الفصائل، استولى على العقار وقام بترميمه، وانتقل إليه مع أسرته.
تواصل (ع.م) مع المُستولي، الذي رفضَ دفع إيجار أو شراء العقار. وبعد ذلك تواصل (ع.م) مع جهات عدة طلباً للوساطة، فتدخل الأمن العام ووضع لصاقة على باب العقار تُفيد بحجزه لصالح الأمن العام، وأعاد له المسؤول الأمني مفتاح العقار. غير أن الجيران اتصلوا به بعد ساعات ليخبروه أن الشخص نفسه عاد واستولى على العقار مجدداً. يقول (ع.م): «عدت للتواصل مع مسؤول الأمن العام فأخبرني أنه لا يمكن له مساعدتي لأنه لو ذهب وأخرج الأشخاص، فإنهم سيعودون» وقال متسائلاً: «بعمل مفرزة بالبيت يعني؟». نصحَ مسؤولُ الأمن العام (ع.م) بتأجير البيت أو بيعه، ذهب (ع.م) إلى العقار في محاولة للتفاوض مع المُستولي، فجاء الأخير برفقة أربعة رجال مسلحين يرتدون زياً عسكرياً مموهاً. فهمَ (ع.م) حضورهم كتهديد، وتوقف عن المطالبة بحقه، قائلاً: «في عالم صار معها هيك، اشتكوا، بعدين أخذوهم على جهات ولقوهم مقتولين، روح اشتكي من جديد وبعدين يجوا ينتقموا مني؟! ما عاد بدي!». ما زال (ع.م) يُحاول بيع العقار حتى ولو بسعر مُخفَّض بدلاً من فقده بشكل كامل، ولكن دون جدوى حتى اللحظة.
في مثال آخر، يملك السيد (ب.ع)، وهو مهندس كان يعمل في أحد المؤسسات الحكومية، شقة في حي الأوراس في حمص، الحي المختلط طائفياً والحديث نسبياً في أطراف مدينة حمص. لم يكن (ب.ع) موجوداً عندما تَعرَّضَ بيته لعملية تفتيش، فقد طالبَ المسؤولُ الأمني أُسرَتَهُ بمفاتيح العقار، وبالإخلاء: «جاؤوا ملثمين، بدأوا بضرب الأثاث بسلاحهم، قلبوا الفرشات ونكشوا محتوى الخزائن».
ترك المسؤول الأمني تعليمات لـ(ب.ع) بأن يراجعهم، وعندما توجه (ب.ع) إلى مفرزة الأمن في بداية الحي، بدأوا بالتحقيق معه وسؤاله عن ضابط الأمن في مركز عمله سابقاً أثناء حكم النظام السابق، وكان الضابط المذكور قد اعتقل أثناء تفتيش قريته وعثر على جثته لاحقاً في مشفى حمص، كما فتشوا هاتف (ب.ع) الشخصي ورسائله وقوائم الاتصال، وهُدِّد َبالسلاح من قبل المسؤول الأمني. يقول (ب.ع): «خرطش المسدس وحطه براسي أكتر من مرة وهو عم يصرخ». في هذه الأثناء كانت زوجته وأختها، اللتان بقيتا في المنزل، يتملّكُهُما الرعب حتى أُصيبت الزوجة بالإغماء. وعندما عاد الرجل من التحقيق كانت زوجته تصرخ في حالة شبه هستيرية: «اترك لهم المفتاح، عمرينه البيت، ما بدي البيت…». وفعلاً، غادروا المنزل بما عليهم من ثياب. لاحقاً اشتكى (ب.ع) لمسؤولٍ في الإدارة السياسية في حمص، الذي تواصلَ بدوره مع المسؤول الأمني في القطاع واقترحَ تنظيم عقد إيجار بين مالك العقار والمسؤول الأمني كنوع من الحل والتراضي. شعر (ب.ع) بالخوف، فلم يعترض، واليوم يتقاضى أقل من ثلث قيمة إيجار العقار في السوق. وكان (ب.ع) قد فُصِلَ من عمله بعد سقوط النظام السابق، وهو أب لولدين، ويقول إن الظروف المعيشية باتت صعبة للغاية، وإنه لولا الاعتماد على موسم الأرض التي يملكونها في قريتهم «كانوا ماتوا من الجوع».
ذكر (ب.ع) في شهادته أن كثيراً من البيوت التي تعود ملكيتها لعلويين في الحي جرى الاستيلاء عليها، وشملت كل البيوت الفارغة، وبعض العقارات المسكونة مثل عقاره، في حين تُركت بيوت السنة لم تُمَسّ.
