تواجه الدبلوماسية الفرنسية، التي ساهمت في إبرام اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله عام 2024، طريقا مسدودا في ظل تجاهل إسرائيل مناشدات الرئيس إيمانويل ماكرون الامتناع عن توسيع عملياتها الحالية.
ومنذ اندلاع المواجهة في الثاني من آذار عقب إطلاق الحزب المدعوم من إيران صواريخ نحو شمال إسرائيل “ثأرا” لمقتل المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، سعت باريس للحد من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط على بيروت.
وكرر ماكرون ووزير خارجيته جان-نويل بارو دعوة إسرائيل إلى الامتناع عن القيام بعملية واسعة النطاق خصوصا في البر، لكنهما أحجما عن إدانة الضربات الإسرائيلية التي طاولت مناطق عدة بما فيها قلب العاصمة اللبنانية.
وأسفرت الضربات عن مقتل 687 شخصا ونزوح 816 ألفا من منازلهم، بحسب ما أعلنت السلطات اللبنانية.
وقال الباحث دافيد خلفا إن “فرنسا هي بين المطرقة والسندان”. وأوضح أن باريس تتعامل مع “دولة لبنانية لا تزال عاجزة تجاه حزب الله، وإسرائيل التي تعتزم إنهاء وجود هذه المجموعة الموالية لإيران”.
وأضاف “هذا يظهر بشكل موضوعي وجلي حدود نفوذ فرنسا في المشرق، ولا سيما في لبنان”، رغم الروابط التاريخية والسياسية والثقافية مع بيروت.
وأدت فرنسا مع الولايات المتحدة دورا وسيطا في التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وضع حدا للمواجهة السابقة بين إسرائيل وحزب الله، والتي امتدت بين تشرين الأول 2023 وتشرين الثاني 2024. لكن إسرائيل واصلت غاراتها على لبنان منذ وقف النار، مؤكدة أنها لن تسمح للحزب بترميم قدراته العسكرية، كما أبقت على قواتها في خمس نقاط بجنوب لبنان.
ورأت أنييس لوفالوا، رئيسة معهد البحوث والدراسات حول حوض المتوسط والشرق الأوسط، أن باريس وواشنطن تتحملان جزءا من المسؤولية عن الوضع.
وأوضحت “من خلال غض الطرف أو عدم توفير الوسائل اللازمة لفرض احترام هذا الوقف لإطلاق النار، لم نتح للدولة اللبنانية الوسائل للمضي أبعد في نزع سلاح حزب الله”.
وأضافت أن الحكومة اللبنانية حذرت من أن الضربات الإسرائيلية تضعفها ولا تمكنها من استكمال عملية نزع سلاح حزب الله، وأن الأخير استغل ذلك “ذريعة لعدم تسليم جميع الأسلحة”.
وبعد الحرب، أقرت السلطات اللبنانية خطة على مراحل لتجريد الحزب من سلاحه، وأعلنت أن المرحلة الأولى أنجزت في منطقة جنوب نهر الليطاني الحدودية، في حين اعتبرت إسرائيل أن هذه الخطوة غير كافية.
وقال مصدر دبلوماسي غربي إن “بعد وقف إطلاق النار ضاعت فرصة لإجبار حزب الله حقا على نزع سلاحه، كما تطالب بذلك عدة قرارات للأمم المتحدة واتفاق وقف إطلاق النار”.
ولفت المصدر إلى أنه كان بإمكان فرنسا تعزيز القدرات العسكرية للقوات المسلحة اللبنانية والمطالبة بنزع فعلي لسلاح حزب الله.
وأضاف “بدلا من ذلك فضلت فرنسا اعتماد موقف تصالحي، مكتفية بالكلام الجميل من دون المطالبة بإجراءات ملموسة كان يمكن أن تحول دون تدهور الوضع”، مشيرا إلى أن الحزب لا يزال يمتلك قدرات عسكرية شمال الليطاني وجنوبه.
وأشار خلفا إلى أن المشكلة لا تقتصر على ضعف تجهيزات الجيش، بل أيضا الخوف من تشرذمه “على أساس خطوط الانقسام الطائفي”، خصوصا لدى الضباط من الشيعة، في حال مواجهة مع حزب الله.
ولفتت لوفالوا إلى أن الحكومة اللبنانية تدرك وجود “خطر اندلاع حرب أهلية” في حال المواجهة مع الحزب، ومع ذلك طرح رئيس الجمهورية جوزاف عون إجراء “مفاوضات مباشرة” مع إسرائيل.
وأضافت “هذه كرة يجب على فرنسا أن تلتقطها فورا، لأنه سيكون من الضروري وجود وسيط”.
واكتفت مصادر فرنسية بالقول “نحن نعمل على استئناف المفاوضات بهدف التوصل إلى تسوية دائمة”.
وتعتزم فرنسا إرسال نحو ثلاثين آلية مدرعة لدعم الجيش اللبناني، في خطوة اعتبر خلفا أنها “مرحّب بها لكنها تأتي في توقيت غير مناسب قياسا إلى التصعيد على الأرض”.