تبدو تجربة الأحزاب السياسية في سوريا، الممتدة لأكثر من قرن، أبعد من مجرد مساهمة في تشكيل مسار الدولة أو تحديد علاقة المجتمع بالنظام السياسي، وأعمق من محاولات النهضة وتعزيز التنوع الاجتماعي. فقد اتسمت هذه التجربة، خاصة في ظل حكم الأسد الأب والابن خلال العقود الماضية، بعمل منظم ودؤوب على حشد الأيديولوجيا والولاءات المناطقية، بعيداً عن هوية وطنية جامعة.
اليوم، وبعد سقوط نظام الأسد الابن، وبينما تبرز ملامح “سوريا الجديدة” بطموح كبير وقلق عميق، تبدو إعادة قراءة هذا الإرث ضرورة ملحّة. فالمراجعة النقدية لما قدّمته تلك الأحزاب، من إنجازات وأخطاء، تساعد على تجنّب السياسات التي كرّست الاستبداد وأضعفت فرص بناء دولة المؤسسات. إنها خطوة دالة نحو تأسيس نظام سياسي أكثر عدلاً وديمقراطية، يقوم على مبادئ المواطنة، ويحترم التنوع، ويحتضن جميع مكونات المجتمع.
دور الأحزاب
إلى ذلك، يقول الباحث مزيد الكريدي في حديثه لـ”963+” إنه رغم الانتقادات التي وُجهت لتجربة الأحزاب القومية والدينية في سوريا، إلا أنّها مارست أدواراً تاريخية لا يمكن تجاهلها. فقد ساهمت في إحياء الهوية والانتماء الوطني والقومي، وشكّلت أدوات تعبئة شعبية ضد الاستعمار ودعمت حركات التحرر الوطني. كذلك وفّرت فضاءات مهمة للمشاركة السياسية في ظل غياب المؤسسات الديمقراطية، وأسهمت في تشكيل مجتمع سياسي حاول تمثيل السوريين والسوريات خارج حدود الانتماءات الطائفية أو المناطقية، وذلك من خلال طرح رؤى فكرية وتنظيمية وبرامج سياسية متقدمة تتعلق ببناء الدولة، والعدالة الاجتماعية، والإصلاح الزراعي، والتعليم، والتنمية.
ومع ذلك، يلفت الكريدي إلى أنّ هذه الأحزاب ارتكبت أخطاء جسيمة ينبغي الحذر منها في أي تجربة سياسية مستقبلية. فقد كان أبرزها تسييس الهوية عبر ربط الولاء السياسي بالانتماء الديني أو القومي، وهو ما أدى إلى انقسامات داخلية. كما تعاملت بعض هذه الأحزاب مع سوريا ككيان مؤقت، ريثما تقوم الأمة العربية أو الإسلامية أو سوريا الكبرى بحسب الرؤية الأيديولوجية الخاصة بها.
ويضيف الكريدي موضحاً أنّ استخدام بعض الفاعلين السياسيين للعنف كأداة لإقصاء الخصوم أسهم في عسكرة الحياة العامة وزرع ثقافة العنف، وهو ما أسّس لدولة أمنية قمعية. داخلياً، افتقرت الأحزاب إلى بنى ديموقراطية حقيقية داخل تنظيماتها، مما أفرز قيادات سلطوية غير خاضعة للمحاسبة، وكرّس ثقافة التسلط وغياب التداول داخل المؤسسات الحزبية.
ويبين الباحث السوري أنّ تجربة حزب البعث جسّدت هذا المسار بشكل صارخ، إذ ساهمت في تكريس نظام شمولي قائم على دولة الحزب الواحد، مع هيمنة كاملة على الاقتصاد والتعليم والتنمية والسياسة. وقد أدى ذلك إلى تصحّر الحياة المدنية والسياسية، وتآكل الفضاء العام، مما فتح المجال أمام صعود الولاءات الطائفية والمناطقية، وانتهى بتحول حزب البعث إلى أداة للسيطرة السلطوية الفردية، ففاقم الانقسامات الداخلية تحت غطاء الوحدة الشكلية.
ويستنتج الكريدي أنّ أحد أبرز دروس فشل التعددية السياسية بعد الاستقلال كان غياب ثقافة التفاوض والمساومة السياسية، والافتقار إلى القدرة على بناء توافقات وطنية. إذ تناحرت الأحزاب على السلطة، بدل التوصل إلى عقد وطني جامع، الأمر الذي جعل الانقلابات العسكرية خياراً أكثر جذباً من الانتخابات الديموقراطية.
