سندريلا عازار – صحافية لبنانية.. موقع درج
“هناك محاولات للسيطرة على السردية، أي ضبط ما يقوله الناس وما يظهر في الإعلام، بحيث لا تعكس الصورة دائماً الواقع الكامل”
مع كل حرب يعيشها لبنان، لا يقتصر التصعيد على الجبهات العسكرية، بل يمتد سريعاً إلى الفضاء العام، حيث تتحول الكلمات نفسها إلى جزء من المعركة. ففي لحظات النزاع، تتصلّب المواقف، تضيق مساحة النقاش، وتتحول اللغة السياسية إلى ساحة صراع موازية، تختلط فيها حرية التعبير بخطاب الكراهية، والنقد السياسي بالتحريض، والرأي بالتهديد.
الحرب لا تغيّر فقط موازين القوى على الأرض، بل تعيد أيضاً تشكيل قواعد الكلام في المجال العام. ففي ظل الخوف، والتعبئة السياسية، والاصطفاف الحاد، يصبح الخلاف السياسي أكثر قابلية لأن يُفسَّر بوصفه خيانة، ويُعاد تعريف النقد باعتباره تهديداً للجماعة أو للمقاومة أو للدولة. وفي هذا المناخ المشحون، تصبح حملات التشهير والتخوين والتهديد أدوات ضغط تُستخدم لإخراس الأصوات المنتقدة أو لتأديبها.
في لبنان، حيث الفضاء الرقمي بات الامتداد الأساسي للنقاش السياسي، يظهر هذا التحول بوضوح. فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد مساحة للتعبير، بل تحولت إلى ساحة تعبئة واستقطاب، تتكاثر فيها الحملات المنظمة والاتهامات المتبادلة. وفي ظل الحرب الإسرائيلية الحالية، عادت موجات من الخطاب العدائي والتهديدات لتستهدف صحافيين وناشطين وشخصيات عامة، في مشهد يعكس هشاشة الحدود بين التعبير السياسي المشروع والتحريض الذي قد يتحول إلى خطر فعلي.
هذه الظاهرة ليست جديدة في تاريخ لبنان الحديث، لكنها تتفاقم في أوقات الأزمات الكبرى. فكلما اشتدت الحرب أو تعمّق الانقسام السياسي، عاد الجدل القديم حول حدود حرية التعبير: أين ينتهي النقد السياسي المشروع، وأين يبدأ خطاب الكراهية أو التحريض؟ ومن يملك سلطة تحديد هذا الحد الفاصل في بلد يعاني أصلاً من ضعف المؤسسات ومن استقطاب سياسي حاد؟
في هذا السياق، يبرز الجدل حول تصريحات وشخصيات مختلفة في الفضاء العام، من خطابات تحريضية صادرة عن شخصيات إعلامية أو سياسية، مثل علي برو وشارل جبور، إلى قضية مغني الراب جعفر الطفار التي أثارت نقاشاً واسعاً حول الحدود بين النقد الفني اللاذع والاتهامات بالتحريض. وبين هذين المثالين، يتشكل اليوم نقاش أوسع حول طبيعة الخطاب العام في زمن الحرب، وحول قدرة المجتمع والقانون على التمييز بين الكلام بوصفه رأياً والكلام بوصفه أداة تعبئة قد تؤدي إلى العنف.
في بلد يقف على خط تماس دائم بين السياسة والطائفية والحرب، لا يبقى السؤال متعلقاً فقط بحرية التعبير، بل بقدرة المجال العام نفسه على البقاء مساحة للنقاش، لا ساحة أخرى من ساحات الصراع.
بين حرية التعبير وخطاب الكراهية
يتجدد في لبنان، مع كل أزمة أو حرب، النقاش حول الحدود الفاصلة بين حرية التعبير وخطاب الكراهية. غير أن هذا النقاش يزداد تعقيداً في ظل الاستقطاب السياسي الحاد، إذ تُستخدم أحياناً شعارات حرية التعبير لتبرير خطاب يتجاوز النقد السياسي إلى التخوين أو التهديد.
