2022 عام المرأة التي قادت انتفاضة شعب… إيرانيات يسقطن الأبارتايد الجنسي  المصدر: النهار العربي اسطنبول – أحمد دغاغله

 المصدر: النهار العربي
اسطنبول – أحمد دغاغله
متظاهرة في مانهاتن بنيويورك تتضامن مع الاحتجاجات الإيرانية.(رويترز)
 2022، عام استعصت فيه على النظام لملمة حصاده، فما زالت الشوارع في معظم المدن الإيرانية مضطربة، ويُظهر المحتجون إصراراً بالغاً على مطالبهم، ويكشّر النظام، في المقابل، عن أنيابه أكثر فأكثر بغية الإرهاب وبثّ روح الخوف عند الجماهير المستاءة. عام كان ملتهباً في مجمله، وقد يذكره التاريخ بالعام الفاصل بين ما كانت إيران عليه وما يشهده هذا البلد في السنوات المقبلة.
طالع النظام كان نحساً في 2022، إذ بلغ سوء الأوضاع في البلد أكثر التوقعات تشاؤماً، فالمفاوضات النووية شهدت توقفاً ويصعب التنبؤ بموعد جديد لإعادة الخوض فيها، والعقوبات استمرت بضغطها على الاقتصاد الإيراني المصاب أساساً بمرض الفساد العضال، والريال الإيراني فقد من قيمته ما يقرب من الثلث خلال الأشهر القليلة الماضية.
عام لم تفرغ فيه الشوارع تقريباً من حضور الشرائح المستاءة، معلّمين ومتقاعدين وعمّالاً ومزارعين، فالتقت فيه جداول الغضب بعضها ببعض، وتراكمت وراء حجب أسدلها النظام منذ أكثر من أربعة عقود، ليتستر بها على واقع الحياة المزري في إيران، لتتعالى صيحات الغضب وفشل النظام في إسكاتها، سواء كان بالترغيب أم بالترهيب.
وكأن بالنظام استشعر منذ بداية العام بلوغ مستويات خطيرة من الغضب، فحاول أن يسبق الجماهير إلى الشارع  بنشره دوريّات الأخلاق، مستعرضاً قوة قمعه وقدرته على الردع، فبادر بالحرب بشنّ هجمة على المرأة، ظناً منه أنها أضعف الحلقات المضطهدة، وطالبها بالمزيد من التقيّد بالحجاب الإلزامي، وجاءت المفاجأة بهجمة مرتدة من الشعب انطلقت بنبأ قتل جينا (مهسا) أميني على يد شرطة الأخلاق، والتي تلتها موجة من الاحتجاجات هي الأطول والأوسع في تاريخ النظام.
هو عام رُسِم بلون ثورة المرأة وإصرارها الفريد على تحقيق مطالبها رغم مئات القتلى وآلاف الجرحى والمعتقلين، حتى أصبح شعار “المرأة، الحياة، الحرية”، أيقونة الثورة وعنواناً رئيساً للعام.
“النهار العربي” التقى عدداً من الناشطات الإيرانيات، سائلاً إياهنّ عن حصاد بلدهنّ لعام 2022.
المرأة نقطة التقاء المضطهدين
 ليلا سيّاح، إعلامية وناشطة أحوازية تقول: “امرأة، كرديّة، شابّة، سنّية، كلّها سمات اجتمعت في جينا (مهسا) أميني، إنّها عناوين لفئات مضطهدة التقت على اختلافها في أولى ضحايا الثورة، والتي شهدت طهران بقتلها هَزّة تلتها هزّات ارتدادية كبيرة في كلّ من بلوسشتان وكردستان، بل في عموم إيران، فأصبح النّظام على كف عفريت، فحقاً 2022 كان عام لالتقاء المضطهدين في إيران.
وبتصريح حكومي  أو من دونه انتهى العام بسقوط إلزامية الحجاب للمرأة، ومعه كُشف الحجاب عن أصناف الاضطهاد والفساد والتمييز في إيران، فحُفّزت شرائح مختلفة على الانضمام إلى ثورة أصبحت لا ترضى بأقل من إطاحة النظام بكليّته، إنّها ثورة قد تشهد الكثير من الكرّ والفرّ، لكنّها لن تتوقف حتى تترك أثراً بالغاً في واقع الحياة الاجتماعية والسياسية في هذا البلد”.
