تشهد مدينة القامشلي في محافظة الحسكة بأقصى الشمال الشرقي من سورية، توتراً وغلياناً شعبياً في الوسط الكردي تحديداً، بعد اعتداء عناصر من تنظيم “جوانن شورشكر” (الشبيبة الثورية)، إحدى أذرع حزب العمّال الكردستاني، على خيمة عزاء شاب توفي تحت التعذيب في سجون قوات الأسايش (الأمن الداخلي) التابعة لـ”الإدارة الذاتية” الكردية بعد أشهر من اعتقاله. وأفادت مصادر من عائلة الشاب علاء الدين الأمين (35 عاماً – سويدي من أصول سورية)، بأن مجموعة من تنظيم مسلّح يُعرف بـ”الشبيبة الثورية”، هاجمت منزل العائلة أثناء إقامة مراسم العزاء به، مساء الثلاثاء الماضي، وأضرمت النار في خيمة العزاء، بالتزامن مع إطلاق نار من أسلحة رشّاشة في محيط المكان، ما أثار حالة من الذعر بين الحاضرين. وبحسب مصادر كانت في مسرح الحدث، وجّه التنظيم تهديدات واضحة للعائلة في حال عودتها الى إقامة مراسم عزاء، متوعداً إياها بالترحيل من القامشلي.
اعتداء القامشلي
وتطالب العائلة بكشف ملابسات الوفاة التي جرت في سجون تابعة للجهات الأمنية في “الإدارة الذاتية”، سلّمت جثمانه لذويه قبل أيام بعد اعتقال لأشهر عدة من دون أسباب واضحة. وبيّنت تقارير طبية أن الأمين توفي مطلع العام الحالي، كما أظهرت صور شعاعية محورية تعرضه لكسر في الجمجمة والأنف والقفص الصدري، وآثار التعذيب واضحة على كامل جسده.
وطالبت مجموعة من المنظمات الحقوقية الكردية، الثلاثاء الماضي، بـ”فتح تحقيق جدّي ومستقل وشفاف لكشف ملابسات الوفاة، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير أو انتهاك قانوني دون استثناء”. وقالت قيادة الأمن الداخلي التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في بيان، إن “لجنة تحقيق عليا تضم مختصين وقانونيين ومراقبين شُكّلت للوقوف على تفاصيل الحادثة وتحديد الملابسات الدقيقة لظروف الوفاة”. وأضافت “قسد” في بيان، أن “أي ممارسات خارجة عن إطار القانون والقيم الإنسانية هي تصرفات لا تمثل نهج مؤسستنا ولا سياساتها العامة”.
من جهته، كتب قائد “قسد” مظلوم عبدي على “إكس”، أول من أمس الأربعاء، أن “الاعتداء” الذي استهدف خيمة عزاء الشاب علاء الدين الأمين “يُعدّ عملاً تخريبياً، ونحن نؤكد أن الجهات المختصة ستلاحق الفاعلين بلا هوادة وسيتم تقديمهم للمحاسبة وفق القانون”. وأضاف: “الشاب علاء كان قد تمّ توقيفه سابقاً من قبل جهة أمنية تابعة للإدارة الذاتية، وقد توفي أثناء تلك الفترة. لقد تمّ تشكيل لجنة تحقيق محايدة للوقوف على ملابسات الجريمة، سيتم كشف نتائج التحقيق بعد انتهائه ومشاركته مع الرأي العام بشكل شفاف، خلال الأيام المقبلة”. وتابع: “نؤكد على التزامنا الكامل بمحاسبة جميع المتورطين والمسؤولين عن هذه الجريمة ومساءلتهم، مهما كانت الجهة أو صلتهم أو موقعهم، دون أي تهاون أو استثناء. نتقدم بأحر التعازي وأصدق المواساة إلى عائلته وذويه، ونعاهدهم على أن العدالة ستتحقق”.
وفي السياق، طالبت الشبكة الكردية لحقوق الإنسان، الثلاثاء، بالكشف الفوري عن مصير شاب آخر هو جوان سرحان محمود، الذي كان مقيماً في هولندا، ودخل شمال شرقي سورية عبر إقليم كردستان العراق مطلع العام الماضي، ثم تعرّض لعملية اختطاف وإخفاء قسري في مدينة القامشلي بعد أيام من وصوله، من قبل جهات أمنية تتبع لـ”الإدارة الذاتية”، الذراع المدنية والإدارية لـ”قسد”.
وبحسب مصادر محلية في مدينة القامشلي، وهي معقل بارز لـ”قسد” والأذرع التابعة لها، تسود حالة من الغليان الشعبي بسبب تجاوزات ما يُعرف بـ”الشبيبة الثورية” بحق الأكراد المخالفين أو المعارضين لتوجهات حزب العمّال الكردستاني الذي ما زال سلطة أمر واقع في محافظة الحسكة، رغم بدء تطبيق اتفاق مع الحكومة السورية في يناير/كانون الثاني الماضي نصّ على دمج “قسد” وأذرعها في الحكومة السورية. وأكدت أن عائلات بدأت تطالب بكشف مصير أبناء لها معتقلين أو مغيّبين لدى الجهات الأمنية التابعة لـ”قسد”، مشيرة إلى أن دعوات احتجاج خرجت عقب اقتحام “الشبيبة الثورية” خيمة العزاء “في تجاوز سافر للقوانين والأعراف المجتمعية”.