وفي ضوء هذه التجارب، يخلص الباحث إلى أنّ بناء نظام سياسي ديموقراطي في سوريا الجديدة يقتضي أولاً التأسيس لعقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة بوصفها أساس الانتماء، لا الطائفة أو الأيديولوجيا. وهذا يتطلب العودة إلى مجال السياسة، وبناء مجتمع سياسي يمثل المصالح الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للسوريين على أساس برامج وطنية. كما يستوجب إشراك النخب والمثقفين وقوى المجتمع المدني، ودعم تشكيل أحزاب وطنية ديموقراطية، لا أذرع أيديولوجية أو عسكرية. ويجب أن تكون الدولة بدورها محايدة تجاه الانتماءات، ضامنةً للحقوق الفردية لجميع المواطنين، والحقوق الجماعية للمكونات، دون فرض أي شكل من أشكال الولاء.
ديمومة الاستبداد
من جانبه، يقول الأكاديمي السوري عبدالله تركماني في حديثه لـ”963+” إنّ استخلاص دروس تجربة الأحزاب السياسية في سوريا المعاصرة يقتضي استبصار الآثار المدمّرة لديمومة الاستبداد على مدى ستة عقود (1963 – 2025)، حيث تجسّد ذلك من خلال الخطاب الشعبوي والاعتقالات التعسفية بحق النشطاء السياسيين، إضافة إلى قصور وعي هذه الأحزاب، على اختلاف تنوعاتها القومية والإسلامية واليسارية.
ويشير إلى أنّ تلك الأحزاب ظلت أسيرة أيديولوجيات شمولية بطبيعتها وبنيتها وتوجهاتها، وإن اختلفت حواملها الاجتماعية وشعاراتها المعلنة، إذ بقيت في تضاد مع الفكر الديموقراطي، ومعايير الدولة الحديثة، وحقوق الإنسان. وأوضح أنه بعد التغيير الذي جرى في 8 كانون الأول/ديسمبر، بات من الضروري أن تتجه هذه الأحزاب جميعها إلى بناء تحالفات واسعة، وصياغة برامج ذات توجهات ديمقراطية، بما يسهم في تأسيس الدولة الوطنية السورية الحديثة.
كما ينبّه تركماني إلى أنّ الثقافة الدينية الماضوية السائدة ما تزال تعيق التواصل بين المكوّنات الاجتماعية السورية، لأنها مشغولة بالنقل، وحبيسة إرثٍ وتأويلاتٍ مكرّسة منذ مئات السنين.
ويخلص تركماني إلى أنّ النجاح في عملية الانتقال نحو دولة الحق والقانون يتطلب القطيعة مع ثقافة الشعارات التي أنهكت السوريين طوال ستة عقود، والتركيز بدلاً من ذلك على التعاطي المجدي مع تحديات الحاضر والتخطيط للمستقبل، على قاعدة الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية. وهذه المبادئ لا يمكن أن تتحقق إلا عبر التوافقات بين مختلف التيارات الفكرية والسياسية العاملة تحت سقف الوطنية السورية الجامعة.
ويختتم مؤكداً أنّ أولوية “سوريا الجديدة” تقتضي إعادة السياسة إلى المجتمع، بما يمكّن قواه الحيّة والفاعلة من الدخول في حوار صبور ومتروٍ حول قضايا الشأن العام، بعيداً عن الشعارات الطنانة، وذلك للعودة إلى جوهر السياسة القائم على التفاعل والتبادل والتسويات.
بدوره يوضح الكاتب السوري محمد حلاق الجرف في حديثه لـ”963+” أن الحياة السياسية في سوريا لم تتوقف منذ الاستقلال عام 1946، وبين أنها رغم ما مرّت به من فترات طويلة من الاستبداد، استطاعت الأحزاب التكيّف مع الواقع بدرجات متفاوتة. وأشار إلى أن هذه الأحزاب تمحورت حول ثلاثة تيارات أساسية: الديني، والقومي، واليساري.
ويوضح أن هذه التيارات لم تكن نابعة من الداخل السوري بشكل أصيل، بل كانت امتداداً لمشاريع خارجية.
ويخلص الجرف إلى أن هذه البنية جعلت معظم الأحزاب تنظر إلى سوريا كجزء من مشروع أكبر، لا كوطن نهائي قائم بذاته، وهو ما حال دون تشكّل نموذج “الدولة-الأمة” الذي يُعد شرطاً أساسياً لبناء المواطنة والديموقراطية…
المصدر موقع ٩٦٣