عمّار المأمون – كاتب سوري…موقع درج
الخطاب الذي وصل حدّ الهوس، مرتبط فقط بأجساد النساء ومساحات تحرّكهن، سعي هذياني لتغطية المرأة وحجبها وإبعادها عن الفضاءات العامّة، وتكرار صفات كـ”سافرة” و”غير محتشمة” والطعن بالأخلاق والتشكيك فيها، وكأن لا مشاكل في سوريا سوى أزياء النساء، وضمن هذا الهوس، ظهور النساء من دون النقاب هزيمة، تلخّص ضمن حججهم بـ: أَقُتل السوريون كي تتعرّى النساء؟!
يُطري سوريون ومستشرقون وناقمون على اليسار ومعارضون سابقون وطبول حاليون، ونسويات ونسويون براغماتيون على تجربة “هيئة تحرير الشام” في ضبط الخطاب المتشدّد، وتهميش يمينه والاكتفاء بالتيّار المفرط في محافظته.
تدجين “السلفية الجهادية” في إدلب عبر ضبط الجوامع ودروس الدين والمولات وسجن العقاب، سحَر الكثيرين بوصفه علامة على التحوّل نحو بناء سوريا الدولة، لا الإمارة.
ارتدى جهاديون سابقون ومتشدّدون البذلة بعد فرار الأسد، وحملو خطاب “بناء الدولة”، وشغل بعضهم مناصب عليا مقرّبة في قصر الزخرف الذي يُقيم فيه أحمد الشرع، وآخرون وزّعوا في إدارات متنوّعة، إمّا في سفارة خارجاً وإمّا في إدارة محلّية داخلاً.
عمليّة الاحتواء هذه خلقت نوعاً من “التشدّد المدجّن” الذي يتحرّك ضمن مؤسّسات الدولة و”القصر”، وما يطفح عن هذا الإطار أو يستعصي على الاحتواء، يُترك تنظيمه للفاعلين النشطين على الأرض في ظلّ خطاب “حرّية التعبير” التي تضمنها السلطة، وتتيح للشارع أن يتحوّل إلى حلبة صراع بين التيّارات المتعدّدة، صراع تحوّل إلى إغراق المساحات العامّة بالعبارات التي تحضّ على خوف الله وطاعته والاستتار والاحتشام، كون الإسلامويين هم الأكثر تنظيماً وإيماناً ونشاطاً.
تصاعَد الخطاب المتشدّد على الأرض مع الاحتفالات التي ترعاها وزارتا الثقافة والسياحة، و”مسّ سحر” العهد الجديد “المنفتح” الكثيرين حدّ العمه، لكنّ هذا “السحر” تصدّى له متشدّدو الشارع بعد الإعلان عن حفل أصالة نصري في دمشق، مستغلّين الفضاءات العامّة والرقمية لـ”إنكار المنكر”، ووسم الناس وتقسيمهم أخلاقياً ودينياً، وانتقاد “الحاكم” ومَن حوله، لعدم تطبيق شرع الله!
يتّضح هذا الصراع بين متشدّدي الشارع وأقرانهم “المدجّنين” بالتصريحات المتبادلة، رجال القصر يُطرون على جهود الدولة والانفتاح، أمّا المخشوشنون فيرون في ذلك هزيمة وخذلاناً وتفريطاً بدماء الضحايا وترسيخاً للمعاصي، ووصلت علاقة الفريقين حدّ الندّية، لكن يبقى متشدّدو الدولة أكثر تنظيماً وقدرة على اتّخاذ القرار وحسم الجدل رسمياً، كونهم ناطقين باسم الدولة وأصحاب قرار.
