الثلاثاء. نوفمبر 30th, 2021
تسيطر “قسد” على ريف المحافظة (دليل سليمان/فرانس برس)

بدأت أجهزة النظام السوري الأمنية الترويج لما تسمّيه بـ”التسوية” في محافظة دير الزور، في أقصى شرقي سورية، في خضم تحركات سياسية وعسكرية من الأطراف الفاعلة في الملف السوري، لتجنّب تصعيد عسكري جديد في شرقي الفرات وتثبيت خريطة السيطرة الحالية. وتعد محافظة دير الزور واحدة من كبريات المحافظات السورية لجهة المساحة، والتي تتجاوز 30 ألف كيلومتر مربع، تسيطر عليها قوى عدة، حيث تسيطر “قوات سورية الديمقراطية” (قسد) على ريف المحافظة الواقع شمالي نهر الفرات، بينما يسيطر النظام والإيرانيون على القسم الواقع جنوبي النهر. وتقع المدن الكبرى في المحافظة تحت سيطرة النظام والإيرانيين، وهي: دير الزور التي تحمل المحافظة اسمها، ومدينتا البوكمال والميادين اللتان تقعان تحت سيطرة مباشرة من المليشيات الإيرانية. في المقابل، تسيطر “قسد” على أهم وأكبر حقول النفط والغاز في المحافظة، وأبرزها حقلا “العمر” و”الكونيكو”، الواقعان شمالي النهر ضمن ما بات يُعرف اصطلاحاً بشرقي الفرات.

وذكرت وكالة “سانا” للأنباء التابعة للنظام، أمس الأحد، أنه “بدأت في محافظة دير الزور عملية التسوية الشاملة الخاصة بأبناء المحافظة، والتي تشمل كلّ من لم تتلطخ يداه بالدماء من المدنيين المطلوبين والعسكريين الفارين والمتخلفين عن الخدمتين الإلزامية والاحتياطية”، وفق الوكالة

من جهتها، بيّنت مصادر محلية لـ”العربي الجديد”، أن النظام “يهوّل إعلامياً في ملف ما يسمّى بالمصالحات التي يجريها”، موضحة أن مراكز التسويات تقع ضمن منطقة سيطرة النظام، وليس في مناطق سيطرة قسد”. وقالت المصادر إنه على الرغم من ذلك، فإن “الإقبال ضعيف على مراكز التسويات، والصور التي تنشرها وسائل إعلام النظام لا تعبّر عن الواقع على الإطلاق”. واعتبرت بدء النظام إجراء التسويات في محافظة دير الزور “محاولة منه لإيهام الأهالي الخارجين عن سيطرته بأن هذا الوضع لن يستمر طويلاً، وأنه في طريقه للعودة مجدداً إلى ريف المحافظة الخاضع حالياً لقوات قسد”.

وفي هذا السياق، رأى الناشط الإعلامي في ريف دير الزور، أبو عمر البوكمالي، أن النظام “يعتمد على عدد من الوجهاء في عموم المحافظة من أجل دفع الشباب إلى إجراء التسويات”، مشيراً في حديث لـ”العربي الجديد”، إلى أن النظام “يفبرك إعلامياً ما يجري، حيث جلب عدداً كبيراً من عناصر مليشيات الدفاع الوطني لتصويرهم أمام مراكز التسويات، للإيحاء بأن هناك إقبالاً على هذه المراكز”. وأشار أبو عمر البوكمالي إلى أن “النظام ليس بحاجة إلى هؤلاء الذين يجرون تسويات، بل هم عبء عليه”، معتبراً أن الرسالة “مفادها بأن محافظة دير الزور “باتت آمنة”، وأن “هناك إقبالاً على العودة إلى مناطق سيطرته، وهذا أمر مناف تماماً للواقع”. كما رأى أن النظام “سيضغط باتجاه تجنيد الشباب الذين يجرون تسويات للانضمام إلى مليشياته”، لافتاً إلى أن النظام “لن يغفر للذين عارضوه، خصوصاً ممن كانوا ضمن فصائل المعارضة السورية، وسوف يتخلص منهم تباعاً وبشتى الطرق والوسائل”.