وثقنا بالمقابل عدة حالات جرى التعامل معها بإيجابية من قبل السلطات وأُعيدت العقارات بعد تقديم الشكاوى. في إحدى هذه الحالات، كانت شقة والد الطبيب (ع.م) في حي مساكن الادخار فارغة في لحظة سقوط النظام السابق، وبعد فترة أبلغ الجيران الوالد أن شخصين قد استوليا على الشقة وكتبا على بابها «تحت سيطرة هيئة تحرير الشام». اشتكى أصحاب العقار إلى قسم المحطة، وقدموا إثباتات المُلكية، فقام قسم الأمن العام بإعادة العقار، وطلب من العنصرين الذين استوليا على المنزل المغادرة. بعد ذلك غيّرَ الوالد الأقفال، واختار تأجيرَ المنزل لعائلة من المُهجَّرين العائدين لتجنب تكرار حادثة الاستيلاء.
استيلاءات نَفّذها أفرادٌ «مدنيون» مُسلَّحون
النوع الثالث من الاستيلاءات التي وثقناها نفّذه «مدنيون» يحملون السلاح، والمقصود بكلمة «مدنيين» هنا أنهم لا يتبعون أيّاً من المؤسسات الرسمية الأمنية أو العسكرية. فمثلاً شهد (ب.ع) من حي الأوراس، الذي ذُكر في المثال السابق، أنه وجيرانه سمعوا مشادات أثناء حملات التفتيش، إذ كان بعض الجيران السنّة من العائدين الذين استولوا على بعض بيوت الحي الفارغة، يتجادلون فيما بينهم وهم يتكلمون مع مسؤول أمني في القطاع حولَ من هو الأحق بأخذ أحد المنازل المستولى عليها:
(-أنا بدي قَعِّد بيت حماي!
– لا أنا بدي قَعِّد بيت أختي!
– إي طيب أنا واسطتي بالهيئة أكبر!)
في مثال آخر، من حي عكرمة القديمة، جرى الاستيلاء من قبل «مدنيين» مسلحين على منزل يعود لمهندس كان قد سافرَ لعدة أيام خارج المحافظة، وقد اشتكى لاحقاً للأمن العام الذي رافقه لتفقُّد العقار، إلا أن الزيارة لم تُسفِر عن حسم للنزاع. وبعد الزيارة تواصلَ المستولون مع المالك وهددوه بأمنه الشخصي، قائلين إنهم لن يطيعوا الأمن العام حتى وإن أمرهم بالإخلاء. بعد أيام بدأت صدامات ومجازر الساحل السوري، فخاف الرجل وانكفأ ولم يَعُد للمطالبة ببيته بعد ذلك.
ترافقت الأنواع الثلاثة من الاستيلاءات بمجموعة متنوعة من الانتهاكات الأخرى من ضمنها التهديد والضرب والسرقة والابتزاز المالي. في ضاحية الوليد تم الاستيلاء على منزل أحد المدنيين الموالين للنظام السابق بعد أن دلَّ على المنزل تاجرٌ محلي رافقَ حملة التفتيش. لاحقاً، انتقلَ أحدُ العاملين في الأمن إلى الشقة منفرداً من دون أسرته. بعد فترة لاحظ الجيران أن سيارة سوزوكي (سيارة شحن صغيرة) تأتي يومياً وتنقل محتويات المنزل. وبعد أن فرغَ المنزل، قام المُستولي نفسه بفك مضخات المياه في البناء وأخذها، ثم اختفى بعدها ولم يعد يأتي إلى المنزل.
تاريخ من الانتهاكات قاد إلى انتهاكات جديدة: حالة حي الورود
يروي المحامي موسى الشناني، عضو نقابة المحامين في حمص: «رجعت كتير عالم، بعد سقوط النظام السابق، ولاقت شخص غريب ساكن ببيتها بعد ما نقل الملكية لإسمه سواء بموجب قرار قضائي أو عملية تزوير أو عبر قانون الإرهاب اللي أجاز للمحكمة مصادرة الأملاك».
