ملخص
ما كُسر خلال تلك الأيام الـ 10، كان جوهر النموذج الذي حكم “حزب الله” منذ عام 2006، أي سقطت أسطورة المنظومة الأمنية المغلقة، وضُربت الثقة بوسائل الاتصال وسلاسل التوريد، وقُتلت طبقة كبيرة من القيادة العسكرية خلال أيام، وفشلت الترسانة الصاروخية في حماية مركز القرار، ولم تتمكن إيران من ردع إسرائيل أو إنقاذ قيادة الحزب، وانتهت قدرة نصرالله على إدارة التصعيد من خلال معادلات محسوبة وخطابات مدروسة.
لم يؤدِ ما عرف بـ “طوفان الأقصى”، الذي اندلع في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إلى تغيير قواعد الصراع لمصلحة إيران ومحورها، كما كانت قد روجت سردية “وحدة الساحات”، بل أطلق مساراً إقليمياً معاكساً انتهى إلى نتائج كارثية على غزة ولبنان، وهزائم متتالية طاولت أذرع طهران، فالهجوم الذي قُدّم على أنه لحظة تحوّل تاريخية أعادت “القضية الفلسطينية” للواجهة، استدعى في المقابل حرباً إسرائيلية مدمرة حوّلت قطاع غزة إلى ركام، وأوقعت عشرات آلاف الضحايا، ودفعت سكانه إلى النزوح والجوع، فيما لم تتمكن الجبهات التي تحركت تحت عنوان “الإسناد” من وقف الحرب أو تغيير مسارها.
وفي الثامن من أكتوبر 2023، قرر “حزب الله” فتح جبهة جنوب لبنان، واصفاً تدخله بأنه “حرب إسناد” تهدف إلى تخفيف الضغط عن غزة، لكن الحزب دخل المواجهة انطلاقاً من تقدير خاطئ، مفاده بأنه يستطيع إبقاءها محدودة، والتحكم بإيقاعها وفق قواعد الاشتباك التي استقرت بعد حرب عام 2006.
حرب استنزاف للحزب ولبنان
لكن دخول الحزب المعركة لم يوقف الحرب الإسرائيلية على القطاع، ولم يفرض على إسرائيل تسوية، بل منحها الذريعة والوقت للانتقال تدريجاً من احتواء الجبهة اللبنانية، إلى تفكيك البنية العسكرية والأمنية للحزب، وهكذا تحولت “جبهة الإسناد” من ورقة ضغط يفترض أن تحمي غزة إلى حرب استنزاف استُنزف فيها لبنان، وهُجر سكان الجنوب، ودُمرت القرى والبنى التحتية، من دون أن يتحقق الهدف الذي فُتحت الجبهة من أجله.
أما إيران، التي بنت نفوذها الإقليمي على شبكة من الأذرع والجبهات المتصلة، اكتفت بإدارة المواجهة من مسافة محسوبة، تاركة حلفاءها يتحملون الكلفة المباشرة، ومع اتساع الحرب تكشفت حدود شعار “وحدة الساحات”، فـ “حماس” تلقت ضربة وجودية في غزة، و”حزب الله” خسر قيادته العليا وقيادات أساسية، وجزءاً كبيراً من بنيته العسكرية وقوة ردعه، فيما تعرضت بقية الأذرع الإيرانية لضغوط وضربات متلاحقة، من سوريا إلى العراق واليمن.
لبنان أكبر الخاسرين
لبنان أحد أكبر الخاسرين من تلك الحسابات، فالقرار الذي اتخذه “حزب الله” منفرداً، خارج مؤسسات الدولة ومن دون تفويض اللبنانيين، وضع البلاد مجدداً في قلب حرب لم تخترها، وأعاد الاحتلال والدمار والنزوح للجنوب، وضرب ما بقي من الاقتصاد والاستقرار، وبينما رُفعت شعارات الانتصار والإسناد، كانت إسرائيل توسع بنك أهدافها، وتخترق أجهزة الحزب، وتجمع المعلومات عن قياداته ومنشآته، تمهيداً للانتقال من استنزاف أطرافه إلى ضرب رأسه مباشرة.