وفي تصريحات تلفزيونية صدرت عنه أمس الأحد، أكد قائد قوات “قسد”، مظلوم عبدي، أن خريطة السيطرة “لن تتغير في شرقي الفرات قبل التوصل إلى تسوية شاملة للقضية السورية”، مضيفاً أن واشنطن وموسكو “تعارضان شنّ أي عملية عسكرية تركية في شمال سورية”. وقال عبدي إن النظام “يريد تسوية الأوضاع في شرقي الفرات على طريقة المصالحات التي أجريت في مناطق سورية، لكن الأمر مختلف هنا، لسنا مثل درعا والغوطة”. وشدّد على أن “الحل سياسي في شرقي الفرات، لدينا مائة ألف مقاتل لحماية المنطقة، وإدارة ذاتية تدير المنطقة منذ 10 سنوات”. وكان النظام السوري قد أجرى تسويات في العديد من المناطق السورية في درعا وفي ريف دمشق وريف حمص الشمالي، إلا أنه لم يلتزم بمضمونها.

وتعليقاً على إعلان النظام، رأى الباحث السياسي في مركز “الحوار السوري”، أحمد القربي، أن النظام السوري “يعتمد أسلوب التسويات كبديل عن فكرة الانتقال السياسي”، مضيفاً أن النظام “يريد الإيحاء للمجتمع الدولي بأن هذا هو الحل الذي يحقق الاستقرار، وذلك من دون إحداث تغيير سياسي حقيقي”. واعتبر القربي، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن التسويات “رسالة لقوات قسد عنوانها أن النظام يتغلغل في مناطق سيطرتها ويجذب المكون العشائري، ما يُعدّ ضغطاً على هذه القوات، كما أنها رسالة إلى واشنطن مفادها أنه قادر على اختراق المناطق التي تقع تحت نفوذها”.

على صعيد آخر، تتوالى المحاولات لتخفيف التصعيد بين قوات “قسد” المدعومة من التحالف الدولي من جهة، وبين الجانب التركي، خصوصاً في منطقة شرقي نهر الفرات، كما يستغل النظام وروسيا التهديدات التركية في الضغط على “قسد”، على الرغم من تجميد أنقرة مخطط عمليتها في المنطقة. وقالت صحيفة “الوطن” التابعة للنظام، أمس، إن القوات الروسية نشرت منظومة الدفاع الجوي الروسي “إس 300″ داخل مطار الطبقة العسكري في ريف الرقة الغربي والخاضع لـ”قسد”. وأشارت إلى أن نشر المنظومة يأتي لحماية الطائرات المشاركة في الخدمة القتالية في مطار القامشلي، ولضمان السيطرة على المجال الجوي لمناطق شمالي وشمال شرقي سورية. وأكدت أن روسيا “رفدت قواتها في مطار منغ شمالي حلب ومطار القامشلي بتعزيزات نوعية لسلاح الجو”. واعتبرت أن التحركات العسكرية الروسية هي وراء تراجع الجانب التركي عن شن عملية عسكرية جديدة في شمالي سورية لوّح بها كثيراً أخيراً”. وفي السياق، تشهد منطقة شرقي نهر الفرات تحركاً سياسياً وعسكرياً عنوانه الرئيسي الحيلولة دون اختلاط الأوراق مجدداً في شمال شرقي سورية، بسبب توغل تركي جديد والإبقاء على خريطة السيطرة وخطوط التماس كما هي عليه منذ أواخر 2019.

وذكرت وسائل إعلام كردية أن وفداً من الخارجية الأميركية برئاسة إيثان غولدريتش، نائبة مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، عقد أول من أمس اجتماعاً مطولاً مع قائد قوات “قسد” تناول الأوضاع في المنطقة. وأضافت أن الوفد أكد خلال اللقاء على أهمية الحفاظ على اتفاقية خفض التصعيد ووقف النار في المنطقة وسورية عموماً، ومواصلة الجهود لإلحاق الهزيمة النهائية بـ”داعش”. وفي حديث لـ”العربي الجديد”، قال مسؤول المركز الإعلامي في “قسد”، فرهاد شامي، إن الوفد الأميركي التقى مجلس سورية الديمقراطية (الجناح السياسي لـ”قسد”)، ومسؤولين في الإدارة الذاتية، مشيراً إلى أن الزيارة كانت “خاطفة”.