إبراهيم العريس باحث وكاتب
إبراهيم العريس
ملخص
كان جرجي زيدان لا يرى أي تعارض بين أن يكون عثماني الهوى، وعربي الهوية، ورسالته بعث إلى واحد من ابنيه، أواخر عام 1914، وهو على فراش الموت ، تضعنا في إطار اختياره المزدوج هذا
نعرف طبعاً أن جرجي زيدان حين رحل عن عالمنا في عام 1914 لم يكن ليدري أن الأعوام القليلة التالية – المليئة بنيران الحرب العالمية الأولى – ستشهد نهاية الإمبراطورية العثمانية وبداية الحلم العربي ثم انهياره (بشكل شق طريقه نصفين… وأكثر في أيامنا هذه).
فالرجل كان في ذلك الحين، وعلى رغم كل شيء، لا يرى أي تعارض بين أن يكون عثماني الهوى، وعربي الهوية، في الوقت نفسه.
ولعل قراءتنا لبعض فقرات رسالة بعث بها إلى واحد من ابنيه الأخيرين، أواخر عام 1914، وهو على فراش الموت تقريباً، تضعنا في إطار اختياره المزدوج هذا، إذ يقول في الرسالة: “… إن أهم ما يشغل الناس في هذه الأيام أنباء الحرب، والناس يأملون في أن ينتصر العثمانيون، مع أن هذا بعيد التحقق، لكن الله على كل شيء قدير… والعثمانيون يبدون حزماً وشجاعة في الحرب، مما لا يمكن معه انتظار الأفضل في الظروف الحالية. وتسري في بنغازي حالياً منشورات سرية ضد الطليان، بينما رحماني ونيازي ونشأت، وبعض الضباط العثمانيين الآخرين، يعملون على توحيد العرب واتفاقهم حول سيدي محمد السنوسي الموجود حالياً في بنغازي (…). وإذا انتهت الحرب بانكسار العثمانيين سأكون محطماً من العذاب والخيبة، لأنني لا أستطيع أن أقبل انتصار الغاصب والمحتل. ليتك ترى كيف أخوك شكري متحمس لانتصار العثمانيين، حتى إنه يتابع أنباء الحرب على حساب تخلفه عن دروسه. وهو يقول إن الأوروبيين يستخفون بالعرب فيما عليهم أن يعرفوا حقيقة تاريخ العرب وإسهاماتهم في الحضارة. وإنني فخور جداً وسعيد جداً بحماس أخيك للعثمانيين، باعتبار أن هذا ما يمليه عليه واجبه الذي أنشأتكم أنا عليه. وأملي كبير أن ينصر الله العثمانيين في هذه الحرب، وأن تستعيد حكومتهم مكانتها بين سائر الحكومات…”.
نحو أمة عربية
واضح أن هذا الكلام الذي يبدو أشبه بالوصية السياسية، يتنافى إلى حد ما، مع الصورة التي كان يمكن أن ترسم للوهلة الأولى لجرجي زيدان. وقد تبدو مفاجئة للكثيرين، غير أن تبحراً في كتابات زيدان وأعماله وتاريخه، لا يمكن أن يفضي إلى غير هذه الصورة. وحسبنا في هذا السياق على أية حال أن نقرأ له نصاً كتبه لمناسبة أخرى قد يبدو متعارضاً مع هذه “الوصية”، إذ يقول في افتتاحية العدد الأول من مجلته “الهلال” (أول سبتمبر/ أيلول 1892)، أي قبل رسالته لابنه بـ22 سنة ما يفيد حقاً بأن النهضة العربية كانت هي ما يهمه أولاً وأخيراً.
وفي هذا الإطار لم يكن من قبيل الصدفة أن يتلازم الماضي والحاضر والمستقبل في عمل جرجي زيدان وتفكيره، هو الذي آمن بماضي الأمة العربية وأدرك أن العرب لن يمكنهم أن يتعاطوا مع الحاضر للوصول إلى المستقبل إلا إذا فهموا الماضي. ومن هنا اشتغاله على كتابة روايات تاريخ الإسلام، وهذا ما يجعل كاتب سيرته الأميركي توماس فيليب يوضح الأمر على النحو الذي يؤكد أن جرجي زيدان كان “ضمن خط فكري لا يحيد عنه”.
ففي رأيه أن جرجي زيدان كان يعي أن عليه رسالة عربية نهضوية تنويرية يجب أن يؤديها. من هنا فإنه في كل ما أنتجه كان يخدم غرضاً له علاقة بيقظة العرب. وحول هذا الأمر بالذات يقول كاتب سيرته أن “زيدان قد جاء في مرحلة اليقظة العربية عند أواخر القرن الـ19 فكان أحد أبرز المساهمين والمشاركين في تلك المرحلة. ولعل أبرز مسألتين خاض فيهما زيدان ووقف عليهما معظم إنتاجه، مسألة التأقلم العربي مع الحياة العصرية الجديدة التي كانت أوروبا تدخلها إلى العالم العربي، ومسألة الإبقاء على الهوية العربية.
بيد أن زيدان لم يكن في رأي فيليب يرى تعارضاً بين العروبة والإسلام، “وهو في هذا الإطار كان يرى أن النهضة العربية في تطورها الفعال وصولاً إلى الاستقلال العربي، تستدعي الإبقاء على الإمبراطورية العثمانية، بدلاً من تعريض العرب إلى صدمة الالتقاء السياسي والعسكري بأوروبا، في وقت كانوا لا يزالون فيه غير معدين لتلقي تلك الصدمة بما يكفل استفادتهم منها، مع إبقائهم على هويتهم في الوقت نفسه”.
