سجون تعذيب سوريا التعافي لا يبدأ إلا بمواجهة ملف التعذيب
ميشال شماس.. محامي سوري
التعذيب والقتل تحت التعذيب، من أبشع الجرائم التي يمكن أن يرتكبها الإنسان، فكيف إذا ارتكبت من مكلفين بحماية الأمن والنظام. فحين تتحول أدوات الحماية إلى أدوات قهر، يصبح المجتمع كله رهينة للخوف، وتُنسف أسس القانون والعدالة. هذه الجرائم لا ترتكب في لحظة غضب؛ بل تمارس بسبق إصرار، داخل مؤسسات يفترض أنها تمثل الدولة، وتنفذ بحق مواطنين مجردين من أي حماية. إنها ليست فقط إهانة للكرامة الإنسانية؛ بل إعلان عن انهيار المنظومة الأخلاقية التي يفترض أن تحكم العلاقة بين الدولة والمجتمع. التعذيب لا يدمّر الضحية وحدها؛ بل يفسد من يمارسه، ويشوّه صورة الوطن، ويزرع ثقافة الخوف والانتقام بدلاً من الثقة والعدالة.
والتعذيب في سوريا لم يكن مجرد تجاوز أخلاقي أو سلوك فردي منحرف؛ بل جريمة ضد الإنسانية، مورست على نطاق واسع وعلى نحوٍ ممنهج داخل مؤسسات الدولة في عهد نظام الأسد المخلوع. آلاف الشهادات والتقارير وثّقت الممارسات الوحشية، من تعذيب نفسي وجسدي، وإذلال متعمد، وحرمان من الحقوق الأساسية. هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، ولا تغتفر. بوصفها جرائم ثقيلة على الذاكرة الوطنية، لا يمكن تجاوزها إلا بالمحاسبة والاعتراف، وبناء مؤسسات جديدة تضمن عدم تكرارها.
مناسبة هذا الحديث اليوم، هو ازدياد الحديث عن حالات التعذيب والقتل تحت التعذيب سواء في مناطق سيطرة قسد، أو في المراكز الأمنية التابعة للحكومة السورية الانتقالية، فقبل أيام قتل الشاب “الطيب أحمد الساجر” تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة لـ”قسد”، بعد اعتقاله بأيام، حيث سلّم جثمانه لعائلته يوم الجمعة الماضي، وهو من أهالي قرية حويجة شنان شرقي الرقة. وقبلها بيومين قتل شابان تحت العذيب في المراكز الأمنية التابعة للحكومة السورية، أحدهما يدعى عطالله صالح الفياض، قتل في دمشق، وقد اعترف الناطق باسم وزارة الداخلية بمقتله، وأعلن توقيف الفاعليْن، وإحالتهما للتحقيق. أما الثاني، فيدعى “ميلاد الفرخ” من وادي النصارى غربي حمص، قتل تحت التعذيب في السجن البولوني بحمص، السيء الصيت منذ أيام نظام الأسد.
تكرار هذه الحوادث يؤكد أن آلة القمع والتعذيب، لم تسقط بسقوط نظام الأسد الإجرامي؛ بل استمرت في المراكز الأمنية التابعة للسلطة الجديدة. وهذا يستدعي إعادة نظر جذرية في تشكيل أجهزة الأمن والشرطة، وإعدادهما. فالأمن لا يبنى بالسلاح وحده؛ بل بالمعرفة والاحترافية وفهم حقوق الإنسان. والعناصر الأمنية يجب أن تكون مدربة ومؤهلة للتعامل مع الناس، وحل مشاكلهم، وحماية المجتمع، لا لترويعهم أو إذلالهم.
ما يثير القلق العميق في هذا المشهد هو أن بعض الذين ذاقوا التعذيب في عهد الأسد، وعاشوا أهواله جسداً وروحاً، باتوا اليوم يصمتون أمام تكرار الجريمة نفسها. هذا الصمت لا يمكن تفسيره بالخوف، ولا تبريره بالرهان على التغيير التدريجي؛ بل هو تواطؤ ضمني مع الجريمة نفسها، حين يغضّ الطرف عنها بذريعة أن الضحايا “مجرمون”، وأن المرحلة “غير مستقرة”. بهذا المنطق، لا نعيد إنتاج القمع ونشرعنه فحسب؛ بل نفرغ الثورة من بوصلتها الأخلاقية التي ميّزت انطلاقتها.
فمن يصمت اليوم عن جريمة التعذيب، يمهّد الطريق لتكرار الجريمة بحق الجميع، وبحق الصامتين أنفسهم. الذين لن يكونوا في مأمن من التعرض للتعذيب أيضاً، لأن منطق القمع لا يفرّق بين مؤيد ومعارض حين يفلت الجاني من المحاسبة والعقاب. لذلك فإن الصمت عن التعذيب ليس حياداً؛ بل هو تواطؤ. والعدالة لا تبدأ إلا حين يتحدث الناس عن كل جريمة تعذيب أو انتهاك يحدث، وعلى المجتمع المدني، والمنظمات والناشطين الحقوقيين، والمثقفين، وكل من له صوت، أن يرفضوا الصمت، وأن يصرّوا على كشف الحقائق، ومساءلة المسؤولين ومعاقبتهم.