لكنّ السؤال الأكثر إلحاحاً، كيف يمكن توجيه الانتقاد لأحد المتشددين، إن كان معتقلاً سابقاً في صيدنايا وناشطاً في السلم الأهلي وشيخاً جليلاً يمتلك بلاغة تثير الإعجاب، يدعو إلى إلغاء حفل، وينكر أداء الحاكم ووزير ثقافته اللذين لم يُعتقلا مرّة في سوريا، إباحة الاختلاط؟ لماذا لا يعود شيخ كهذا إلى صباه كما في الكتاب الشهير؟
تاريخ الثورة السورية المتشدّدة
يسلّح متشدّدو الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي دماء الضحايا وقتلى النظام السوري، مؤكّدين أنهم لم يُقتلوا كي تقام الحفلات ويعمّ الاختلاط والفحشاء، وفي هذا مصادرة لتاريخ الثورة واستمرار للنهج “الصيدناوي” في إعادة رسم حكاية الثورة السورية، التي رسّختها سرديات ما بعد سقوط النظام، عبر عشرات البودكاستات لقنوات محسوبة على السلطة ومقرّبة منها، مقابل سرديات أقل ظهوراً وأكثر ترسيخاً في أعين من شهدوها تحتفي بلحظة 2011، وخروج المظاهرات من الجوامع بوصفها “المكان الوحيد الذي يجتمع فيه السوريون”.
سرديات سجن صيدنايا ترى أن الثورة بدأت في عام 2008، مع الاستعصاء، أمّا احتجاجات العام 2011 فلا علاقة لها بها، هكذا تُرمى جثث قتلى نظام الأسد بوجه أي فكرة تخالف الثورة المتشدّدة، إذ يستمدّ متشدّدو الشارع أيضاً شرعيتهم من التنسيقيات، التي تحوّلت فجأة من صوت السوريين الذين كانوا يُقتَلون ومساحة التنظيم والتشبيك، إلى منصّات تنشر بيانات بالذكاء الصناعي، لا أسماء ولا تواقيع عليها، مجرّد صور مزينة ببلاغة وفصاحة الهدف، منها منع حفلة موسيقية!
لم يسلّح خطاب الضحايا ضد انتهاكات السلطة أو تقصيرها، بل جُيّرت مظلومية جرائم الأسد ضد شكل الحياة في الفضاءات العامّة والدعوة إلى “حاكمية الله” وتطبيق الشريعة التي لا يعلو عليها قانون، وضمن سردية (الفتح) يتحوّل ضحايا نظام الأسد إلى أداة خطابية دينية، تصادر أصواتهم وأسبابهم، ولا يعلو الحنق لإنصافهم أو تحقيق العدالة، بل لنهر من بقوا أحياء، وكأن قتل الأسد للسوريين كان شأناً شرعياً لا نتاج ماكينة تطهير عرقي!
أزمة الخطاب
الانقسام في الخطاب الديني المتشدّد نراه داخل السلطة نفسها، حيث استنكر أنس الدغيم؛ الموظّف في وزارة الثقافة، إقامة حفل أصالة الذي ترعاه الوزارة نفسها، وأعلن تأييده للمطالبين بالمنع!
تتّضح الازمة الخطابية أيضاً في سعي متشدّدي الشارع لترسيخ أساليب الفقه في التدليل على حججهم، عبر بلاغة “الشريعة” المستمدّة من الله لنقاش اليومي والاقتصادي والحرّيات الشخصية، هذه التبنّي يقابله ابتعاد متعمّد من بعض الخصوم عن هذه المساحة من النقاش، الخوض في الإلحاد والإسلام طفولي ومتحذلق، ولا مكان له في بلد مدمّر.
هو أيضاً خطاب محكوم بالهزيمة أمام المتفقّهين الهواة والمحترفين، ولا مكان الآن ولا رغبة في العودة إلى “كتاب المصاحف” لنفي المقدّس نفسه، ولا الفقه المتخفّف لمفاوضة هذه الأصوات، كون النتيجة واحدة: اتّهام بالكفر والإلحاد.
