فدوى العبود .كاتبة.
.
.فدوى العبود…………..هل تتغير اللغة؟ بمعنى آخر، هل تتحلل وهل يشبه فسادها التدهور المادي الذي نراه للأشياء؟
كان النقاش في القسم السابق من كتاب “عنف اللغة” (*) لمؤلفه جان جاك لوسركل منصبًّا على فكرة “المتبقّي” الذي يظهر عبر اللغة من استعارة وهذيان وإشراقات صوفيّة، وهو يشرِّح التخريب الذي يطاول الجانب النحويّ للغة من قبل الهامشيّ والمنسيّ؛ ما يمنحها بُعدها الخلاّق الذي يحاول النظام اللغوي الاجتماعي تحييده. ليأتي هذا الجزء كاستمراريةٍ من حيث توقفنا في المقال السابق، وكي نتابع التنقيب مع لوسركل لا عن ممكناتها الشعرية المذهلة فحسب، بل عن مغاور عنفها وظلامها. وهنا تنقلب الآية إذ تنتقل اللغة “مما هو فردي إلى ما هو اجتماعي، فيتكلم الإنسان بفم الجموع والعشيرة، والقبيلة والمذهب أو السلطة”.
ويوضح جان جاك لوسركل معنى كلمة فساد وتحلّل، “إذ أن فساد الأجسام يعني فناءها وفساد الروح هو الانحراف أو فقدان الشرف في منصب، أما في اللغة فالتدهور يكون في استعمال الكلمات”.
وهنا وعوضًا عن الاعتماد على الأدوات التحليلية للعلم البنيويّ، كما رأينا في الجزء السابق من المقال، سيعتمد المؤلف على قراءة الظرف التاريخي لينتقل من تحليل العنف المادي وهو عنف لغوي مباشر، إلى العنف الاجتماعي غير المباشر الذي تتسم به الإهانات والتلميحات والألفاظ ذات القوة التحقيقيّة، وهو يستند في تفسيره إلى “علم التأثيل والاشتقاق”، إذ يخبرنا هذا العلم عن القصة الحقيقيّة للكلمات، من خلال تبيان علاقتها بمجال الحقيقة.
وأولى تمثّلات العنف اللغويّ، تظهر في العلاقة بينها وبين الخطاب السياسيّ حيث يجري “استغلالها من قبل الظالمين في نزاعهم لتأكيد سيطرتهم وهيمنتهم”، كما أن هناك نوعين من الكلمات بعضها لا معنى له وأخرى ملتبسة وهي برأيه في الحالين “محركات للزيفِ والظلم”.
وفي العنف السياسيّ، “نرى أحد الخصمين يناضل لكي يستولي على كلمات خصمه، ولحرمانه منها” وفق المبدأ “كيّف وسائلك اللغويّة مع غاياتك، وقم بطرد عدوّك من ساحة المعركة الكلاميّة”، وفي هذا الخصوص وبالنسبة لرؤية هورن توك فأن يناقض اثنان أحدهما للآخر في الوقت الذي يتحدثان به عن الحقيقة فهذه نظرية سياسية أو (لاأدريّة).
وفي رواية “1984” للروائي البريطاني جورج أورويل يظهر بوضوح كيف يطاول الفساد اللغة ويعطي البقاء للغة ميتة. إذ تعقّب في روايته أساليب السلطة في إفقار اللغة بجعلها متناقضة وغير منطقية ومباشرة. وسيادة نمط تفكير يتناقض فيه الإنسان مع نفسه، ويعجز عن الحكم المنطقيّ كما يفقد حسّه الأخلاقي والجماليّ لصالح نوع من “الكيتش” الذي تزرعه السلطة في قلب اللغة، إذ تظهر كلمات جديدة وتتغير الدلالة. فالفساد حيث تكمن السلطة في الكلمات، وفيه لا يتكلم الإنسان بل إن “اللغة تتكلم”. لأنها باعتقاد جان جاك لوسركل “هي الحارس أو الوصي الرئيس لذاكرة الأمة، لكنها وصي لا يمكن الركون إليه، إذ أنه يدلّس على الذين هم تحت وصايته ويسلبهم ميراثهم”.
كما يتطرق إلى تكاثر اللهجات، وأنواع الخطاب، والأساليب، وترسب الظروف الماضية، وكتابة العداوات التاريخية، واستجوابات المتكلمين، والأدوات المتضمّنة في الممارسات اللغوية (كالمدارس ووسائل الإعلام).
