سوسن جميل حسن .كاتبة سورية
.سوسن جميل حسن
تم تطوير مفهوم القوة الناعمة من قبل عالم السياسة الأميركي جوزيف ناي في الثمانينيات. وهو يعارض “القوة الصلبة”، التي تمثل القوة العسكرية والاقتصادية لدولة ما للسيطرة أو الهيمنة على الأمم الأخرى. القوة الناعمة هي بالأحرى تأثير ثقافي وأيديولوجي، يمكّن دولة ما من ممارسة جاذبية على الآخرين بدون اللجوء إلى الأسلحة. ويرى أنه تم اختراع نظرية الأنظمة لفهم كيف يمكن أن يكون العالم مستقًرًا في غياب قائد عالمي، ويؤكد أن الولايات المتحدة لم تتوقف أبدًا عن كونها اللاعب الدولي الأكثر قوة، وبالتالي، فإن القوة الناعمة ستكمل القوة التقليدية القائمة على الإكراه (القوة الصلبة) وستكون اليوم الشكل الأكثر أهمية من القوة، لا سيما بسبب الاضطرابات المرتبطة بالعولمة.
بالنسبة لـ جوزيف ناي، فإن الأمر يتعلق بنموذج جديد من القوة في الحياة السياسية الدولية المعاصرة، والتي لا تعمل على نمط الإكراه (الجزرة والعصا)، بل على نمط الإقناع، أي القدرة على جعل الآخر يرغب في نفس الشيء الذي نريده. فالقوة الناعمة أو قوة الإقناع تعتمد على موارد “غير ملموسة” مثل الصورة أو السمعة الإيجابية لدولة ما، ثقافتها، وأفكارها الدينية، السياسية، الاقتصادية، الفلسفية، وإشعاعها العلمي والتكنولوجي، وهذا مهم جدًا بالنسبة لما تنوي هذه المقالة الإشارة إليه.
القوة الناعمة في مواجهة القوة الصلبة
إذا كانت القوة الصلبة تتمثل بشكل أساسي في القوة العسكرية أو الاقتصادية لدولة ما تستخدمها للهيمنة على الأمم والشعوب الأخرى، فإن القوة الناعمة هي أدوات ذات تأثير ثقافي وأيديولوجي، يمكّن دولة ما من ممارسة جاذبية على الآخرين بدون اللجوء إلى الأسلحة أو السيطرة بالقوة أو بالإكراه، بل إلى ما تحمل من القيم والسياسات، تعتمد أدوات غير الأدوات الحربية أو القدرات العسكرية مثل الدبلوماسية العامة، والتبادلات الثقافية، وبرامج التعليم والتدريب، بالإضافة إلى المجال الفني.
الفن والموسيقى والأدب والسينما والطعام، من أدوات القوة الناعمة المؤثرة من خلال تعزيز صورة إيجابية لأمة أو شعب. في هذا ربما يمكننا القول إن الشعوب العربية تمتلك بعضًا منه بشكل يمكن الاعتماد عليه، إنما ليس بالشكل المؤسساتي أو الرسمي الذي يمكن أن يكون من الصادرات الثقافية لدولنا، لكن لا يعدو أن يكون قصص نجاح فردية لمواطنين من هذه الدول عاشوا في الخارج واستفادوا من الإمكانات المتاحة بين أيديهم هناك في تكوينهم المهني والعلمي والمعرفي وأخذوا فرصهم فيها، أما بالنسبة لبقية عناصر القوة الناعمة، فيمكن القول إنها شبه معدومة أو غير صالحة بشكلها الحالي للاستخدام، فمن ناحية التعليم والتبادل الطلابي بين الجامعات، جامعاتنا في غالبيتها لا تستطيع المنافسة ولا تحتل إلا درجات متدنية في سلم التقويم عالميًا، ومن ناحية المعلومات ووسائل الإعلام فإن المؤسسات الإعلامية في الغالب