
غلاف كتاب “ما بعد الأمم، إقامة النظام العالمي وتفكيكه” للروائي والكاتب البريطاني رانا داسغوبتا (اندبندنت عربية)
ملخص
“يذهب داسغوبتا، وهو كاتب ليبرالي، إلى أن ليبرالية القرن الـ18 أنقذت الدول الأوروبية من الانزلاق إلى العنف الديني، فأعطى ذلك للدولة القومية مكانة معنوية لا تزال تحظى بها منذ ذلك الحين (فدونما قيود ليبرالية على احتكارات الدول للعنف، يكون الطريق مفتوحاً لمستويات فادحة من الحرب والقمع الداخلي… لكن الأفكار الليبرالية الجوهرية الآن -من قبيل المساواة والديمقراطية والتقدم- تتهاوى أمام الواقع الاقتصادي)، فما الذي يجب فعله؟”.
في هذه اللحظة من تاريخ العالم، إذ تتجدد منافسة القوى العظمى بعدما حسبها كثر انتهت بنهاية حقبة الحرب الباردة، وحيث تشير كتابات كثيرة إلى أن هذه المنافسة ستزداد استعاراً، وإذ تتحرك دول العالم طوعاً أو كرهاً إلى تكتلات تقسم العالم إلى جنوب وشمال بعد طول انقسامه إلى شرق وغرب، وإذ يسري إحساس بأن حدثاً هائلاً يقترب، يظهر كتاب جديد ينظر من زاوية محددة، نهاية الدولة القومية، وعنوانه “ما بعد الأمم، إقامة النظام العالمي وتفكيكه” للروائي والكاتب البريطاني رانا داسغوبتا.
في استعراض للكتاب (إنديان إكسبريس-الـ17 من فبراير/ شباط 2026) كتب نيميش دوبي وأكريتي رانا أن حجة داسغوبتا هي أن “النظام العالمي كما نعرفه الآن غير قابل للدوام، وأنه في حاجة إلى تغيير فـ(الدولة القومية عاجزة حتى على المستوى النظري عن إدارة الواقع مثلما سبق وأدارته، إذ تضررت كثيراً قدرتها على تحقيق التقدم والرفاه للإنسان)”.
وتابعا “يشير إلى أن النظام القائم مائل ناحية من يمتلكون الموارد، ويركز السلطة في أيدي القلة، ويعجز عن تلبية الحاجات الأساس لكثير من الناس، والأهداف المحركة للدول القومية اليوم تتعلق بالسلطة والأرباح، وتلك أهداف شديدة البعد من المثل التي جعلت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية تبدو حقبة تفاؤل وحرية”.
يكتب داسغوبتا أن “نظام الدولة القومية القائم فينا قد فقد مقامه ومكانته، ففي فترة وجيزة أدى استنزافه للأرض وللعقول والأجساد البشرية إلى إزاحة شعور التقدم وإحلال القلق من المستقبل الغائم بدلاً منه”.
ويرصد كتاب “ما بعد الأمم” كيفية وصولنا إلى الحال التي وصلنا إليها، متعمقاً في الماضي، وناظراً في نسخ مختلفة من الأنظمة العالمية وأنظمة الحكم والسيادة، وذلك “بحس شبه أكاديمي. فهو ليس كتاباً يسير القراءة، لكنه من الكتب التي ينحيها القارئ جانباً بعد بضع صفحات ليتأمل في ما قرأه ويفكر فيه”.
يكتب دوبي ورانا “على مدى قرابة 500 صفحة، يمثل الكتاب دراسة لأنظمة الحكم التي أفضت إلى نشوء الدولة القومية الراهنة، منقسماً إلى أربعة أقسام كبيرة تدور حول الدول أو الإمبراطوريات التي نشأت في أربع أمم كبرى، فرنسا التي كان الإله أو الألوهية فيها القوة الدافعة، وبريطانيا التي لعبت فيها الملكية -وتوسعها ونهبها- دوراً أساسياً، ثم الولايات المتحدة التي كان القانون فيها هو دافع الرأسمالية التي مهدت الطريق لإضفاء الشرعية على طلب الربح وسيطرة الشركات، والقسم الرابع يتناول الصين التي أقامت نظامها بحيث تستفيد أقصى استفادة مما قدمته الطبيعة من الموارد مع محاولة توسيع هذا النموذج إلى الخارج”.
كتب برايان أبليارد (إغلسبرغ أيدياس-الـ26 من فبراير 2026) أن الدول القومية لم تكن قط جزءاً طبيعياً أو ثابتاً في نظامنا العالمي، وأن انحدارها بسبب التحولات التكنولوجية قد يكون في نهاية المطاف خبراً سعيداً.