يرى المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير، جاد شحرور، أن الخلط بين المفهومين بات متكرراً في الخطاب السياسي والإعلامي. ويؤكد أن المشكلة لا تكمن في النقد السياسي بحد ذاته، بل في اللغة التي تتحول أحياناً إلى تهديد مباشر أو إلى خطاب إقصائي تجاه الآخرين.
ويقول شحرور: “دعونا نؤكد أن حرية التعبير مختلفة تماماً عن خطاب الكراهية. وهذا ما نراه اليوم يصدر بشكل متزايد عن شخصيات حزبية تجاه مواطنين أو طوائف أخرى. فقد سمعنا سابقاً تصريحات لشارل جبور يقول فيها إن هؤلاء الشيعة لا يشبهون البشر أو كلاماً من هذا النوع. كما رأينا علي برو يشتم ويستخدم عبارات نابية، ويتعرض لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ويخوّنهما، مستخدماً لغة التخوين والتهديد بالقتل. وعلي حجازي من حزب البعث قال سابقاً: “عندما يحين وقت الجد سيدور القتل من فوق إلى تحت، ولن يبقى أحد ليخبر”. والأمثلة على ذلك كثيرة”.
بحسب شحرور، لا يمكن إدراج الخطاب القائم على التخوين أو إلغاء الآخر ضمن حرية التعبير، لأنه يخلق مناخاً يسمح بتطبيع العنف اللفظي ويفتح الباب أمام التصعيد.
وقد برزت في الآونة الأخيرة أمثلة عدة على هذا النوع من الخطاب في الفضاء العام، سواء عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل الاجتماعي، من بينها تصريحات صدرت عن شخصيات إعلامية وسياسية مثل علي برو وشارل جبور، إذ تحوّل النقاش في بعض الحالات من نقد سياسي إلى خطاب تخويني أو تهديدي.
الحرب كمسرّع للاستقطاب
لا يرى شحرور أن هذه الظاهرة جديدة على الحياة السياسية اللبنانية، لكنها تتفاقم مع كل أزمة كبيرة، وخصوصاً في زمن الحرب، حين يتراجع هامش النقاش الهادئ ويزداد الميل إلى تقسيم المواقف بين معسكرات متقابلة. ويشير إلى أن البلاد تعيش انقساماً سياسياً عميقاً يعود إلى عقود، لكنه يبرز بحدة أكبر في لحظات الأزمات.
ويستعيد مثال انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، حين اتُّهم المتظاهرون بأنهم “مموّلون من السفارات”، ورافقت ذلك دعوات للعنف ضدهم. ويقول: “قيل آنذاك إن المتظاهرين يجب أن يُقتلوا، وفعلاً نزلت جماهير حزبية إلى الشارع ووقعت اعتداءات بالعصي والسلاح، وسقط قتلى خلال تلك المرحلة”. في مثل هذه السياقات، يتحول الخلاف السياسي بسهولة إلى اتهام بالخيانة، ويصبح التخوين وسيلة لإسكات الأصوات المنتقدة أو إخراجها من المجال العام.
أين يقف القانون؟
من الناحية القانونية، يوضح المحامي فاروق المغربي أن التمييز بين حرية التعبير والتحريض يعتمد على معيارين أساسيين: مضمون الخطاب وتأثيره المحتمل في السياق الاجتماعي والسياسي.
يقول المغربي: “يجب أن نفرّق بين النقد السياسي والتحريض. عندما ينتقد شخص الحكومة أو يهاجم سياساتها، فهذا يدخل ضمن حرية التعبير”.
ويشير المغربي إلى أن جزءاً من الجدل الحالي في لبنان يدور حول خطابات وتصريحات صدرت عن شخصيات عامة مثل علي برو وشارل جبور، والتي اعتبرها كثيرون تجاوزت إطار النقد السياسي إلى خطاب تحريضي أو تهديدي. ففي حالات معينة، لم يقتصر الأمر على انتقاد سياسيين أو سياسات عامة، بل وصل إلى استخدام لغة التخوين أو التهديد، ما يجعل النقاش ينتقل من مساحة التعبير السياسي إلى مساحة التحريض.