وتحت عنوان “عنف اللغة المادي، اللغة والجسد”، يشرح كيف تكون اللغة جسمًا ويستعيد رواية قرأها في صغره يصف فيها كيف “يؤدي الصوت المنبعث من صدر البطلة الكبير إلى تكسّر عدة قطع زجاجية”، وهنا يؤخذ العنف بمعناه الحرفيّ: “جسدٌ هو اللغة، يخترق جسدًا هو الزجاج”.
فاللغة تفعل وتدمر للأفضل أو للأسوأ، أيضًا قد تسبّب الألم ولا نقصد هنا الحزن، بعبارة أخرى: “إنها صلة الوصل بين الجسد والعقل”؛ وأبلغ مثال في هذا الخصوص هو السحر إذ تحاول اللغة استخدام كل عنفها. ويستعرض المؤلف كتاب فافريه سعادة “السحر في الغابة الصغيرة” إذ يقوم الساحر الطيب بردِّ السحر عن الشخص عبر تلقي الكلمة التي ألقاها عليه الساحر الشرير، كما أن التراث الرسمي في فرنسا وعلى الرغم من التمدن والعقلانية لا يزال يؤمن بالسحر وأهم أشكاله كوخز الدمى بالإبر والرقي والتمائم.
“إن النظرة المثالية للّغة ترى فيها تبادلًا للمعلومات، والحوار بين الناس يجب أن يقوم على أسس منصفة، واحترام وجهة نظر الآخر، وإخلاص للنيّة في الفعل الكلامي. لكن يبدو مما تقدم أن اللغة لا تعمل بهذه الطريقة”
وفي هذا السياق يصف الكاتب دوران المشاعر بين شخصين من حقدٍ وحسدٍ وحب، في موقف من التواصل لا يمكن تجنبه، ولا يمكن تحمله، موقف مواجهة – بين مُرسِل أو معتد ومُرسَل إليه- وهي مواقف كما يصفها علماء النفس “يشكل فيها حتى الشخصان زحامًا ضيقًا، ولا يعود بوسع أحدهما تحمّل الآخر، إذ يتمنى الشخص الموت لأقرب الناس، فموقف التواصل يعيد إنتاج بنية المواجهة فالعاطفة العنيفة لا تنفصل عن الكلمات التي تنقلها حيث يجري الصراع ليس عبر اللغة بل باللغة”.
ويطاول العنف علاقة الكاتب بلغته، إذ أن الكتابة مشروع ينطوي على أخطار وهي مشحونة بدفعات من الطاقة النفسية والعاطفيّة لأنها باعتقاده “تنطوي على علاقة انتهاكيّة، بل حتى سفاحية بين الكاتب ولغته الأم”، إنه يكتب عن أمه وضدها، ليتخلص من قلق التأثير وهو لا ينظر إليها “كوسيلة للتعبير عن المعتقدات والمشاعر، بل من خلال مفهوم التحريم، فهي اتحاد وانفصال في آن واحد”.
فاللغة ليست حيادية، بل هي مجموعة من الكلمات المشحونة بقوة الرغبات والأحقاد، الحب ومشاعر الذنب، ومن كل ذلك يتشكّل الأسلوب أو بمعنى أدق “يتشكل نتيجة الانفصال والنزاع بين لغة الكاتب الخاصة، واللغة الأم التي يحاول الاستيلاء عليها”، ويصف شنايدر ذلك بقوله “إنّ الاستيلاء يعني أيضًا التدمير”.
ويمثل أدب فرانز كافكا هذا العنف الاجتماعي الذي يقع على اللغة وهذا الافتقاد للحدود، وكافكا كيهودي تشيكي لا يكتب بلغته، فأرض لغته ليست مستقرّة، فبطله الذي يرمز له بحرف “ك” ليس بطلًا ولا شخصية بل ترتيب آلي وجمعي. كما يحلل المؤلف رواية “تيس سليلة دربرفيل”(**) لـ توماس هاردي، حيث تصطدم في أسلوبه اللهجة الرئيسّية بلهجات صغرى. كما يظهر عنف اللغة في التناقض اللغوي للشخصية، والتفكك الأسلوبي في هذه الرواية هو أفضل طريقة للتعبير عن العنف اللغوي، فهناك أصوات كثيرة تتكلم في وقت واحد، وهذا التفكك هو الطريقة الوحيدة للتنفيس عن غضبه حيال العنف الجسدي، وأيضًا العنف الاجتماعي واللغوي.