وبلغ هذا المسار ذروته خلال 10 أيام من سبتمبر (أيلول) 2024، إذ بدأت المرحلة يوم الـ 17 من هذا الشهر بانفجار أجهزة “البيجر” في أيدي آلاف العناصر والمسؤولين، ثم تفجير أجهزة الاتصال اللاسلكية، واغتيال قادة “قوة الرضوان” ومنظومتي الصواريخ والطائرات المسيّرة، وانتهت في الـ27 من الشهر نفسه باغتيال الأمين العام حسن نصرالله، داخل مقره المحصن في الضاحية الجنوبية للعاصمة بيروت، وخلال تلك الأيام لم يخسر الحزب قادة وأجهزة اتصال ومواقع عسكرية وحسب، بل سقطت أيضاً الصورة التي بناها عن تنظيم عصي على الاختراق، قادر على ردع إسرائيل والتحكم بقواعد المواجهة.
إنها الأيام الـ 10 التي لم تكسر قيادة الحزب وحدها، بل كشفت أيضاً الثمن الذي دفعه لبنان نتيجة حرب بدأت تحت عنوان “إسناد غزة”، وانتهت بترك غزة ولبنان يواجهان الخراب، فيما انكفأت إيران لحماية نفسها.
كيف فقد الحزب اتصالاته وقادته وقوة ردعه خلال 10 أيام؟
عند الساعة الثالثة والنصف تقريباً من بعد ظهر الـ17 من سبتمبر 2024، بدأت أجهزة نداء صغيرة يحملها عناصر ومسؤولون في “حزب الله” بإصدار إشارات متزامنة، وخلال ثوان انفجرت الأجهزة في الأيدي والجيوب وعلى الطاولات، وداخل المنازل والمتاجر والسيارات والمكاتب، من الضاحية الجنوبية لبيروت إلى البقاع والجنوب، وصولاً إلى سوريا، ولم تكن تلك التفجيرات مجرد اختراق تقني أو عملية اغتيال جماعية موزعة جغرافياً، بل كانت بداية حملة عسكرية واستخباراتية متدرجة، استمرت 10 أيام، وانتقلت خلالها إسرائيل من اختراق الحلقة الأضعف في منظومة “حزب الله”، عبر وسيلة الاتصال الشخصية، إلى استهداف الحلقة الأعلى، أي الأمين العام ومركز القيادة المركزي.
وبين عصر الـ17 ومساء الـ27 من سبتمبر، ضُربت أجهزة النداء والاتصالات اللاسلكية، وقُتل قائد “قوة الرضوان” إبراهيم عقيل مع مجموعة من قادتها في الـ 20 سبتمبر 2024، وبدأت أوسع حملة جوية إسرائيلية على لبنان منذ حرب يوليو (تموز) 2006، واغتيل مسؤولون عن منظومة الصواريخ والطائرات المسيّرة، قبل أن تصل الضربة الأخيرة إلى حسن نصرالله نفسه.
لم يُمح الحزب خلال تلك الأيام، ولم يفقد كامل ترسانته، لكنه خسر شيئاً ربما كان أكثر أهمية من عدد الصواريخ، الثقة بمنظومته الأمنية، وتماسك قيادته، وصورة الردع التي بناها طوال عقود.
قصة الأيام الـ 10 التي كسرت تلك الصورة
بدأت مقدمات العملية قبل سبتمبر 2024 بشهور، فقد أدرك “حزب الله” أن إسرائيل قادرة على تتبع الهواتف المحمولة، واستخدامها لتحديد مواقع عناصره وقادته، ومع تزايد عمليات الاغتيال منذ فتح الحزب “جبهة الإسناد”، وجّه حسن نصرالله عناصره إلى تقليل من استعمال الهواتف، معتبراً إياها أدوات مراقبة إسرائيلية يحملها الأشخاص معهم طوعاً، ودعا حينها مقاتلي الحزب وعائلاتهم وأهل الجنوب اللبناني إلى الاستغناء عن “الهاتف المحمول”، واصفاً الهواتف المحمولة “بالجاسوس القاتل” الذي يقدم معلومات دقيقة ومجانية لإسرائيل، وقال “يجب أخذ الحيطة والحذر من المعلومات التي يجري إرسالها عبر أجهزة الهاتف الخلوي”، وكان البديل العودة لوسائل منخفضة التقنية، وفي مقدمها أجهزة النداء “البيجر” التي لا تتيح اتصالات صوتية، ولا تحتاج إلى اتصال دائم بشبكات الهاتف والإنترنت، لكن الإجراء المصمم لإغلاق نافذة الاختراق فتح باباً أكبر.
