- عنوان الكتاب: الجرائم الجنسية عبر الإنترنت، الجناة والضحايا
- المؤلف: سارة باكيت، جوليان شوبان، فرانسيس فورتين
.أورنيلا سكر.
يمثل كتاب “الجرائم الجنسية عبر الإنترنت، الجناة والضحايا” (Online Sexual Crimes, offenders, and Victims) المنشور ضمن سلسلة روتلدج (ما يمنحه بُعدًا أكاديميًا يلتزم بالمنهج النقدي في دراسة السلوك الإجرامي) محاولة رائدة لفهم ظاهرة الجرائم الجنسية الإلكترونية، وهي ظاهرة متسارعة الانتشار في ظل التحولات الرقمية المعاصرة، وتنامي شبكات المجهولية. وينطلق المؤلفون ـ سارة باكيت، جوليان شوبان، فرانسيس فورتين ـ من مقاربة علمية تسعى إلى الجمع بين النظرية والتحقيق البحثي والممارسة العلمية، واضعين إطارًا تحليليًا لفهم مرتكبي هذه الجرائم، والضحايا، والسياقات الاجتماعية والقانونية التي تحتضن الظاهرة.
ينقسم الكتاب إلى عدة محاور:
أولًا: الجرائم الجنسية عبر الإنترنت، مثل الاستغلال الجنسي، الابتزاز الجنسي، استدراج القُصّر، تداول الصور والفيديوهات غير المشروعة، والجرائم المتعلقة بالمحتوى الإباحي للأطفال.
ثانيًا: المجرمون/ المنفذون، دراسة السمات النفسية والاجتماعية لهؤلاء ودوافعهم، آليات سلوكهم عبر الإنترنت، والفوارق بين المجرم التقليدي والمجرم السيبراني.
ثم يتحدثون في المحور الثالث عن الضحايا، كيف يتعرض الأفراد للاستغلال، نقاط ضعفهم مثل القُصّر، النساء أو الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى تأثير هذه الجرائم على الصحة النفسية والاجتماعية.
ثم يأتي المحور الرابع وينتقلون فيه إلى الأفكار التي تناقش نظرية الجريمة السيبرانية عبر الإنترنت التي توفر مساحة مجهولة وسريعة، وحرية كبيرة عابرة للحدود، تجعل من السهل على الجناة ممارسة أفعالهم بدون خوف من العقاب. كما يتطرقون إلى التقاطع بين التكنولوجيا والجريمة، أي أن التكنولوجيا ليست مجرد أداة، بل عامل مهيكل للسلوك، فهي تمكن المجرمين وتعقّد مهمة أجهزة الأمن بسبب التطور التقني المعتمد على الذكاء الاصطناعي من خلال بيانات وصور ذكية، وانتحال الشخصية، والتزوير بهدف الابتزاز أو النصب، أو التحايل بذلك للتهرب من المحاسبة أو فضيحة العار أو الخيانة المعنوية.
كما أشار مؤلفو الكتاب في محور خامس إلى الرقابة والتدخل من خلال التركيز على السياسات الوقائية: التربية الرقمية، وتطوير آليات قانونية/ تقنية لمكافحة هذه الجرائم. كذلك نوهوا إلى العدالة الجنائية متسائلين: هل القوانين التقليدية كافية؟ أم أن الجرائم الجنسية الإلكترونية تحتاج إلى مقاربة قانونية/ فقهية جديدة عابرة للحدود؟
إن الفرضيات التي يضعها المؤلفون تتمثل، أساسًا، في أربع نقاط:
أولًا: إن الإنترنت يضاعف فرص الجريمة أكثر من العالم الواقعي بسبب سهولة التخفي والوصول إلى الضحايا.
ثانيًا: أن مرتكبي الجرائم الجنسية عبر الإنترنت ليسوا بالضرورة مختلفين كليًا عن المجرمين التقليديين، لكن لديهم تكيفات خاصة مع البيئة الرقمية.
ثالثًا: أن الضحايا غالبًا لا يدركون المخاطر قبل التعرض لها، مما يجعل التربية والتوعية الرقمية ضرورية.