يقول “في عام 1945 كانت لنا دواع كثيرة للسرور. فبدفع من أميركا، بحسب ما يكتب داسغوبتا، أفرزت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية ’توسعاً مذهلاً في المساواة والديمقراطية والأمن المادي‘، وبدا ’الظرف شديد الثبات والدوام، بما جعل فلاسفة السياسة يغلقون كتبهم، فما من فصل تالٍ في الطريق‘، بعدما حصلنا على ’النهاية السعيدة وآن لأوجاع التاريخ أن تتوقف‘”.
ويضيف “ما أفدحه من خطأ وقعنا فيه. فقد استمرت الحروب وإراقة الدماء بلا هوادة. ولا تزال الوحشية تسيطر على مليارات البشر سواء في روسيا التي أفقرها بوتين أو الصين التي أثراها شي جينبنغ ثراءً سريعاً، بل إن أميركا نفسها تتداعى إلى نظام استبدادي هزلي عقيم، بينما يستولي أصحاب الثروات الطائلة من المصرفيين وعمالقة التكنولوجيا على السلطة”. وعلى رغم ذلك كما يكتب أبليارد “يبقى إيماننا عميقاً بأننا نعيش على حد تعبير لينبنتز ’في أفضل العوالم الممكنة‘، وذلك فقط لأننا لا نعرف البديل”.
“غير أن من يقرأ كتاب ’ما بعد الأمم‘ تتبدد أوهامه هذه”. يكتب داسغوبتا أن الدولة القومية ليست جزءاً ثابتا من الطبيعة، “إنما هي شكل إداري حديث نشأ من التنافس بين الدول الأوروبية… وهو راسخ في أنظمة أخرى أكبر، أهمها النظام الرأسمالي”. والنقطة الأساس هنا، بحسب أبليارد، هي أنه “ليس في الدولة القومية ما هو قاطع أو حتمي. من المؤكد أنها شديدة النجاح، لكن بفضل هذا الكتاب، يمكننا أن نرى أنها مأزومة وأنها قد تختفي. لكن المدهش أن الكتاب ينتهي نهاية سعيدة”.
“يذهب داسغوبتا، وهو كاتب ليبرالي، إلى أن ليبرالية القرن الـ18 أنقذت الدول الأوروبية من الانزلاق إلى العنف الديني، فأعطى ذلك للدولة القومية مكانة معنوية لا تزال تحظى بها منذ ذلك الحين ’فدونما قيود ليبرالية على احتكارات الدول للعنف، يكون الطريق مفتوحاً لمستويات فادحة من الحرب والقمع الداخلي… لكن الأفكار الليبرالية الجوهرية الآن -من قبيل المساواة والديمقراطية والتقدم- تتهاوى أمام الواقع الاقتصادي‘، فما الذي يجب فعله؟”.
استهلت الباحثة القانونية والتاريخية ليندا كينستلر استعراضها للكتاب (ذي نيو ستيتسمان – الرابع من مارس/ آذار 2026) بأن إرنست رينان نبه خلال عام 1882 إلى أن “الدول ليست أبدية. فكلها كانت لها بداياتها، وكلها ستنتهي”. لكن متى قد يحدث هذا، وما الذي قد يعقبه؟ رأى رينان أن عالم دول القرن الـ19 سينزاح في نهاية المطاف مفسحاً المجال لاتحاد أوروبي، لكن الوقت لم يحن بعد لتحول كهذا. وحينما كتب مقالته الشهيرة ’ما الأمة‘ رأى أن استمرار وجود الأمم يمثل في الوقت الراهن ’أمراً طيباً، بل ضرورة‘، فالأمم كيانات روحية تحددها إرادات أهلها، لا الفئات القاسية الجامدة من قبيل العرق واللغة والدين والمصلحة والجغرافيا. وفي رأيه أن الأمم موجودة لتوحيد روح الشعب، ولحماية حرياتها، ولضمان حقوقها. ولحظة ألا يكون الحال كذلك، رأى رينان أن تشكيلات سياسية جديدة ستظهر لا محالة”.
يعلن داسغوبتا في كتابه الجديد أن هذه اللحظة حانت أخيراً، إذ يكتب أن “نظام الدولة القومية يقصر عن غالب المفاهيم البديهية المتعلقة بالمساواة والعدالة” فلم يعد النظام “ضامناً للحقوق والحريات الشخصية بل إنه تهديد لها. ويحذر داسغوبتا من ’أننا معرضون لخطر فقدان الحمايات التي تراكمت على مدار عقود، بل وقرون، من النضال، لنجد أنفسنا عرايا سياسياً‘. فالدول اليوم أقرب ما تكون إلى آلات إدرار للربح، والمواطنة سلعة تجارية، وحقوق الإنسان تآكلت، والديمقراطية تنحسر. واليبرالية (وهي دين الدولة القومية الحديثة) فقدت غوايتها، وما اعتناق أميركا الواضح للإمبريالية إلا تهديد ببزوغ عصر ظلام جديد”.