عندما وصلت قوات ردع العدوان إلى حمص، كانت المدينة تحمل إرثاً من الانتهاكات العقارية التي خلّفها النظام السابق. ومن بينها قصة سكان ثلاثة أبنية في حي الورود كانت قد بنيت خلال سنوات الثورة السورية من قبل عضو مجلس الشعب السابق ( و.م). وبحسب الناشط السياسي وسجين الرأي السابق محمد الصالح، فإن عضو مجلس الشعب السابق استولى على بعض الأراضي والعقارات المُصادَرة، واشترى أخرى بأسعار منخفضة مُستغِّلاً منصبه. معظم هذه الأراضي جرى الاستيلاء عليها عبر القضاء والمؤسسات الحكومية، بقرارات استَهدفت أملاك معارضين للنظام. ولما طُرِحت هذه الشقق للبيع في سوق العقارات، كانت أوراقها قانونية، فاشترتها أُسَر عدة، شغلتها وعاشت فيها لسنوات، إلى أن دوى قرع عنيف على الباب، وأمر أفراد مسلحون سكّان هذه البنايات بالإخلاء فوراً، ولم يسمحوا لهم بأخذ سوى أوراقهم الشخصية وبعض متعلقاتهم. وقد ادعى المسلحون أنهم المالكون السابقون للأرض، بحسب الصالح الذي توجه إليه ساكنو تلك الأبنية طلباً للمساعدة، فأشار عليهم بتقديم شكوى لقسم باب السباع، ولكن بحسب شهادته: «لم يتلقوا معاملة جيدة أبداً، وإنما شعروا بالتهديد، وكانت ردة فعل المسؤول في القسم وقتها الصراخ في وجه أحدهم قائلاً ‘نصيري وجاي تشتكي’!».
يقول الصالح إنه بعد نقاشات عدة بين أعيان هذه المنطقة وممثلين عن السلطة، تم التوصل إلى اتفاق مبني على اقتراح قدّمه مدير الشرطة، يقضي بأن يُعوِّضَ المالكون الجدد مالكي الأرض السابقين بمبالغ مالية يتفق الطرفان عليها بالتراضي. وينقل الصالح عن مدير الشرطة قوله حينها: «مو الحل تطالع الناس من بيوتها، خاصة إنه مو ذنبهم، وفي الوقت نفسه يجب تعويض أصحاب الأراضي التي يثبت أنه تمت مصادرتها من قِبَل النظام السابق». ويرى الصالح بأن هذا الترتيب يُمثل حلاً وسطياً معقولاً بين الأطراف المتنازعة، لأنه: «يحاول تصحيح انتهاك سابق»، ويُضيف: «لكن بسبب انفلات السلاح وغياب المحاسبة، فإن هذا الاتفاق فتح باباً للابتزاز في حالات عدة أخرى».
ذكر الصالح عدة أمثلة، من بينها حالة لأسرة اشترت عقاراً ضمن بناء سكني عام 2009، وأيضاً جاء أفراد ينتمون لعشيرة محلية وطالبوا جميع سكان البناء بدفع مبالغ مالية. تواصلت الجمهورية.نت مع صاحب العقار، وهو يملك أوراق طابو أخضر تُثبت شراء شقته السكنية في العام 2009 بعد أن كان مُطوِّرٌ عقاريٌ قد أنهى إنشاء البناء في العام 2007. وقال المصدر: «ادعى بعض سكان الحي من البدو أنهم باعوها بسعر رخيص، وقصص (خلافات بين) ورثة، برغم أنه والدهم باعها بشكل نظامي لمتعهد بنى عليها بناء فيه محلات وست شقق. ثم طالبوا كل مالك بدفع 500 دولار، وأن يتم الدفع عن طريق ما يُسمى بلجنة المصالحة».
وبحسب شهادات أشخاص من سكان الحي، فإن ما يُسمى «لجنة المصالحة» تتألفُ من عدة أفراد محليين يقطنون في الحي، بعضهم من السُّنة العائدين إلى الحي بعد التهجير، وفيها اثنان من سكان الحي العلويين. لا صفة رسمية للجنة ولا تتبع لأي مؤسسة رسمية، غير أن أحد أعضائها السُّنة يمت بصلة قرابة لرئيس المفرزة المحلية و«يستفيد من حمايته ودعمه». وبحسب المصدر، فإن أحد العضوين العلويين في اللجنة هو من أبلغ سكان البناء بطلب الدفع، وبحسب شهادته للسكان قال لهم إنه جادل (م. م) – الذي طالب بالأموال – بأن «الأرض نظامية»، ولكن الأخير أصرّ على الطلب، وعندما سُئِلَ عمّا إذا كانت الأموال «خوّةً من السكان العلويين» أجاب: «فهموها متل ما بدكم!». وفي نهاية المطاف، استسلم سكان البناء ودفعوا مبلغاً وقدره 4500 دولار مجتمعين.