 
عام لمكاسب الشعب الصّلبة
كتايون كشاورز، ناشطة نسويّة ومحللة اجتماعية، ترى أنه “عام شهد فيه النظام خسائر باهظة، وفي المقابل حصدت فيه الشعوب الإيرانية مكاسب كثيرة، سيكون العديد منها صلباً وعصياً على الذوبان في بوتقة أي نوع كان من الاستبداد، كما تغيّرت صور نمطيّة كثيرة في الوعي الإيراني، ومنها صورة البطل، فبعدما كان الرجل طيلة تاريخ الشرق بطل الملاحم، شهدت هذه الثورة فتاة في 16 من عمرها وهي تعتلي سقف سيارة وتقود مسيرة من آلاف الرجال والنساء.
وإنّه عام سقطت فيه الهالة عن مُحرّمات كثيرة، فظهرت النقاشات في قضايا الشعوب، والمرأة، ومجتمع الميم، والأديان والمذاهب، وسُمِح لكل شريحة برفع راية تمثّل كيانها، ومع تعدّد حضور الأعلام بدأ مشوار الاعتراف بوجود الآخر، وسمعت في أرجاء إيران دوي انهيار جدران الكراهية العازلة، والتي سعى النظام إلى بنائها طيلة العقود الماضية بغية العزل بين مختلف الشرائح والشعوب والطوائف”.
عام اللاءات الكبيرة
 تقول سئويل سليماني، أستاذة علم الاجتماع: “عام قال فيه الشعب لاءات عديدة، أكبرها كانت في وجه إلزامية الحجاب، وهو القانون الذي أراد له النظام أن يكون أداة تنكيل بالشعب وتأطيره بحسب مقاييس أيديولوجيته المغلقة، فمنذ عام 1979 أي مع بدء حكم ولاية الفقية أراد النظام من اللباس الموحّد، ولا سيما للمرأة، تنميط المجتمع وقمعه وفرض السيطرة عليه، وعلى هذا فالرفض الشعبي لإلزامية الحجاب تعدى ليكون لاءً كبيرة للمنظومة القمعيّة ومطالبة جادة بالحقوق الفرديّة والحرّيات الاجتماعية.
سيكون عام 2022 مبدأً تاريخياً لحرب يستنزف فيها النظام آخر ما تبقى لديه من مؤهلات البقاء، فبرأيي كُتب النجاح للثورة الإيرانية حتى الآن، إذ نجحت فعلياً في خلق وعي جديد، والإتيان بجيل أكثر ثقة بالذات، متمتعاً بقدرة الاعتراض والرفض وإبداء الرأي، وهي حصيلة ما عاد يمكن لمنظومة قمع النظام أن تقتلعها، وكما سار الربيع العربي من بلد إلى آخر في المنطقة، ستكون للثورة الإيرانية انعكاسات إيجابية على دول الجوار أيضاً”.
عام لتكلّل نضال المرأة
عواطف الأسدي ناشطة في حقوق المرأة تقول: “بعد أسابيع فقط من مجيء النظام إلى سدة الحكم (1979)، بدأ نضال المرأة في إيران، فخرجت مئات الآلاف من النساء مندّدات بالمواد القانونية التي أقرت الأبارتايد الجنسي في إيران، إذ أصبحت المرأة في ظل قانون النظام مواطناً من الدرجة الثانية، ليس لديها حق حضانة أطفالها، ولا حق الطلاق، ولا الدية الكاملة، وحتى العمل والدراسة والسفر كلها أصبحت مرهونة بيد الرجل.
 في تلك السنوات من بدايات عمر النظام، فشلت المرأة في استرعاء الانتباه، إلا أنّ نضالها استمر لأكثر من أربعة عقود حتى تكلّل في عام 2022 بتأييد شعبي منقطع النظير، فتحولت المرأة إلى حلقة وصل تربط جميع الفئات المضطهدة، وهي اليوم تطمح إلى تغيير المنظومة المجتمعية بأكملها، ولا تكتفي بإصلاح قانون دون آخر، فالغاية اليوم هي المساواة بين الجميع”.