والحقيقة أن هذه النظرة هي التي يمكنها تفسير موقفه الإيجابي من السلطنة العثمانية، حين نراه، في معرض رده على ما أثير من انتقاد من قبل عدد من اللبنانيين السوريين له من أنه كان شديد التحفظ، حتى بالنسبة إلى الانقلاب العثماني يقول: “إنها فئة تعجلت استثمار الدستور، فهي تريد أن تصير المملكة العثمانية، التي قضت قرنين في حالة الاحتضار ونهب مالها، وأجدبت أرضها وأظلمت مدنها، وتخربت طرقها وشوارعها وفسد كل شيء حتى أخلاق أهلها، واختل نظام اجتماعها، وفرق التعصب بين طوائفها ومذاهبها، تريد هذه الفئة من المنتقدين أن تصير هذه المملكة في سنين قليلة مثل أرقى الممالك في أوروبا، وهو مستحيل. ومن هنا تحفظي”.
“سوري” في مصر
ولد جرجي زيدان عام 1861 في بيروت لأسرة أتت أصلاً من حوران في الجنوب السوري، وهو كان في الخامسة من عمره حين أرسله أبوه ليتلقى دروساً أولية في مدرسة صغيرة يدرس فيها أستاذ مفرد لصغار الحي، في غرفة هي أشبه بالقبو، بحسب ما يروي في مذكراته. ولكن، إذ أبدى جرجي الصغير ذات يوم امتعاضه معلناً أنه يفضل المهنة على الدرس، صدمه أبوه بأن قرر له أن يكون إسكافياً. وهكذا عاد إلى الدراسة صاغراً، إذ وصل إلى الكلية السورية ليدرس الطب وكان ما كان، مما قطع دراسته الطب، وأرسله إلى مصر.
وفي مصر أبدل جرجي زيدان توجهه من الطب إلى الفكر، والصحافة خصوصاً، ذلك أنه في القاهرة قيض له أن يدخل المجال الصحافي حين كلف، بفضل علاقته الجيدة بمتنوري الجالية السورية وما أظهره من همة وموهبة في الكتابة، بتحرير جريدة “الزمان”. وفي عام 1884 التحق بالحملة الإنجليزية – المصرية على السودان مترجماً، مما أتاح له أن يجمع من المال بعض ما أعاده إلى بيروت مرة أخرى، إذ حقق حلماً قديماً لديه يتمثل في دراسة اللغات القديمة، ولا سيما العربية والسريانية. وهو ختم ذلك بتأليف كتاب “الفلسفة اللغوية” الذي سافر إثر إنجازه إلى فرنسا وإنجلترا، قبل أن يعود إلى مصر، حيث استقر نهائياً.
العروبة والإسلام… أسباب التلازم وعوامل الفراق
من العروبة السياسية إلى العروبة الثقافية
“غزو” أم “فتح”؟… الدولة العثمانية في ميزان مصر والعراق والشام
من “الهلال” إلى “البدر”
وفي مصر، من جديد هذه المرة، حرر زيدان في “المقتطف” ووضع عدداً من مؤلفاته المبكرة مثل “التاريخ العام منذ الخليقة حتى الآن”، و”تاريخ مصر الحديث”، و”مختصر تاريخ ممالك آسيا وأفريقيا”، و”تاريخ الماسونية”. ثم في عام 1892 حدثت النقلة المهمة والمزدوجة في حياته الفكرية، إذ إنه في العام نفسه نشر الحلقة الأولى من سلسلة “روايات تاريخ الإسلام” بعنوان “المملوك الشارد”، وأصدر العدد الأول من مجلة “الهلال” التي لا تزال تصدر في مصر حتى يومنا هذا، وأعلن منذ العدد الأول أن “الغاية التي نرجو الوصول إليها، إقبال السواد على مطالعة ما نكتبه، ورضاؤهم بما نحتسبه، وإعفاؤهم عما نرتكبه، فإذا أتيح لنا ذلك كنا قد استوفينا أجورنا فننشط لما هو أقرب إلى الواجب علينا. أما موضوع مجلتنا فمقسوم إلى خمسة أبواب: ‘أولاً: باب أشهر الحوادث وأعظم الرجال، ثانياً ‘باب المقالات’، ثالثاً ‘باب الروايات’، وسندرج فيه من الروايات ما كان على مثال ما كتبناه مما هو تاريخي أدبي ممثل لعوائد الشرقيين وحوادثهم موافق لأذواقهم خال من الحوادث الأجنبية والتسميات الأعجمية، ورابعاً ‘باب تاريخ الشهر’، وهو يشتمل مجريات الشهر الغابر في سائر أنحاء العالم، ولا سيما مصر وسورية ملخصة من أصدق صحف الأخبار، وأخيراً وخامساً ‘منتخبات من الأخبار والتقريظ والانتقاد وغير ذلك'”.
وختم زيدان “فاتحته” قائلاً: “وقد دعونا مجلتنا هذه بـ’الهلال’ لثلاثة أسباب، أولاً تبركاً بالهلال العثماني الرفيع الشأن شعار دولتنا العلية أيدها الله، ثانياً، إشارة لظهور هذه المجلة مرة كل شهر، وثالثاً، تفاؤلاً بنموها مع الزمن حتى تندرج في مدارج الكمال، فإذا لاقت قبولاً وإقبالاً، أصبحت بدراً كاملاً بإذن الله”… المصدر اندبندنت عربية