بعد مرور أيام قليلة، تعرّضَ سكان مبنى آخر في الحي لمحاولة ابتزاز مماثلة. أخبرنا أحد السكان الذين تحدثنا إليهم، وكان قد اشترى شقته في عام 2015، أن شخصاً يُدعى (م. د) طالبهم بمبلغ 3000 دولار عن كل عقار. غير أن المشهد اختلف هذه المرة، إذ كان أحد مالكي الشقق من حماة وهو متزوج من سيدة علوية، وشقيقهُ رئيسَ عشيرة. تواصلَ الأخير عبر شقيقه مع شخص في الأمن العام في دمشق وقدَّمَ شكوى. على إثر ذلك تَدخَّلَ مسؤول الأمن العام المحلي وحذّرَ طالبي الأموال بعدم قانونية طلبهم، وأبلغَ سكان الأبنية بعدم الدفع. لكن (م. د) عاد لتهديد السكان، مما دفع المالك إلى إعادة تقديم شكوى، أُوقِفَ على إثرها (م. د).
يقول المحامي موسى الشناني: «ليست كل الشكاوى التي تُقدَّم صحيحة»، وأشارَ إلى أنه: «في ناس مثلاً ندمانة إنها طلعت وباعت البيت بنص حقه ضمن ظروف النزوح والتهجير، في حالات اشتكوا إنه باع بيته مثلاً بخمسين مليون وقيمته الحالية 300 مليون، في حالات أخرى ادعوا أنهم هُدِّدِوا وثبت بطلان الادعاء».
أشار الشناني أيضاً إلى حدوث تغيير أساسي في آليات العمل القانوني في ملفات حقوق الملكية والحقوق العقارية بعد سقوط النظام السابق: «طلع اجتهاد للهيئة العامة لمحكمة النقض، وهي أعلى سلطة قضائية وتلتزم كل المحاكم في سوريا بقرارتها، قال إنه في حال كانت أي حلقة من حلقات سلسلة البيوع مَعيبة أو فيها عيب قانوني من إكراه أو تزوير، تبطل كل البيوع اللاحقة في السلسلة، حتى في حال إثبات حسن النية في البيوع اللاحقة»، بمعنى آخر في حال قررت اللجان الأمنية الفاحصة وجود إكراه على بيع الأرض في حالة أي عقار، فأن البيوع اللاحقة ستُعَد باطلة بحسب الاجتهاد الجديد، وقد يخسر المُلَّاك الجدد عقاراتهم.
تصاعد العنف والخوف المجتمعي يقطعان طريق المطالبات
شهدت حمص عشرات حالات الخطف والقتل من قبل ملثمين، يجوبون المدينة على دراجات نارية ويطلقون النار على ضحاياهم في الأحياء العلوية منذ الأيام الأولى لسقوط نظام الأسد. بعض تلك الحالات بحسب رأي أحد النشطاء السياسيين في المدينة هي حالات انتقامية محتملة، لكن بعضها الآخر عنف طائفي منفلت بسبب الحقد الذي خلَّفَهُ الاحترابُ الأهلي في المدينة أو بهدف الابتزاز المالي، وكان بعض ضحاياه من النساء والأطفال أو الرجال المدنيين أو الذين لم يثبت تورطهم بأي عمل داعم للنظام السابق. بحسب منظمة سين للسلم الأهلي بلغ عدد ضحايا عمليات القتل العشوائي في حمص في العام المنصرم 265، في أغلب هذه الحالات لم يُعلَن عن توقيف مرتكبي هذه الجرائم أو أسماء الفاعلين. حالات القتل التي حصلت تركت رعباً واسعاً في هذه المجتمعات. ورغم أن التحقيقات لم تُظهر وجود صلة مباشرة بين جرائم القتل وعمليات الاستيلاء على العقارات، إلّا أن وقوع هذه الجرائم بعد فترة زمنية قصيرة من الاستيلاءات عزّز قناعةً شعبية بوجود ارتباط بين الأمرين، ورَفَعَ منسوب الخوف بشكل كبير.
وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل المدرسة رهام نزار حمودة داخل منزلها في مدينة حمص نتيجة إلقاء أشخاص ملثمين يستقلون دراجة نارية قنبلة على منزلها. وبحسب مقابلات أجريناها مع عدد من سكان الحي، من بينهم جيران يُقيمون في شارعها المباشر، فإن زوج الضحية ضابط مهندس وقد اعتُقِل قبل عدة أشهر. كانت رهام قد سافرت مع أطفالها في إحدى عطل نهاية الأسبوع لزيارة أهلها في قريتها، وعند عودتها فوجئت بأن عائلة قد استولت على منزلها بما احتواه من أثاث. بحسب الشهادات التي جمعناها، تقدمت السيدة حمودة بشكوى إلى قسم الشرطة، وقد استجابت الشرطة وأُعيِدَ العقار إليها. ولكن بعد فترة قصيرة، وبينما كانت السيدة رهام في المنزل برفقة قريبتها، مرت دراجة نارية وألقى ركابها قنبلة على حائط شقتها. قُتلت السيدة رهام نتيجة شظايا الزجاج، وتَعرَّضت قريبتها لإصابات، بينما نجا الأطفال الذين كانوا نياما في غرفة داخلية في المنزل. ورغم أن التحقيقات لم تُظهر هوية الفاعل أو أية صلة مباشرة بين عملية الاستيلاء السابقة والشكوى وجريمة القتل، فإن الحادثة تركت رعباً واسعاً في المجتمع المحلي.
وفي شهادة أخرى، تحدثت الجمهورية نت إلى شاب قُتل والداه وأُحرقت جثتاهما بعد أيام من الاستيلاء على منازل أقاربه في البناء ذاته الذي تُقيم فيه العائلة. بحسب شهادته جاء أشخاص ادّعوا أنهم منتسبون للأمن العام إلى البناء الذي تعود ملكيته إلى والده وأعمامه. بقيت عائلة الشاب تسكن البناء، بينما كان أعمامه قد سافروا منذ فترة طويلة خارج البلاد. قام المُستولون بكسر الأقفال والانتقال إلى البناء مع عائلاتهم، قال الشاب إن والدته خافت وطلبت منه الانتقال إلى منزل أقاربهم مباشرة بعد حادثة الاستيلاء التي جرت في تموز (يوليو) من العام الماضي. بعد ثلاثة أيام فقد والديه، وتلقى في مساء اليوم ذاته اتصالاً من رقم والده. أبلغه المتصل أنه من منتسبي الأمن العام، وقد وجد هذه الشريحة ملقاة في شارع الحضارة في حمص، وطلب منه لقاءه في اليوم التالي لتسليمها. رفض الشاب الذهاب خوفاً من الخطف، وتوجه مع قريبه إلى أحد أقسام الشرطة.
كان والده قد تعرَّفَ سابقاً على شخص من أحد أحياء حمص عرف عن نفسه أنه من مَلاك وزارة الدفاع، وعرضَ مساعدته في استعادة العقارات التي تم الاستيلاء عليها، مقابل السماح له بالانتقال إلى إحدى الشقتين بحجة أنه بيته مُدمَّر. وعندما اختفى الوالدان، ظنت الأسرة أنهما قد ذهبا لتقديم شكوى في مبنى المحافظة بصحبة هذا الشخص، ولكن تبيَّنَ بعد مراجعة الأقسام الشرطية ومبنى المحافظة أنه لم تُقدَّم أية شكوى.
تلقت الأسرة اتصالاً بعد ثلاثة أيام يُعلمهم بالعثور على جثماني الوالدين، بعد أن قُتلا بطلق ناري في الرأس من الخلف. تعرف أحد الأقرباء على بقايا الجثمانين بصعوبة، قام الأمن العام بمراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة في عدة مناطق ليتبين أن الشخص الذي ادعى انتماءه لوزارة الدفاع اصطحب الأب بسيارته من شارع الستين. واعترف بعد توقيفه أنه اصطحب الزوجين إلى معسكر مهجور وأطلق النار عليهما. لا يعلم الشاب إذا كان الجاني قد سرق مبلغاً مالياً من والده، الذي كان يعمل في تصريف العملة وكان بحوزته مبلغٌ بالدولار اختفى بعد الجريمة. اعترفَ الجاني أن اثنين من المتعاونين معه عادا لاحقاً إلى الموقع وقاما بإحراق الجثتين. لم يُعلَن عن توقيف هذين الشريكين، ولم تَسمح السلطات للأسرة بتنظيم جنازة تقليدية، واقتصر التشييع على أربعة أشخاص، ولكن سُمِح بإقامة عزاء وحضر وفد من المحافظة لتقديم العزاء.