تفادي الانزلاق إلى نقاش المتشدّدين ضمن الحقل الديني هو أيضاً هزيمة من نوع ما، كون مفرداته تحضر في الشارع بوضوح، عبر الحملات الدعوية والكتابة على الجدران، انفتاح المعجم المتشدّد على الشارع بصورة مادّية مرئية، يتجاوز الرغبة في الحوار نحو الأمر والنهي، وتسميم الفضاء العامّ عبر تقسيمه بين كفّار وصالحين، فاسقات ومحتشمات.
لا خطاب البذاءة ينفع، ولا الدخول في صراعات الإسلام والإلحاد المبتذلة ينفع، خصوصاً أمام تقبّل الشارع إمّا خوفاً وإمّا تحبّباً بالخطاب الديني، الذي يتّهم من يختلف عنه بالعلمانية والكفر، ناهيك بغياب محاولات تأصيل تاريخ سوريا الذي يتجاوز الإسلام الذي لا يشكّل سوى جزء ضئيل منه، فمن يستعيد سوريا ما قبل الإسلام بمواجهة الصورة المتخيّلة عن(الشام) يُتّهم بالأسدية، كون النظام حوّل تاريخ سوريا إلى أسلوب لقمع الخطاب الإسلامي (حسب ظنّ البعض)، وتحوّلت رموز مثل زنوبيا والتاريخ السرياني والروماني إلى أدوات لطمس الحرّيات الدينية السنّية التي احتواها الأسد عبر وزارة الأوقاف وسجن صيدنايا، وكأن لا مساحة للتعدّد في تاريخ سوريا، لا كتاريخ ولا كدولة وطنية رُسمت معالمها الأولى بعيد الشهداء الذي ألغته السلطة الحالية!
أسلحة الخطاب المتشدّد
يتسلّح متشدّدو الشارع بترسانة خطابية تبدأ من كونهم ضحايا نظام الأسد، ودفعوا أعمارهم في السجون، وقصفوا لاحقاً حين هبّوا للجهاد، هنا تتكسّب الضحيّة مناعة ضد الانتقاد، ويمتدّ الأمر إلى تجيير ضحايا الأسد الآخرين، ومصادرة أصواتهم وأسباب موتهم، ورمي جثثهم بوجه كل من يُخالف حاكمية الله. “ألهذا خرجنا؟”،تتكرّر هذه العبارة كشعار بوجه كل ما يخالف الخطاب المتشدّد.
توظّف أيضاً بلاغة التكفير للتفريق بين الناس، سلاح الدين هنا يتحوّل إلى سياسة في المساحة العامّة، ومن يجرؤ على التشكيك بالدين نفسه وحججه وتقسيماته، يُكتفى إذاً بالصمت أو تفادي الموضوع، فتفكيك الخطاب الإسلامي لم يعد ذا جدوى، سواء على المستوى العلمي أو على المستوى الحياتي، الجهاديون انتصروا ببساطة، وما معنى الدعوة إلى التفكير وفهم إيقاع العصر الذي يحكمه اليمين الديني المتطرّف؟
الأشدّ تأثيراً من أسلحة المتشدّد في الشارع هي “حرّية التعبير”، كحالة اليمين المتطرّف في العالم، سُلّح هذا المفهوم لنشر الكراهية والانتقادات والتهديدات، ووسائل التواصل الاجتماعي نفسها، أي الشركات الكبرى، أباحت هذا الخطاب لكسب جمهور أوسع، خوارزميات متشدّدة يمكن القول، أمّا الشارع في سوريا فيعتبر حرّية التعبير مكتسباً من مكتسبات الثورة، حتى لو كانت قوانين الأسد هي التي تضمنها.
يتكرّر مصطلح “إدارة التنوّع” حين الحديث عن استراتيجية حكومة دمشق، إدارة لم نرَ منها سوى مجزرتين طائفيتين، واحتفاء بسلاح العشائر المنفلت، وإباحة خطاب الأسلمة المتشدّدة للفضاء العامّ، ومشاهد استعراضية للتعايش ضمن الإطار الرسمي. الواضح إذاً أن “التنوّع” المقصود به تنوّع الخطاب الإسلامي المتشدّد وأطيافه، المضمون بالقوانين والذي يمنح المروّجين له الموافقات دون أي تردّد من أجل الاجتماع و”الظهور” في الشوارع.