التعذيب، هذه الجريمة الوحشية والهمجية، ليست فقط مجرّد أذىً جسدي ينتهي بانتهاء جلسة التعذيب، أو بالإفراج عن الضحية؛ بل تمتد إلى القهر النفسي، والاعتداء على كرامة الإنسان، وتدمير الثقة بين الفرد والمجتمع. آثار التعذيب لا تمحى بسهولة؛ بل تبقى محفورة في الذاكرة، وتنتقل أحياناً إلى الأجيال التالية عبر الخوف، والانكفاء، والشك في جدوى العدالة. المجتمع الذي يسمح بالتعذيب، أو يصمت عنه، لا يزرع سوى ثقافة الرعب، ويقوّض أسس المواطنة، ويغلق الباب أمام أي مشروع لبناء دولة قائمة على الحقوق والمساواة. واستمرار هذه الممارسة الوحشية، أو التهاون في مواجهتها، يعني أن سوريا ستظل رهينة للمنطق الأمني، لا للمنطق القانوني، وأن العلاقة بين المواطن والدولة ستبقى قائمة على الخوف، لا على الثقة.
وعليه فإن مواجهة التعذيب لا تتحقق بالشجب وحده، ولا يكفي إصدار بيانات الإدانة؛ بل تتطلب خطة شاملة تتعامل مع جريمة التعذيب من جذورها، وتعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، بواسطة اتخاذ جملة من الخطوات التي يمكن أن تشكل بداية حقيقية لاستئصال هذه الجريمة البشعة من قاموسنا نهائياً:
– إنشاء هيئة مستقلة لتقصي الحقائق تضم محامين وحقوقيين، ضحايا، وممثلين عن المجتمع المدني، وتكون مهمتها توثيق الجرائم، وتقديم توصيات عملية للمحاسبة.
– بناء أرشيف وطني للانتهاكات، مفتوح للباحثين والجهات القضائية، يضمن حفظ الأدلة والشهادات، ويمنع طمس الجرائم أو نسيانها.
– إجراء محاكمات عادلة وشفافة أمام قضاء مستقل، لضمان محاسبة كل من ارتكب جرائم تعذيب أو قتل، مهما كانت سلطته أو موقعه.
– إصلاح الأجهزة الأمنية والشرطة، مع تفكيك بنيتها القمعية، وإعادة تدريب الأفراد على احترام حقوق الإنسان، وفهم دورهم الحقيقي في حماية المجتمع، واحترام كرامة المواطن، لضمان أن تكون العلاقة بين الدولة والمواطن قائمة على الثقة، لا على الخوف..
– إدماج ملف التعذيب في المناهج التعليمية المدرسية والجامعية، لبناء ذاكرة وطنية واعية، تمنع تكرار هذه الجرائم، وتؤسس لقيم العدالة والكرامة منذ الصغر.
– تمكين المجتمع المدني ووسائل الإعلام للقيام بدور رقابي حقيقي، ونشر شهادات الضحايا، وكشف الانتهاكات في الوقت المناسب، من دون خوف أو تهديد.
سوريا اليوم لا تحتاج إلى طيّ صفحة التعذيب؛ بل إلى فتحها بالكامل أمام القضاء، والضمير، والتاريخ. فالعدالة لا تتحقق بالاجتزاء ولا بالتأجيل أو المساومة. من مارس التعذيب يجب أن يحاسب علناً أمام قضاء مستقل، ومن صمت عنه عليه أن يحاسب نفسه. فلا حرّية تُبنى على القمع، ولا وطن يبنى على النسيان.
والتعافي لا يبدأ إلا بمواجهة ملف التعذيب، ومحاسبة المسؤولين، وإعادة تأهيل الأجهزة الأمنية على أساس الاحترام والاحتراف. عندها فقط يمكن لسوريا أن تستعيد كرامتها، وتبني مستقبلاً يليق بشعبها: خالٍ من الرعب، قائم على العدالة والمساءلة، ومؤسس على حقوق الإنسان. فالعدالة ليست ترفاً؛ بل شرط وجود للدولة والمجتمع، وأساس لمستقبل يفتخر به السوريون.
الأكثر قراءة
محاضرة مناف طلاس (السوشيال ميديا)
جدل محاضرة مناف طلاس الباريسية: رسوخ ذهنية الإقصاء السياسي
محاضرة مناف طلاس (الإنترنت)
مَن هو المعارض المقبول في سوريا السعيدة؟
الليرة السورية عملة سورية (Getty)
كلمة السرّ في تغيّرات سعر صرف الليرة السورية
أمير دولة قطر والرئيس الإيراني بزيشكيان (قنا)
إسرائيل أدت خدمة لإيران في الدوحة
اعلان
تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي
image
image
image
image
image
subscribe
إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد
اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث
أدخل بريدك الإلكتروني
اشترك الآن