وعبر تحليل المحاورة التي تدور بين أليس والملكة والملك وبقية المخلوقات في بلاد العجائب المسحورة؛ تكشف رواية “أليس في بلاد العجائب” (***) عن هذا العنف، فالمنطق ليس قواعد تستخدم للتفكير المترابط والنقاش العقليّ، بل وسيلة لدحر الخصم.
وفي المحاورة نحن أمام عدة احتمالات تخص المتحاورين “إما أن المحاورة هدفها طرد الخصم وتراجعه لحالة غضب، أو تتماشى مع الاستراتيجية حيث يكون الكلام كتكتيك ليس أفضل من الصمت، فهو غالبًا ما يعبر عن موقع ضعف فالذي يتكلم يدرك موقع الآخر، أي يصبح عبدًا له؛ كما أن اللغة – في حالات كثيرة- لا توصل معلومات بل رغبات، وأوّل هذه الرغبات أن يكون المتكلّم موضع اعتراف وهو ضروري للوصول إلى اعتراف الآخرين”.
تظهر في تحليل لوسركل رؤيته للغة كسلاح، يعمل لمصلحة الأقوى وهنا يظهر كل عنفها، إذ تنتهي “أليس” بأن تقول للملكة والبقية: “لستم سوى مجموعة من أوراق اللعب”، حينها تكون البطلة الشابة قد أتقنت قواعد المحاورة كحرب.
في القسم الأخير وهو بعنوان: “اللغة والحقيقة والخيال”، يناقش الكاتب منبع العنف في اللغة والذي يأتي من علاقتها بالحقيقة، إذ يروي حكاية زوج غيور (مخطئ في غيرته) يستأجر تحريًا خاصًا ليراقب حركات زوجته، وينبش في ماضيها، لكن يحدث أن يجد أنها كانت مغرمة برجل كان مرتبطًا بفتاة ماتت هي الأخرى. وبعد ذلك انفصل الحبيبان، ويظهر الحبيب السابق في المشهد ليحذّر الزوجة لكنهما يقعان في الحب من جديد.
إن تأكّد الزوج الغيور حوّل الباطل إلى حقيقة، وهي حقيقة مميتة حيث يحتل الموقع الثالث كما كانت الحبيبة السابقة للرجل. وينتهي الأمر بالعشيقين إلى أن يقررا قتله، ولكنه يموت صدفة في حادث فيقرران بدل ذلك أن ينفصلا، ولكي ينفصلا كانا يحتاجان لموت هذا الحي.
ينتهي لوسركل للقول “إنّ اليقين الغيور قوّة تمارس في الأجساد، وهي تحوّل الخطأ إلى حقيقة”، فاللغة تحمل هذا العنف المدمر، لأنها تحمل آثار حقيقة مضى زمنها، وهنا لا نتحدث عن حقيقة واقعيّة بل رغبة الشخص التي لا يمكن الوصول لها إلاّ عبر الخيال.
إن النظرة المثالية للّغة ترى فيها تبادلًا للمعلومات، والحوار بين الناس يجب أن يقوم على أسس منصفة، واحترام وجهة نظر الآخر، وإخلاص للنيّة في الفعل الكلامي.
لكن يبدو مما تقدم أن اللغة لا تعمل بهذه الطريقة، “فأنت قد لا تقول ما في نفسك، وقد لا تعني ما تقول، وقد تكذب وتحارب بالنابِ والمِخلب، طالما كانت تلك الأساليب تناسب مصلحتك”. ويمكن القول إن لوسركل في هذا الكتاب وكما يصف نفسه قدم الأرضية التجريبيّة لعبارة هايدغر “اللغة تتكلم” لأن اللغة في نظره “هي أرض العجائب الوحيدة، وما فعله هو القرع على باب حديقةِ هذه الأرض”.
* كاتبة سورية.
إحالات:
(*) جان جاك لوسركل، عنف اللغة، ترجمة: محمد بدوي، المنظمة العربية للترجمة.
(**) توماس هاردي، تيس سليلة دربرفيل، تعريب فخري أبو السعود.
(***) لويس كارول، أليس في بلاد العجائب، ترجمة سهام بنت سنية وعبد السلام.