في المقابل، يلفت المغربي إلى مثال مختلف يتعلق بمغني الراب جعفر الطفار، الذي أثار جدلاً واسعاً بعد نشره أغنية تنتقد الحكومة وتتّهمها بالانحياز الى الولايات المتحدة. ويؤكد المغربي أن هذا النوع من التعبير يبقى ضمن الإطار السياسي، حتى لو كان قاسياً أو صادماً في لغته. ويضيف: “هذا النوع من الخطاب، حتى لو كان حاداً، لا يتضمن قدحاً أو ذماً ولا يتناقض مع حرية التعبير”.
لكن المشكلة تظهر، بحسب المغربي، عندما يتحول الخطاب إلى تحريض مباشر أو إلى خطاب قد يؤدي إلى أذى فعلي. ويقول: “نحن في بلد يقف على شفير حرب أهلية، لذلك يصبح خطاب التحريض أكثر خطورة. إذا حرّض شخص ضد طائفة معينة في منطقة يعيش فيها نازحون من تلك الطائفة، فقد يؤدي ذلك إلى اعتداءات فعلية”.
وبحسب المغربي، فإن تأثير الشخص الذي يطلق الخطاب يلعب أيضاً دوراً مهماً في تقييم خطورته، خصوصاً إذا كان شخصية مؤثرة أو يمتلك جمهوراً واسعاً. فالشخصيات الإعلامية أو المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي قد يكون لكلامهم أثر مضاعف في تعبئة الجمهور أو تأجيج التوترات.
لغة الراب: القسوة كجزء من الأسلوب الفني
في المقابل، يلفت عدد من المتابعين إلى أن الجدل حول أغنية جعفر الطفار يعكس أيضاً سوء فهم لطبيعة موسيقى الراب نفسها. فالراب، تاريخياً، يقوم على لغة قاسية ومباشرة، وغالباً ما يستخدم السباب والشتائم كجزء من أسلوب التعبير الفني.
يقول جاد شحرور، المسؤول الإعلامي في مؤسسة سمير قصير، إن الراب بطبيعته “فن هجومي” يعتمد على النقد اللاذع للسلطة والمجتمع، وغالباً ما يستخدم القوافي الحادة والصور اللغوية القاسية. ويضيف أن الطفار يتميز أيضاً باستخدامه العتابا والمفردات القريبة من الشعر الشعبي اللبناني في بعض أغانيه، ما يمنح نصوصه طابعاً هجائياً واضحاً.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة لغة الراب بالمعايير التقليدية للخطاب السياسي أو الإعلامي، إذ إن جزءاً من هذا الفن يقوم أساساً على المبالغة واللغة الصادمة. ومع ذلك، فإن هذا النقاش يفتح باباً أوسع حول كيفية التعامل مع الخطاب الفني والسياسي في زمن الحرب، خصوصاً عندما يصبح الفضاء العام مشحوناً بالاستقطاب، وتصبح الكلمات نفسها جزءاً من معركة سياسية أوسع.
الصحافة تحت ضغط الحرب
لكن هذا النقاش حول حدود الكلام لا يبقى محصوراً في المجال النظري أو في سجالات وسائل التواصل الاجتماعي. ففي زمن الحرب، تتحول طبيعة الخطاب العام إلى عامل يؤثر مباشرة في عمل الصحافيين أنفسهم. فكلما تصاعدت لغة التخوين والتحريض، تضيق المساحة المتاحة للعمل الصحافي المستقل، ويصبح الصحافيون أكثر عرضة للتهديد أو التضييق أو الاستهداف، سواء من أطراف الصراع أو من الجهات التي تسعى إلى التحكم بالسردية العامة للحرب. هنا تحديداً يظهر الترابط بين النقاش حول حرية التعبير وخطاب الكراهية من جهة، والواقع الميداني الذي يعيشه الصحافيون من جهة أخرى.
في موازاة الجدل حول حرية التعبير، يواجه الصحافيون تحديات متزايدة خلال الحرب. توضح إلسي مفرّج، رئيسة اتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، أن دور الصحافة في زمن الحرب أساسي على أكثر من مستوى.
تقول مفرّج: “الصحافيون يوثقون جرائم الحرب، وينقلون معاناة الناس، ويساهمون أيضاً في كتابة الذاكرة الجماعية للبلد”.