رابعًا: أن الاستجابة القانونية ما تزال أبطأ من تطور الجرائم، مع وجود الذكاء الاصطناعي، بلوك تشين، ميتافيرس، والجرائم الإلكترونية الجديدة مثل الدارك ويب والاسترقاق الجنسي المشفر عبر تيك توك الذي بات يأخذ مفاهيم سوسيواقتصادية وثقافية جديدة تنافي المعيار الأخلاقي، وفق مقاييس نسبية ومتفاوتة لها أبعاد اقتصادية مربحة من الصعب مواجهتها لأنها معقدة وذات تشبيك دولي عصابي من الصعب تتبعه ومحاسبته لأنه مرتبط بما هو عالمي؛ على سبيل المثال فضيحة جيفري إبستين والقاصرات وملفات كبار الشخصيات الدبلوماسية والسياسية والرؤساء المتورطين في التحرش بالقاصرات عبر جزيرة جيفري إبستين. هذا الأمر أعاق تنفيذ العدالة الدولية بشأن الجرائم التي جرت في غزة، لأنهم متورطون ومعرضون للابتزاز والفضيحة الجنسية، وقد سرّبت وسائل إعلام عالمية هذه البيانات مثل فوكس نيوز، “ستون دقيقة” الأسترالية وغيرهما من القنوات العالمية، فضلًا عن مسلسل خاص عن جيفري إبستين على منصة نتفليكس يكشف عن تسريبات الضحايا القاصرات التي نقلت تفاصيل هذه الأحداث وما كان يجري على الجزيرة السرية ومن كان يحضر الحفلات الليلية، الأمر الذي بطّأ العدالة وأعاقها، ما نتج عنه اغتيال جيفري إبستين داخل السجن بظروف غامضة لم تكشف عنها الأجهزة الأمنية حتى الآن، مدعية أنها حالة انتحار لكن الحقيقة أبعد من ذلك. ثم إن المسألة بدأت تأخذ أبعادًا خطيرة اجتماعية واقتصادية وأخلاقية ونفسية غير مسبوقة من العنف وموت الذات الإنسانية عبر رأسملة المشاعر والأخلاق، حيث بات كل شيء مناطًا بصنم المادة التي تبرّر الجريمة والخيانة والشرف والعار. بمعنى آخر، لم يعد الحديث عن العيب والحرام بالشكل التقليدي، إنما تطورت المفاهيم بفعل الظروف القاسية التي يعيشها العالم على ضوء البطالة والفقر والهجرات والحروب، الأمر الذي نتج عنه شعور بالنقص وعدم الأمان والجشع والطمع عند البشر. وهذا يحتاج إلى دراسة معمّقة لم يتبحر بها المؤلفون في هذا الكتاب وتم تجاهلها بشكل كامل.
| تم اغتيال جيفري إبستين داخل السجن بظروف غامضة لم تكشف عنها الأجهزة الأمنية حتى الآن، مدعية أنها حالة انتحار لكن الحقيقة أبعد من ذلك (Getty) |
كما أن الكتاب يذهب إلى مناقشة إشكاليات بالغة الأهمية كالحدود القانونية التي تجد صعوبة في ملاحقة الجرائم عبر الإنترنت بسبب اختلاف التشريعات بين الدول. ويثير إشكالية الخصوصية مقابل الأمن: كيف نوازن بين حماية الأفراد من الجرائم الجنسية الإلكترونية وبين احترام حرية التعبير والخصوصية الرقمية؟ وكذلك غياب تعريف موحّد للجرائم الجنسية الإلكترونية: ما يعتبر جريمة في بلد قد لا يعتبر كذلك في بلد آخر. فضلًا عن التحيز البحثي: أغلب الدراسات الميدانية تستند إلى عينات غربية (أميركا، كندا، أوروبا) ما يجعل النتائج أقل قابلية للتعميم عالميًا. كما أن التكنولوجيا سلاح ذو حدين، حيث يتيح الإنترنت الحماية والمساعدة للضحايا، لكنه أيضًا يمكّن الجناة ويعقّد العملية القانونية وتتبع الجريمة وتجريمها بشكل دقيق. وهنا أرغب في الإشارة إلى أن صناعة الإباحية باتت ظاهرة اجتماعية واقتصادية مقلقة تهدد وتجتاح البلدان المحافظة والمتديّنة التي تستند إلى مفاهيم الأخلاق والعفة والطهارة والوقار والشرف، لتخطو مسارًا مشابهًا للغرب الرأسمالي الليبرالي بفعل أن هذه الصناعة، أي الإباحية الجنسية، مربحة اقتصاديًا جدًا، الأمر الذي يعقّد فهم أشكال ونوع التعاطف والتبريرات بشأنها وفق معطيات علمية مادية، لأنها تتخللها اعتبارات نفسية وعلاقات رضائية غير مستقرة، وتحديدًا بعد الحجر المنزلي أيام جائحة كوفيد-19، الأمر الذي سهّل انتشار الظاهرة بسرعة، إضافة إلى مرحلة داعش وجهاد النكاح. كما أن أنواع العلاقات الزوجية المتمثلة بالمدنية والشرعية مثل المساكنة وزواج المتعة والمسيار والمفاهيم التحررية الغربية التي تقوم على أشكال جديدة من التعاقد التزاوجي، تسوّق للثقافة التغريبية الفردانية على حساب الجماعة أي الأسرة والعائلة والأطفال، بسبب ارتفاع نسبة العنوسة والعزوبية، مما سهّل العلاقات غير الشرعية وبرّرها. وهذه قضايا تحتاج إلى إعادة تفكيك ثقافي وبنيوي واجتماعي واقتصادي، وإعادة هيكلتها وفق قوانين وتشريعات وحوار ديني/ علماني عميق يقرّب الفجوة ويعالجها بهدف الحد من تداعيات الظاهرة على الصعيد النفسي والأخلاقي والقيمي.