غير مستقلة، وتتبع الأنظمة الحاكمة في معظمها، وهي مؤدلجة من أجل تحقيق أجندات الأنظمة أو مشغليها، وهي، إلا في ما ندر، غير احترافية وغير متابَعة عالميًا، وبالتالي فإنها بلا جدوى في هذا المضمار. ومن ناحية الدبلوماسية والعلاقات العامة، فإن دولنا، في أفضل حالاتها واستقرار أنظمتها السياسية، لا تستطيع امتلاك مستوى إبداعيًا من الديبلوماسية ما دام أنها غير مستقلة في قراراتها وسياساتها، وغارقة في مشكلاتها مع شعوبها، ومرتبطة مع جهات خارجية، فهي عندما تمارس الديبلوماسية إنما تمارسها وفق أدوار مطلوبة منها ومرسومة لها بدقة، وغالبًا ما تلعب دور الوساطة وفق هذه الأدوار في حل النزاعات المتنوعة والمتوافرة بكثافة في مناطقنا. وإذا كان للجيوش أن تشكل القوة “الصلبة” ذات التأثير الرادع على الخصوم المحتملين، وبالتالي خلق الظروف اللازمة وفتح الطريق أمام الدبلوماسية والتفاوض (القوة الناعمة) لحل النزاعات، فإن جيوشنا في مجموعها تنتمي إلى أكثر الجيوش شراء للأسلحة في العالم، من دون أن يُسمح لها بأن تكون قوة صلبة أو رادعة، بل إن بعض هذه الجيوش قد دمرت كما حصل في سورية في استنزاف قدرات الجيش العسكرية بتوريطه في حرب أهلية، ثم جاءت إسرائيل لتدمر ما تبقى من قدرات بعد سقوط النظام البائد.
وفق هذه الظروف الحاكمة واقع الشعوب العربية، لا يمكننا التفاؤل بقوة صلبة أو ناعمة تنشئها الدول والحكومات، تطورها وترعاها وتستخدمها في التأثير وضمان موقع لها بين الأمم في ركب المسيرة الإنسانية، ولا يمكنها العمل على تحقيق طموحاتها وفق مفهوم “القوة الذكية” الذي قدمه جوزيف ناي، ويوصي باستخدام استراتيجي ومتوازن لموارد القوة الصلبة والقوة الناعمة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية بشكل فعال، فلا دولنا دول مؤسسات ولا صاحبة قوة صلبة على الرغم من امتلاك بعضها جزءًا مهمًا من أدواتها “كالقوة الاقتصادية” على سبيل المثال، وليست قادرة على التأثير الأيديولوجي في عصر الحريات والديمقراطيات وحقوق الإنسان، وفي واقع تمدد حركات التطرف الديني والسلفية الجهادية ومحاولتها فرض أفكارها وشرعتها.
نموذج عن حالات القوة الناعمة اليتيمة
لكن، وعلى الرغم من هذه السوداوية الواقعية، تبقى هناك حالات مشرقة في فضاء الإنسانية، إنما هي في الواقع تجارب فردية، يمكن القول عنها إنها “يتيمة” ما دام أنه ليست هناك مؤسسات رسمية أو دول تتبناها، هؤلاء “الأيتام” يمكن أن يصنعوا الفارق المطلوب فيما لو اجتمعوا وشكلوا أسرة وتبناهم آباء، فيرفعون الصوت عاليًا ليدوّي في أرجاء العالم ويقض مضاجع النائمين عن معاناة هذه الشعوب المقهورة، أكبر مثال عليها وعلى احتضار الضمير العالمي حربُ الإبادة في غزة.
لا يمكن الحديث عن “القوة الناعمة” المرجوة ـ ما دمنا لا نملك الحد الأدنى من القوى الأخرى ـ من دون الحديث عن فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنيّة.