في رأي داسغوبتا أن هذه التحولات تعني خيانة كبيرة للصفقة الكبيرة القائمة بين الدولة والفرد على توفير الحرية الشخصية في مقابل السيادة. وضمن مقالة حديثة في مجلة “ذي ييل ريفيو” يذهب داسغوبتا صراحة إلى أن الدولة تصبح “أكثر أو أقل توافقاً مع مصالح مواطنيها بحسب صعودها وهبوطها على السلم الاقتصادي. وبموجب هذه المعادلة الغريبة تقترب الولايات المتحدة الآن – وقد بلغت قمة الهيراركية العالمية – من أقصى درجات عدم التوافق حسب قوله. وليس هذا ناجماً فقط عن نزوات ساكن المكتب البيضاوي الحالي، ولكن بسبب فقدان السيطرة على التوزيع العالمي للموارد، فهي مهددة من قوة شركاتها التي اتخذت القانون أداة استغلال وإخضاع، ولأنها لم تعد ضامنة لأن يكون العمل مصدر الدخل لمواطنيها. وفي عالم داسغوبتا، فإن نهاية النظام العالمي الليبرالي -أي النظام الأميركي- تعني أيضاً فقدان ’نظام الدول القومية‘ ما له من ’احترام قانوني‘. وهو يرثي لانحرافنا عن الفكرة الكانطية القائلة بأن العالم يتألف من دول مستقلة تكون (اتحاداً تنتظمه مبادئ قانونية تتحدد بموجب مدونة مشتركة للقانون الدولي)”.
يذهب داسغوبتا، بحسب ليندا كينستلر، إلى أنه لإنقاذ الدولة القومية ووعدها بالتحرر، “لا بد أن نفهم كيف اختل الأمر إلى هذا الحد. ولكي يتحقق ذلك، فإنه يعرض علينا سلاسل نسب متداخلة للدولة الحديثة، فيتعقب تطورها من فرنسا القرن الـ13 إلى أميركا الحرب الباردة والصين المعاصرة وكل ما في الأثناء. وتحفل سرديته بالتفاصيل، والنوادر التاريخية… فيحكي داسغوبتا قصة مقبضة لتطور الدولة القومية، ذاهباً إلى أنها كانت تعد تشكيلاً سياسياً تحريرياً ثم باتت مشروعاً رأسمالياً إجرامياً، ومحركاً للاستحواذ والسيطرة. والحل الذي يقترحه لتلك الورطة ليس بالتخلي عن النظام وإنما بالأحرى بأن ’نعيد بناء أنظمتنا المتداعية، في صورة أخرى‘”. فكيف يكون ذلك؟ كيف نعيد البناء؟
تأسف ليندا كينستلر لعدم طرح “ما بعد الأمم” مخططاً مقنعاً لإعادة تصور النظام الدولي. “فالموضوع الذي يشير إليه عنوان الكتاب لا يجري تناوله تفصيلياً إلا في الفصل الختامي، إذ يطرح داسغوبتا سلسلة من الأفكار التأملية والطوباوية التقنية لما قد يكون عليه شكل النظام العالمي الجديد، فهو يتصور مجتمعاً عالمياً من (المواطنين الرقميين) لا يشار في بطاقات هوياتهم الرقمية إلى بلدهم الأصلي، ويقترح أن يطرح التكامل الدولي عالي التقنية (طرقاً جديدة لقطع الكهرباء عن الحكومات غير الشرعية) دونما أدنى تفكير في المدنيين الذين قد يبقون عالقين في الداخل.
ويحذر محقاً من أن “حكم الآلات” قد ينحو منحى استغلالياً يوجب علينا منع الشركات من الاستيلاء على الذكاء الاصطناعي. لكنه يحلم أيضاً بعالم يكون لنا فيه “أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على مراقبة خيارات مجتمع كامل” ينشئ فيه المواطنون الرقميون “مجموعة محترمة من القوانين الدولية” وتقلل فيه الدول من الفوارق الصارمة بين المواطنين وغير المواطنين، ويجري جمع الضرائب عبر ما يعرف بسلسلة الكتل [بلوكتشينblockchain]، وينتشر (لاهوت جديد) في الكوكب كله و(عملة كبرى، مدعومة بطاقة متجددة، وموارد نادرة أخرى)”.