إن الحجج التي يرفعها المؤلفون أن الكتاب يعتمد على مزيج من الأدلة الإحصائية نظرًا لأن الكتاب عبارة عن دراسات ميدانية حول نسب الجرائم والنظريات الجنائية مثل “نظرية الروتين اليومي” و”نظرية الفرصة” في علم الجريمة، ودراسات حالة توضّح كيف تتم هذه الجرائم عمليًا. كما يشير المؤلفون إلى أن حجتهم الجوهرية تكمن في التعامل مع الجرائم الجنسية الإلكترونية بشكل متعدد الأبعاد (نفسي/ اجتماعي/ قانوني/ تقني). وذلك أن أغلب المؤلفين هم أساتذة مشاركون في جامعات الغرب (جامعات مونتريال، وبورتسموث، ولافال، وسايمون فريزر)، ومتخصصون في علم النفس الجنائي، وأعضاء في المركز الدولي لأبحاث علم النفس الجنائي، ولهم دور ناشط وعلمي في وحدة الإنترنت والاستغلال الجنسي لدى شرطة مقاطعة كيبيك، ولهم إشراف أكاديمي مشترك في المباحث التي تركز على الجريمة الجنسية والإرهاب والعنف والأمن والتصورات الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، والتحكم السلوكي، والعلاج السلوكي، والنظريات الإجرامية.
الأدبيات المستخدمة في الكتاب تنتمي إلى علم الإجرام السيبراني. ويستند إلى كتابات في علم النفس الإجرامي، خصوصًا حول دوافع الاعتداءات الجنسية. كما أن الكتاب يشهد مقاربات من الدراسات الأمنية والقانون الدولي. ويُدرج الكتاب ضمن سلسلة روتلدج التي تميل إلى التحليل الأكاديمي الغربي القائم على الإحصاءات والأطر النظرية.
ومن ناحية نقدية، يختزل الكتّاب الظاهرة في البعد الفردي من خلال التركيز على شخصية المجرم والضحية، مع إغفال دور البنى الاقتصادية والسياسية التي تجعل الاستغلال ممكنًا، مثل صناعة الإباحية العالمية. التغافل عن السياق الثقافي يقدم رؤية غربية عامة بدون إدماج كافٍ للخصوصيات الثقافية مثل الفوارق بين مجتمعات محافظة وأخرى ليبرالية. الإفراط في تأطير الجريمة كمسألة تقنية وقانونية، بينما هي أيضًا قضية اجتماعية وأخلاقية. والأهم أن الإحصاءات تطرح تحديًا، إذ أن كثيرًا من الجرائم الجنسية عبر الإنترنت غير مُبلّغ عنها، ما يجعل الأرقام أقل دقة. كذلك هناك نقطة مهمة وهي إشكالية الضحية- الفاعل: أحيانًا لا يميّز الكتاب بوضوح بين الاستغلال الجنسي وبين التفاعلات الرضائية عبر الإنترنت التي تُجرَّم لاحقًا حسب السياق القانوني.
ختامًا، الكتاب مفيد لفهم البنية النظرية والبحثية لجرائم الإنترنت الجنسية، لكنه يعاني من بعض الاختزالات، مثل النزعة الغربية/ القانونية/ التقنية، وإغفال السياقات الثقافية والاقتصادية الأوسع. قوة الكتاب تكمن في عرضه المنهج الثلاثي (الجريمة – المجرم – الضحية)، وضعفه في أنه لا يطرح بدائل جذرية أو مقاربات عالمية شاملة. وهذا يشير إلى استعلاء ثقافي يعبّر عن ثقافة الرؤية الكونية الغربية المتعلقة بالحداثة والرأسمالية ومجتمعات الحداثة السائلة، التي تنطلق من تجربة الثورة الفرنسية وصعود الفردانية والثورة الجنسية. وهي تراكمات لم يشهدها العالم العربي – الإسلامي بعد، الأمر الذي يعمّق الفجوة والقطيعة المعرفية والثقافية وفق منطق صدام الحضارات، بسبب محدودية مفهوم العالمية لديهم بين الغرب والشرق، وليس إنتاج صيغة عالمية حقيقية نابعة من تفاعل الثقافات المختلفة وكأنها مجرد هوامش أو متلقية للثقافة الأوروبية المركزية. وطبعا هذه خلفية استشراقية لا بد من مراجعتها ونقدها على حدة.
والأخطر من كل ما سبق أن أغلب المقاربات الغربية تتعامل مع الدين كإرث تقليدي أو مشكلة اجتماعية، في حين أن حضارات أخرى مثل الإسلام، الهند، وحتى أميركا اللاتينية المسيحية، ترى الدين عنصرًا محوريًا في إنتاج بدائل إنسانية وأخلاقية. غير أن هيمنة النموذج الليبرالي والاقتصاد النيوليبرالي يقومان على بدائل تُواصل هذه العنصرية والاستعلاء الثقافي، الذي لا يقوم على بدائل اقتصاد تشاركي، أو أنظمة قيمية غير مادية، أو فلسفات بديلة للعلاقة بين الإنسان والطبيعة والروحانية، تحرر الإنسان من ثقافة الهيمنة والاستعمار الاقتصادي والتقني وتهجين الإنسان.