صحيح أن الفيلم لا يُصنف بشكل أكاديمي تحت ما يسمى “القوة الناعمة”، ولكنه يمتلك فاعلية حضورها وربما أكثر، خاصة إذا تابعت السينما العربية، وبقية أشكال الثقافة والفنون على النهج نفسه، بإحداث صدمة ضمير ووعي في العالم، فهي أدوات مهمة للتعبير عن القضايا الإنسانية، وأهمها حاليًا، بل رمزها القضية الفلسطينية. فما تحدثه هذه الأدوات، كما فعل فيلم “صوت هند رجب” في مدة زمنية لا تتجاوز مدة عرض الفيلم، لم تستطع الأدوات الإخبارية (على أهميتها وتعدادها) خلال سنوات طويلة، وأهمها فترة الحرب الحالية على غزة، بما أثارت من تضامن شعبي على مستوى العالم، في الوصول إلى مستواه. فقد خلق الفيلم عاصفة من التفاعل والتقدير والتصفيق والتأثر. وحقق على الفور أول بصمة لتأثيره ولفت النظر والوعي اللازم بالقضية الفلسطينية.
“ما تحدثه هذه الأدوات، كما فعل فيلم “صوت هند رجب” في مدة زمنية لا تتجاوز مدة عرض الفيلم، لم تستطع الأدوات الإخبارية (على أهميتها وتعدادها) خلال الحرب الحالية على غزة في الوصول إلى مستواه”
“هو الفيلم الذي ستظل فينيسيا 82 في الذاكرة من أجله”، هذا ما قاله الصحافي ألكس ترامبلي في تحقيق عن الفيلم منشور في موقع “ليبر ميديا” في 4 سبتمبر/ أيلول. الفيلم الذي حظي بالأسد الفضي لمهرجان البندقية. والمخرجة التونسية كوثر بن هنية كانت قد حققت حضورها المميز في عالم السينما بأفلام لاقت اهتمامًا كبيرًا من النقاد والإعلام، مثل “الجمال والوحش” و”الرجل الذي باع جلده” و”أربع بنات”، مما جعلها واحدة من المخرجين المرموقين في العالم، إلا أن لهذا الفيلم ما يميزه من أساليب إخراجية دمجت بواسطتها التوثيقي بالمتخيل، ليخرج هذا النص السينمائي الدرامي فائق التأثير، ببلاغته في إظهار العنف والوحشية الإسرائيلية، من دون المبالغة في تصوير العنف، كما قال كثير ممن حضروا الفيلم، بل كانت تكفي الإشارات، كصوت الطفلة وهي تستغيث وتتوسل المساعدة والإنقاذ وهي تحت جثث أقربائها الكبار الذين كانت تشعر بالحماية بينهم، في سيارة ثقّبها رصاص الاحتلال. استطاعت المخرجة، المسكونة بالعواطف الإنسانية، أن تظهر الجنود الإسرائيليين بوحشيتهم وجبروتهم ورسالتهم الدموية بأن الفلسطيني الوحيد المقبول وجوده هو الفلسطيني “الميت”، فلا تكف آلة القتل عن استهداف الغزيين بشتى الوسائل. فيلم أظهر للعالم أن هذا حدث، ويحدث كل لحظة، بينما العالم لم يفعل شيئًا. فيلم يعيد الاعتبار الإنساني للضحايا الذين جعلهم الإعلام المتواطئ مع الرواية الإسرائيلية ليسوا أكثر من أرقام، لكن صرخة الطفلة هند ورجاءها اللذين انطلقا من الشاشة إلى فضاء العرض إلى العالم كله، نبّها ضمير العالم وأيقظا إنسانيته.
كوثر بن هنية، عبر فيلمها هذا، حوّلت السينما إلى “سلاح”، إنما سلاح “قوة ناعمة”، وأعادت الإنسانية للذين تسلبهم الصراعات إنسانيتهم. صرّحت بأنه يمكن للسينما، بقدرتها على التقاط الوجوه والأصوات، أن تتصدى لبرود الروايات الإعلامية التي تتحدث عن “الآثار الجانبية”. تجعل هذا الاختيار السردي للفيلم عملًا من أعمال المقاومة الفنية.