عاش الشاب في هاجس الخوف الدائم من الشخصين اللذين لم يُعتقَلا، وما زال يحرقه غياب والديه وفجيعة مصيرهما: «عشتُ مع الخوف في كل لحظة، واتبعت إجراءات أمان عدة، دائماً فعّلت الموقع على واتسآب، ودائماً تَحرَّكتُ مع أقاربي أو بقيت على تواصل معهم في حال غادرت المنزل». حتى غادر الشاب البلاد مُؤخَّراً هرباً من حياة الخوف المستمر. لا يعرف الشاب إن كانت هناك علاقة مباشرة بين المستولين على البناء والقاتل، لكنه يُشير إلى أن المستولين غادروا المكان على عجل فور الإعلان عن توقيف القاتل. وبحسب علمه، لم يجرِ التحقيق مع المُستولين ولم تُتَّخذ بحقهم إجراءات قانونية.
في استجابة لتلك الجرائم، أصدرَ مجلس نقابة المحامين في حمص بياناً يحثّ السلطات الأمنية على ضبط السلاح، وجاء فيه: «وإن المجلس إذ يأخذ بعين التقدير والاعتبار جهود الدولة المبذولة في هذا الشأن، إلا أن الانتهاكات وحالات القتل والاعتداء والتحريض عليه ما زالت متفشية بسبب اعتقاد المتورطين بقدرتهم على الإفلات من العقاب والملاحقة». ويقول الحقوقي بسام الأحمد أن تأثير أحداث العنف الطائفي يُشكّل ضغطاً على المجتمع، وشكلاً من «التهجير على الناعم» الذي سيدفع بالعديد من العلويين لمحاولة الانتقال من حمص إلى قراهم أو جهات أخرى أكثر أمناً، حتى لو عنى ذلك بيعَ بيوتهم بأبخس الأثمان.
لم تُطلِق الحكومة الانتقالية حتى الآن مساراً واضحاً لعمل العدالة الانتقالية رغم تشكيلها هيئة العدالة الانتقالية، ورغم اعتقالها العشرات من قادة وعناصر النظام السابق وإعلان ذلك عبر مُعرِّفاتها الرسمية وعبر الإعلام. تجري هذه الاعتقالات بقرار أمني، ولا ترتبط بعمل هيئة العدالة الانتقالية، ولا تُنشَر مجريات تحقيق أو محاكمات أو قوائم الاتهام. وفي الوقت الذي أجرت فيه الحكومة تسويات مع كبار أركان النظام السابق مثل فادي صقر ومحمد حمشو، سمحت بالإفلات من العقاب لحالات عنف منفلت في مدينة حمص وغيرها من المدن السورية.
تطور آليات عمل الدولة بما يخص حقوق الملكية
في الفترة الأولى بعد سقوط النظام، قُسِّمَت المدينة إلى قطاعات، على رأس كل منها مسؤول أمني، وتنتظم جميعها بالعمل تحت مظلة المحافظة والإدارة السياسية. كانت الشكاوى حول العقارات تُقدَّم لمكتب أمن العقارات، والذي كان يُديره مُمثّل من هيئة تحرير الشام يُدعى «أبو مصعب»، وكان يتمتع بصلاحية اتخاذ القرار فيما يخص المصادرات والاستيلاءات، والتحكيم سواء كانت العقارات قد تم الاستيلاء عليها في زمن النظام السابق أم بعد سقوطه. وقد صادرت الهيئة مكتب سفريات طروادة في حي الملعب وحولته إلى مقرٍّ لمكتب أمن العقارات. خلال زيارة إلى مكتب أمن العقارات، شهد الناشط السياسي محمد الصالح حواراً مع سيدة تتحدر من الطائفة السُّنية من حمص كان أحد أفراد عائلتها استولى على منزل. أخبرها أبو مصعب بضرورة إعادة المنزل، فاحتجت السيدة قائلة أنهم قدموا شهداء، ردَّ أبو مصعب بأن الملايين قدموا شهداء، وأن هذا لا يبرر أخذ أملاك الناس غصباً لمجرد كونهم علويين أو شيعة، وطالبها بإخلاء المنزل.
لكن مصدراً آخر في حمص، فضّلَ عدم الكشف عن اسمه، قالَ إن أبو مصعب وافقَ على الاستيلاء على عقار يملكه. الشخص الذي تحدثنا إليه مدني، لم يكن يحمل السلاح لكنه كان موالياً للنظام السابق ويَجهَر بدعمه له. علم الرجل أن أحد المقاتلين العائدين استولى على عقاره، فأرسلَ أحد معارفه من المقاتلين العائدين أيضاً لمراجعة أبي مصعب وطلب استعادة العقار. استدعى أبو مصعب المُستولي، الذي قال إنه وجد رخصة حمل سلاح فردي في العقار والتي كانت تُمنَح من الأمن السوري السابق، وبذلك قرَّرَ أبو مصعب السماح له بالبقاء في العقار في تلك المرحلة، ووضع إشارة حجز عليه.