تكتب ليندا كينستلر أن قائمة أمنيات داسغوبتا المثالية تطول، وأنها “صارخة التنافر مع الواقع”، لكنها تعلق بأن “هذا هو المغزى”. وعلى رغم اتفاقها البادي معه، فإنها تبدو أشد منه نزوعاً إلى الراديكالية إذ تكتب أن “داسغوبتا مُحق في الدعوة إلى تجديد الإبداع السياسي، لأجل الأمل لا بسبب اليأس. لكن إصراره على أن هذه الابتكارات يمكن أن تتعايش مع غالب عناصر النظام القائم، إذ المواطنة الرقمية تنشأ “بالتوازي مع النظام القائم”، وحيث التقنيات الجديدة تكمل البنية الأساس السياسية الفاسدة لدينا، لا يوحي بالثقة. يمكن بالطبع أن تطبق الدول بعض هذه الإجراءات، بل لقد فعلت دول كثيرة هذا بالفعل. لكن أنظمة الهوية الرقمية تتعرض لانتقادات كبيرة في ظل التهديدات الأمنية الواضحة وآليات المراقبة، وفي الهند وكينيا وجمهورية الدومينيكان، تبين للباحثين أن هذه الأنظمة قد ترسخ حالة انعدام الجنسية بما يجعل الأقليات أكثر عرضة للعنف والعدائية. وفي حين أن تجربة تايوان مع الحكم الخوارزمي قوبلت باحتفاء في الصحافة، لكن من السهل تماماً أن نتخيل أنظمة الذكاء الاصطناعي لمراقبة الرأي وقد حُولت إلى أسلحة ضد الشعب”.
“ثمة ماض يتصور داسغوبتا الرجوع إليه في مقترحه، فيبدو أن لديه حنيناً غريباً إلى عالم لم يكن له وجود قط. وبحسب توثيقه، فإن شرط الدول جميعاً هو أن تنشأ من ’مصادرة هائلة‘، وأن القانون الدولي نشأ في جانب كبير منه لتبرير الهيمنة الإمبريالية والاستغلال. أما القومية، مهما بلغ منشؤها من الرومنتيكية، فكانت مصحوبة دائماً بتهديد سيف مسلول. ويكتب داسغوبتا بإعجاب عن القومي الإيطالي خلال القرن الـ18 غيسيبي مازيني الذي حلم بشبكة كوزموبوليتانية من الأمم يربطها ’قانون الإنسانية‘، وكان يرى أنه لا بد من ثورة لتحقيق هذا الاتحاد. ويحمل داسغوبتا الراية فيدعو إلى إنشاء نظام جديد للقانون الدولي. ويذهب إلى أن هذا القانون الجديد لا يمكن استلهامه من الدول ’فالدول هي المجرمة على حد تعبيره‘ وإنما من الأفراد”.
تقر ليندا كينستلر بأن القانون الدولي يستحق إعادة النظر منذ أمد بعيد. “فقد ذهبت الباحثة القانونية يسرا سويدي على سبيل المثال إلى أن الأفراد يجب أن يتمكنوا من المثول أمام محكمة العدل الدولية ليتسنى الاعتراف بحقوق الأفراد لا الدول القومية فحسب… لكن الرضوخ للقانون الدولي كان دائماً مسألة إرادة سياسية، وفي غياب قوة شرطة عالمية لن يتغير هذا الوضع”.
وتمضي ليندا كينستلر فتنهي مقالتها عن الكتاب بأن “رانا داسغوبتا حكاء، يسعى بكتابه إلى حكي قصة أفضل لكيفية إنقاذ ’أشكال السيادة‘ المحررة. وشأن رينان، يحاول داسغوبتا أن يوقظ ’الضمير الأخلاقي‘ لعصره. فقد نفذ كلا الرجلين إلى المستقبل وأراد إيجاد مخرج من هذا المأزق. فكان المخرج عند رينان هو السماح للتاريخ بأن يمضي في مساره، إذ قال ’لنتريث قليلاً أيها السادة، ولنترك عهد القساوسة للزوال، ولنحتمل ازدراء الأقوياء‘، فسيبزغ أخيراً فجر جديد تكتسب فيه آراء الشعوب قيمة مرة أخرى. ويقوم ’ما بعد الأمم‘ على مثل هذه القناعة، لكن رؤية داسغوبتا لمستقبل الدولة تفتقر إلى كثير. فالحلول الطوباوية تبدو جوفاء في الأزمنة الدستوبية. والدولة القومية الحديثة نشأت تحت نير الإمبراطورية بعد كفاح كثير ودمار وتنازل، وسوف يصدق هذا على التحول الجذري القادم مهما تكن طبيعته. وإلى أن يأتي هذا اليوم، ليس لنا إلا الرجاء في أن تكون البلايا المنتظرة سريعة، وفي أن نتدبر الحكمة اللازمة لتجاوزها”.
عنوان الكتاب: After Nations: The Making and Unmaking of a World Order
تأليف: Rana Dasgupta
الناشر: William Collins