من الجدير بالإشارة إليه أن هذا الفيلم برسالته أقنع شريحة كبيرة من الشخصيات البارزة والمؤثرة في عالم السينما، فربح دعمهم، وهذا أمر مهم جدًا، مثل براد بيت، خواكين فينيكس، وروني مورا، بالإضافة إلى المخرجَين ألفونسو كوارون وجوناثان غلازر. مشاركتهم تضيف إلى الفيلم طابعًا دوليًا ومصداقية فنية لا يمكن إنكارها. كذلك خلال العرض في فينيسيا، قدحت شرارات أخرى مؤثرة بوجود خواكين فينيكس (المعروف بتعدد مواهبه وإبداعاته عدا التمثيل) الذي جاء لدعم المشروع، مما زاد في جذب الانتباه إلى هذه المأساة الإنسانية. وربما يشكل حضور هذه الشخصيات، وأخرى عديدة غيرها من النخب الثقافية العالمية ودعمها الفيلم، عتبة ملهمة للسينما العالمية تدفعها لإظهار معاناة الفلسطينيين واستباحة حقوقهم وحياتهم وكرامتهم في روايات سينمائية جديدة تشكل دعمًا للقوة الناعمة التي يتوخاها المنجز الإبداعي الإنساني في مواجهة قوى الاستكبار والهيمنة “الصلبة” على العالم، وتدحض رواياتها أيضًا.
أمام هذا الدعم والاحتفاء بالفيلم، والأثر البالغ الذي تركه في نفوس الحاضرين، والدقائق التي أمضاها الجمهور، وهي أكثر من عشرين دقيقة، واقفًا يشعل مكان العرض بالتصفيق، لا بد من الاعتراف بقيمة وضرورة هذه الأدوات من “القوة الناعمة” المؤثرة، فهذا الفيلم الذي دخل العالمية، لم يكن قصة فتاة صغيرة، أو مأساة طفلة تحرك المشاعر الإنسانية قاطبة فحسب، بل هو قصة شعب بأكمله يسعى للاعتراف بقضيته وحقوقه التي تغتصب منذ عقود، بل يحث على إعادة التفكير بالسردية الإسرائيلية. ويطرح الأسئلة من قبيل لماذا تبدو بعض الأرواح أقل قيمة في التغطية الإعلامية فتُمسخ إلى أرقام؟ هذه المسألة، التي يثيرها الفيلم، تدعو إلى تفكير جماعي.
لقد دوّى صوت الطفلة المغدورة برصاص وحشية الاحتلال في مدينة البندقية، واستطاع أن يجعل العالم يلتقط استغاثة الطفولة، وهزّ ضمائر الكثيرين، فهل يمكن له أن يدوم طويلًا ما لم يجتمع بأعمال أخرى من عائلته “الأيتام” ليشكل قوة حقيقية في وجه الهيمنة الإسرائيلية التي تعتمد القوة الصلبة بأقصى ما وصل إليه الخيال المدمر للبشرية، وما لم يكن هناك آباء رسميون (حكومات وأنظمة) يتبنون هذه الأعمال العظيمة الفردية؟ هل سيشكل فيلم “صوت هند رجب” فاتحة هذه القوة بشكل رسمي بعد عرضه المقرر في تونس في السابع عشر من سبتمبر/ أيلول الجاري؟
إن المنظمات غير الحكومية، من دون دعم حكومي، لا يمكنها أن تسد هذا الفراغ، ولكن مع الأسف، فإن هذه المنظمات، أو المجتمع المدني، جميعها محاصرة من قبل السلطان السياسي والاجتماعي والديني لدى شعوبنا. لذلك يمكن القول إن منظمي “القوة الناعمة” ومطوري أدواتها بإمكاناتهم الفردية، وإبداعاتهم التي ترقى إلى مستويات عالية، هم “الجنود المجهولون” فلندعمهم ولنحمِ إبداعهم.