و”حركة الشبيبة الثورية”، تنظيم مرتبط بشكل مباشر بحزب العمّال الكردستاني، ومتهمة بتجنيد الفتيات والأطفال في صفوف هذا الحزب، وممارسة الترهيب في المجتمع الكردي في سورية وقمع ومواجهة التظاهرات والناشطين المناهضين لسياسات هذا الحزب ولا سيما المجلس الوطني الكردي. وتُتهم “الشبيبة الثورية” بالقيام بعمليات اغتيال بحق سوريين أكراد منذ انطلاق الثورة السورية في عام 2011 كان يمكن أن يشكّلوا حجر عثرة أمام مشروع “الكردستاني” في سورية، لعل أبرزهم مشعل تمّو الذي اغتيل أواخر ذاك العام في القامشلي.
رفضٌ للتجاوزات
ويُبدي قاسم. م، وهو أحد سكان القامشلي، خشية من انفجار في الشارع الكردي ما بين معسكرين، الأول: يمثله “الكردستاني”، والثاني تمثله قوى سياسية تؤمن بحلول سياسية للملف الكردي في سورية. وأشار في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن كوادر حزب العمّال الكردستاني “تحاول إحداث خرق مجتمعي كبير في الوسط الكردي السوري”، لافتاً إلى أن تجاوزات التابعين لهذا الحزب ربما تدفع الشارع إلى الانفضاض.
من جهته، أوضح وسيم. ح، وهو معلم في إحدى مدارس القامشلي لـ”العربي الجديد”، أن التهديد “لا يقتصر على الجوانب الأمنية والشخصية بل وصل إلى بنية المجتمع الكردي في محافظة الحسكة”، موضحاً أن “عائلات تخوّن عائلات، وهو ما يؤسس لصدام مجتمعي يصبّ في صالح حزب العمّال الكردستاني المتضرر من أي اتفاق أو تفاهمات مع الدولة”. وقال: “هناك حالة رفض كامل لتجاوزات الشبيبة الثورية، بل لوجود هذا التنظيم في سورية”.
إلى ذلك، قالت مصادر مقربة من “الإدارة الذاتية” طلبت عدم تسميتها، لـ”العربي الجديد”، إن جهوداً “تبذل” لتطويق حالة التوتر في القامشلي، مضيفة: “حدث خطأ في مكان ما، يجب تصحيحه في أسرع وقت”. وأشارت المصادر إلى أن هناك أطرافاً “تستخدم وسائل التواصل من أجل تهييج الشارع الكردي وخلق فتنة داخلية”، مؤكدة أن “الأسايش تجري تحقيقاً بملابسات وفاة الشاب علاء الدين الأمين وقد تظهر النتائج سريعاً للرأي العام”.
وتعليقاً على المشهد في القامشلي، توقع الكاتب والسياسي فريد سعدون، في حديث مع “العربي الجديد”، حدوث “وقفات احتجاجية ينضم إليها نشطاء المجتمع وأهالي الأسرى والمغيبين”، مستبعداً حدوث “انتفاضة” ضد “قسد” أو ضد تنظيمات تابعة لها، لافتاً إلى أن “الشارع غير جاهز لذلك”. ودعا سعدون، قائد “قسد” مظلوم عبدي، إلى “تدخل المباشر” في ما يجري، و”إيقاف حملة التحريض والمناوشات الإعلامية والتحشيد”، كما دعاه إلى “طمأنة عائلة الأمين وتشكيل لجنة مستقلة من الحقوقيين ووجهاء المجتمع والمنظمات المدنية والمختصين بالقانون لكشف ملابسات الجريمة التي وقعت”. كما طالب سعدون بـ”كشف مصير المفقودين والمغيبين والمعتقلين إما بإطلاق سراحهم، أو تقديمهم لمحكمة شفافة وعلنية، وإيقاف جميع ممارسات الاعتقالات خارج القانون ونطاق إجراءات العدالة”، معتبراً أن “غير ذلك، فإن الفتنة باتت قاب قوسين أو أدنى”.
وتأتي حالة الاحتقان والغليان الشعبي في خضم تطبيق اتفاق وُقّع في يناير الماضي نصّ على دمج قوات قسد وكل الجهات التابعة لها في المنظومة الحكومية السورية، أجريت حتى اللحظة عدة خطوات مهمة منه، آخرها كان تعيين سيبان حمو، قائد وحدات “حماية الشعب” الكردية، العماد الرئيسي لـ”قسد”، بشكل رسمي، معاوناً لوزير الدفاع (مرهف أبو قصرة) عن المنطقة الشرقية في الحكومة السورية.