يتبين من هاتين الحادثتين أن القرار في مكتب أمن العقارات كان قراراً أمنياً، ولا وجود لإطار قانوني واضح أو إجراءات مُحدَّدة تُتَّبع لاتخاذ القرارات، وإنما القرار النهائي كان متروكاً للتقييم الشخصي ورأي الشخص المُعيَّن من قبل الهيئة.
لاحقاً ومع عودة مؤسسات الدولة إلى العمل، أصدرَ محافظ حمص السيد عبد الرحمن الأعمى القرار رقم (1) بتاريخ 13-1-2025، القاضي بتشكيل «لجنة الغصب البيّن» للنظر في حالات الاستيلاء على عقارات دون وجه حق. ويُعرَّف الغصبُ البيّن بأنه: «الاستيلاء الظاهر والواضح على عقار دون سند قانوني، سواء كان سند ملكية أم عقد إيجار أم أيّ وثيقة رسمية تُثبت الحيازة المشروعة». ويستند تشكيل اللجنة إلى المادة (45) من قانون الإدارة المحلية رقم (107) لعام 2011، التي تنص على أنه في حال وقوع «غصب بيّن» على عقار، يحق للمحافظ أن يُقرر إعادة الحال إلى ما كان عليه. ويظل مفعول القرار الإداري بإزالة الغصب قائماً إلى أن يُلغى أو يُعدّل من قبل المحافظ ذاته، أو إلى حين صدور حكم قضائي قطعي.
بحسب المحامي الشناني، فإنه منذ عودة عمل مؤسسات الدولة وتأسيس لجان الغصب البيّن، لم يَعد لمسؤولي القطاعات الأمنيين أو لمكتب أمن العقارات الصلاحية في الفصل في الشكاوى المُتعلقة بالعقارات. وقد وجهت الجمهورية.نت أسئلة إلى المكتب الإعلامي لمحافظة حمص حول عمل لجنة الغصب البيّن في المحافظة، وبحسب المكتب فقد استقبلت اللجنة 1508 طلبات حتى شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2025، تنوَّعت هذه الطلبات بين شكاوى تتعلق بعقارات غُصِبَت في زمن النظام السابق، وأخرى جرى الاستيلاء عليها بعد سقوط النظام. وأشار المكتب إلى أن: «أغلب الشكاوى المُثارة حالياً تتعلق بحالات حديثة تمت في العام 2025، مع وجود بعض الحالات التي تعود إلى ما بعد العام 2011».
حول مآلات تلك الطلبات أوضحَ المكتب أن عدد الطلبات التي صدر فيها قرار إزالة غصب بلغ 131 طلباً. في حين أن هناك 270 حالةً تم حلُّها رضائياً. بالمقابل كان هناك 560 طلباً وردَ فيها ردٌّ من النيابة العامة بعدم الموافقة على إصدار قرار إداري، لكون الحالات تدخل ضمن صلاحيات القضاء. وأشار تصريح المكتب الإعلامي أيضاً إلى وجود طلبات أُحيلت إلى النيابة العامة وأخرى إلى النيابة العسكرية. وما زالت الطلبات المتبقية قيد المعالجة، فقد أُحيلت إما إلى الشرطة للتحقيق، أو إلى النيابة العامة لطلب بيان الرأي. في تحديث لاحق، حصلت عليه الجمهورية.نت من المكتب الإعلامي لمحافظة حمص، بلغ عدد الطلبات المقدمة 1579 طلباً بتاريخ الأسبوع الأخير من العام 2025.