لكن هذا الدور يأتي في ظل مخاطر كبيرة. فخلال الحرب السابقة، تم توثيق 12 استهدافاً مباشراً للصحافيين، أسفرت عن مقتل ستة منهم في ثلاثة حوادث مختلفة.
أما في الحرب الحالية، فتشير مفرّج إلى أن مؤسسات إعلامية تعرضت للاستهداف، ما صعّب وصول الصحافيين إلى أماكن عملهم وأثّر على قدرتهم على نقل الأخبار.
السيطرة على السردية
إلى جانب المخاطر العسكرية، تواجه الصحافة ضغوطاً سياسية وأمنية تؤثر على عملها. وتشير مفرّج أيضاً إلى أن بعض الصحافيين يواجهون قيوداً ميدانية أثناء التغطية، خصوصاً في بعض مناطق الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يُطلب منهم أحياناً الدخول برفقة عناصر من حزب الله. وتوضح أن هذه المرافقة تُبرَّر غالباً باعتبارات أمنية، لكنها قد تطرح إشكاليات إضافية تتعلق باستقلالية التغطية وسلامة الصحافيين. وتقول إن وجود عناصر حزبية ضمن مواكب إعلامية قد يجعل هذه المواكب تُفسَّر من إسرائيل كأهداف محتملة، ما يعرّض الصحافيين لخطر إضافي أثناء عملهم.
وتقول: “هناك محاولات للسيطرة على السردية، أي ضبط ما يقوله الناس وما يظهر في الإعلام، بحيث لا تعكس الصورة دائماً الواقع الكامل”. وتضيف أن الضغوط تظهر أيضاً في مناطق النزوح، حيث تُفرض أحياناً قيود غير مباشرة على ما يمكن للنازحين قوله للصحافيين.
عندما يتحوّل الخطاب إلى جريمة
تشير مفرّج إلى أن التجارب الدولية تظهر كيف يمكن أن يتحول الخطاب الإعلامي إلى أداة تحريض خطيرة في زمن النزاعات. وتستشهد بتجربة رواندا، حيث حُوكم صحافيون أمام محكمة دولية بعد ثبوت تورطهم في التحريض على القتل خلال الإبادة الجماعية عام 1994. وتقول: “في تلك الحالة لم يكن الأمر حرية تعبير، بل تحريضاً مباشراً على القتل”. هذه الأمثلة تظهر كيف يمكن للكلمات أن تتحول إلى عنصر فاعل في النزاعات، خصوصاً عندما تُستخدم في سياق تعبئة جماعية.
الدفاع عن مساحة النقد
في المقابل، يحذر المدافعون عن الحقوق الرقمية من أن مواجهة خطاب الكراهية لا يجب أن تتحول إلى ذريعة لتقييد حرية التعبير. يقول محمد نجم، المدير التنفيذي لإحدى منظمات الحقوق الرقمية: “جعفر الطفار لم يدعُ إلى القتل أو التحريض ضد أي فئة في المجتمع”. ويضيف أن ما يقدمه مغنّو الراب غالباً ما يتضمن نقداً لاذعاً للسلطة، وهو جزء من طبيعة هذا الفن. ويقول: “من حق أي مواطن أو فنان أن ينتقد السياسيين، حتى لو استخدم لغة قاسية أحياناً. على السياسيين في لبنان أن يعتادوا على هذا النوع من النقد”.
توازن هش بين الحرية والتحريض
في ظل الحرب، يتصاعد خطاب التخوين والتهديد في المجال العام، ما يرفع منسوب التوتر ويجعل بعض أشكال الخطاب أكثر خطورة على السلم الأهلي. لكن في المقابل، قد يتحول السعي إلى ضبط هذا الخطاب إلى أداة لتقييد النقد السياسي وتضييق مساحة حرية التعبير. في هذا السياق، يصبح الحفاظ على توازن دقيق بين حماية المجتمع من التحريض وصون الحق في التعبير تحدياً أساسياً أمام الإعلام والقضاء والمجتمع. ومع استمرار الحرب وتصاعد الاستقطاب، يبدو هذا التوازن أكثر هشاشة في بلد لطالما تحولت فيه الكلمات نفسها إلى جزء من معارك السياسة والنزاع.