الهوس بأجساد النساء
لا يحتجّ “متشدّدو الشارع” على غلاء الأسعار أو غياب العدالة الانتقالية، يقدّمون حلولاً سريعة لتفسّر “الهدر” في موارد الدولة، وحديث مشاريع اقتصادية متخيّلة عبر حساب أسعار بطاقات حفل أصالة وكلفته وطرح مشاريع بديلة بالنقود التي صُرفت باستخدام “تشات جي بي تي” وأمثلته المتكرّرة.
الخطاب الذي وصل حدّ الهوس، مرتبط فقط بأجساد النساء ومساحات تحرّكهن، سعي هذياني لتغطية المرأة وحجبها وإبعادها عن الفضاءات العامّة، وتكرار صفات كـ”سافرة” و”غير محتشمة” والطعن بالأخلاق والتشكيك فيها، وكأن لا مشاكل في سوريا سوى أزياء النساء، وضمن هذا الهوس، ظهور النساء من دون النقاب هزيمة، تلخّص ضمن حججهم بـ: أَقُتل السوريون كي تتعرّى النساء؟!
هذا الهوس بأجساد النساء توظّف فيه حجّة حرّية التعبير مرّة أخرى، وحقّ المرأة في اختيار لباسها، الأصوات النسوية ضعيفة على الأرض، لا حملات منظّمة ومستمرّة تُعيد فهم هذا “الخيار”، بل يتمّ التعامل معه بوصفه “حرّية” و”سيادة للمرأة على جسدها”، وأحياناً كجزء من خيارات السوريات.
لكنّ حملات الذهبي نفسه، إن تعاملنا معه ومع مَن حوله من متطوّعات ومتطوّعين ضمن حملة “مجتمع مدني”، نكتشف أنهم يتفوّقون على الجميع منذ سقوط النظام، ربما هي الأيديولوجيا التي تحرّكهم لا التمويل، وهنا المفارقة: نساء منقّبات يسعين لإخفاء نساء أخريات، في تحرّكات وحملات شبه يومية، يقابلها بوسترات خجولة حول حرّية لباس المرأة، ظهرت مرّة واحدة كجهد مضادّ لهؤلاء.
الخوف من توجيه الانتقاد للمرأة المنقّبة مشترك بين الرجال والنساء، هذه الحصانة الدينية تمنع حتى انتقاد مفهوم الإجبار والخوف، خطاب حرّية التعبير وخيارات المرأة في زيّها تمنع التفكير والتفكيك باعتبارهما تدخّلاً في الدين والخيارات الشخصية، ما يضاعف الشلل على الأرض لمواجهة الخطاب المعادي للنساء.
إشكالية النقاب تتجاوز العلمانية والديموقراطية وحرّية التعبير، هو أداة سياسية بامتياز لإخفاء النساء، مهما كانت مرجعيتها وصحّتها الدينية، ولا جهود مدنية وثقافية لإعادة النظر في جسد المرأة السورية، سوى السعي لحجبه وإخفائه، أو إظهاره ضمن الإطار السياسي المرضي عنه.
كل امرأة تشكّل خطراً على متشدّدي الشارع، هي خطر على الدراسة والتركيز في العبادات وتحريك للشهوات، ما يبرّر الدعوات لفصل الجنسين في الجامعات، وكأن النساء في الفضاء العامّ طاعون لا بدّ من مكافحته، بصورة أدقّ، تغطيته كما في حملات الذهبي، لا يعني ذلك اختفاء النساء، نراهن سافرات في سياقات كثيرة، إمّا في سياق الترفيه وإمّا في سياقات رسمية محدّدة، وفي كليهما دون خطاب، حتى عمل بعضهن بالسياسة على رغم تاريخهن الثوري لا يشفع لهن مقابل حملات الشتم والتشهير.