بحسب الشناني، فإن المحافظة أُرهقت من حجم الشكاوى التي تتعلق بالغصب البيّن، وبرزت الحاجة إلى أُطر عمل مختلفة، واستجابت وزارة العدل لهذه المتطلبات بإصدار القرار (526) المتعلق بالمعالجة القانونية لملف الاستيلاء غير المشروع على العقارات بتاريخ 20-10-2025 والذي ورد فيه: «تجاوباً مع ما تم رصده من ممارسات أدت إلى الاستيلاء غير المشروع على عقارات مواطنين تم تهجيرهم بشكل واسع ومنهجي عقب قيام الثورة السورية، وبعد التحرير أشرفت النيابة العامة على أعمال لجان الغصب البيّن وساهمت في حل الكثير من القضايا عبر القوانين النافذة… بما أن الاستيلاء غير القانوني على العقارات يُشكل أحد أبرز أسباب التوتر في المجتمع السوري وأحد أهم مخلفات الحرب، فقد أصدر وزير العدل تعميماً… يتضمن خطة متكاملة لمعالجة هذه القضايا وفق نهج محدد وسريع ومنصف، وذلك بتخصيص محاكم ودوائر قضائية للنظر حصراً في هذه القضايا، بهدف توحيد الاجتهاد القضائي وتجنب التناقض في المعالجة، وتقصير المدد الزمنية للنظر في الدعاوى وتبسيط الإجراءات دون المساس بضمانات المحاكمة العادلة، بما يُحقق حفظ الحقوق العقارية لكامل أطراف النزاع، وفقاً لما لدى العدالة والقانون».
القرار، بحسب نصه، يختصُّ أساساً بالشكاوى عن انتهاكات حقوق المُلكية التي جرت في زمن النظام السابق، ولكن نصه لا يُوضح بشكل حاسم إمكانية تقديم شكاوى حول الانتهاكات التي حدثت بعد سقوط النظام السابق.
خاتمة
لا تقتصر ظاهرة الاستيلاء على العقارات المملوكة لعلويين وموالين للنظام السابق على محافظة حمص، إذ رَصَدنا خلال عملنا حالات استيلاء على شقق وعقارات في دمشق، طرطوس وريف حمص، كما رصدت رويترز مئات حالات الاستيلاء في دمشق وريفها استُهدِف فيها الأشخاص بناء على طائفتهم. إضافة إلى ذلك، أدلى العديد من المتضررين بشهاداتهم عبر وسائل الإعلام أو التواصل الاجتماعي. إلا أنه يُمكن القول إن الأمر أكثر احتداماً في حمص. منذ الأيام الأولى بعد سقوط نظام الأسد، عمت مناخات الخوف في الأحياء التي كانت تُعَدُّ موالية، ومع حلول المساء التزمَ السكان بيوتهم وأقفلوا الأبواب. خلت الشوارع تماماً، بينما استمرت حوادث إطلاق النار في الهواء وعلى الأبنية من ملثمين على دراجات نارية، إضافة إلى وقوع عشرات حالات الخطف والاغتيال، والكثير من محاولات اقتحام المنازل. بعد عدة أشهر، ومع بدء مأسسة عمل الأجهزة الأمنية طرأ تحسّنٌ نسبي، إذ بدأت بعض المحال التجارية تفتح أبوابها في المساء، وبدأ السكان يتحركون بشكل أكبر. لكن ما تزال هذه الأحياء تشهد اغتيالات وحوادث إطلاق نار بتواتر شبه يومي، وما زالت الحاجة إلى ضبط السلاح ملحة لما يُمثّله من تهديد للسلم الأهلي والاستقرار في المدينة.
تعود جذور ظاهرة الاستيلاء على العقارات في العهد الجديد، من جهة، إلى النزاع الأهلي وإلى ممارسات الغنائم والاستحواذ غير القانوني التي مارسها أفراد من «الطرف المنتصر» عسكرياً، ومن جهة أخرى إلى غياب مسار عدالة انتقالية شامل يُعالج الانتهاكات السابقة، بما يتطلبه ذلك من محاسبة، وجبر الضرر، وبناء المؤسسات، وتطوير القوانين الكفيلة بإنصاف الضحايا وأيضاً بمنع تكرار هذه الممارسات.
في أغلب الحالات التي وثّقناها في حمص، أفاد الضحايا أن المُستولي لم يتعرض لأي محاسبة قانونية. رغم تأكيد المحامي موسى الشناني أنه قد جرى تنظيم العمل في أقسام الشرطة بشكل جيد وهناك محاولات جدية لضبط الاعتداءات أو الاستيلاءات. أكثر من نصف الحالات التي وثقناها نُفِّذت على يد أفراد لهم صلات بالأجهزة الأمنية أو الفصائل، من دون أيّ قرار رسمي. ومن بين الحالات الثلاثين التي وثقنا الاستيلاء فيها، أُعيدت ثمانية عقارات فقط إلى أصحابها بعد تقديم شكاوى، في حين لم تتم إعادة بقية العقارات، إما لأن الشكاوى لم تُفضِ إلى نتائج أو لأن الضحايا خافوا أساساً من التقدُّم بشكوى.
-