فوفق تحقيقات لاحقة ومصادر أمنية لبنانية، كان الحزب قد طلب دفعة تضم نحو 5 آلاف جهاز من طراز (AR-924) تحمل علامة شركة “غولد أبولو” التايوانية، التي بدورها قالت إن الأجهزة أنتجتها شركة (BAC Consulting) المسجلة في مدينة بودابست، بموجب ترخيص لاستخدام علامتها، وقالت الحكومة المجرية في ذلك الوقت إن الشركة لم تكن تملك منشأة تصنيع داخل البلاد، فيما قادت مسارات التوريد والوسطاء والشركات المسجلة على الورق إلى شبكة شديدة الغموض، ونسبت تحقيقات صحافية أميركية إلى أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية إنشاء شركات واجهة، لتقديم نفسها كمورد شرعي، بما يسمح بإيصال الأجهزة المعدلة إلى الحزب، عبر سلسلة تجارية تبدو طبيعية.
وكان التحقيق الأولي اللبناني أكد أن العبوات زُرعت في الأجهزة قبل دخولها لبنان، لا بعد توزيعها، وأن كمية صغيرة من المواد المتفجرة دُمجت داخل الجهاز بطريقة يصعب كشفها بالفحص التقليدي، والأخطر أن الحزب كان قد فحص بعض الأجهزة، ثم وزع عدداً منها قبل ساعات فقط من تفجيرها، من دون اكتشاف التلاعب بها، وهنا لم يكن الاختراق تقنياً وحسب، فإسرائيل ووفق الروايات التي ظهرت لاحقاً، لم تعترض أجهزة اشتراها الحزب، بل نجحت في أن تصبح، بصورة غير مباشرة، جزءاً من سلسلة مشترياته الأمنية.
17 سبتمبر.. تفجير الجسد التنظيمي
في هذا اليوم، انفجرت آلاف أجهزة النداء بصورة شبه متزامنة، وأشارت تقارير إلى أن الأجهزة أصدرت تنبيهاً دفع بعض حامليها إلى إخراجها أو تقريبها من وجوههم قبل الانفجار، مما يفسر العدد الكبير من الإصابات في العيون والوجوه والأيدي، وقد قتل في الموجة الأولى ما لا يقل عن 12 شخصاً، بينهم طفلان، وأصيب نحو 2750 آخرين وفق الأرقام الأولية، ومن بينهم السفير الإيراني لدى لبنان مجتبى أماني، وامتلأت المستشفيات خلال دقائق بمصابين يعانون أنماطاً متشابهة من الجروح والبتر وفقدان البصر، ولم يكن ممكناً تحديد صفة جميع الضحايا، فبعض حاملي الأجهزة كانوا عناصر عسكريين، بينما كان آخرون يعملون في مؤسسات الحزب الإدارية والمدنية أو الصحية، وكذلك أصيب مدنيون كانوا قرب الأجهزة.
هنا وجد “حزب الله” نفسه أمام معضلة مباشرة، فأجهزة الاتصال التي اعتمدها بديلاً آمناً، أصبحت أدوات قتل، لكن التخلي عنها ترك وحداته من دون شبكة موثوقة، والانتقال إلى وسائل أخرى حمل احتمال أن تكون مخترقة بدورها، وبضربة واحدة، أخرجت إسرائيل آلاف الأجهزة من الخدمة، وأصابت عدداً كبيراً من العناصر، وكشفت مدى انتشار البنية البشرية للحزب داخل مناطق مختلفة، ليكون ذلك أول انهيار في الثقة، إذ لم يعد العنصر يعرف إن كان الجهاز الذي في يده وسيلة اتصال، أم عبوة تنتظر أمراً بالتفجير.
18 سبتمبر.. لا شبكة بديلة
بعد نحو 24 ساعة، وبينما كان الحزب لا يزال يحصي خسائر اليوم الأول ويشيع بعض ضحاياه، انفجرت مئات أجهزة الاتصال اللاسلكية المحمولة “ووكي توكي”، ووقعت بعض الانفجارات خلال جنازات قتلى اليوم السابق، واندلعت حرائق في منازل وسيارات ومتاجر، ووفق الحصيلة التي أعلنتها السلطات اللبنانية و”منظمة الصحة العالمية” حينها، أدت موجتا التفجير إلى مقتل 37 شخصاً وإصابة 3 آلاف، قبل أن ترتفع بعض التقديرات اللاحقة، وكانت الرسالة العملياتية أشد خطورة من اليوم الأول، بحيث أن الاختراق لم يقتصر على دفعة حديثة من أجهزة النداء، بل شمل أيضاً شبكة اتصال أخرى كان يفترض أن تُستخدم عند الطوارئ، وبذلك ضُربت المنظومة الأساسية والبديلة على التوالي، وأصبحت الاتصالات الداخلية بطيئة ومجزأة، وعاد الحزب للرسل واللقاءات المباشرة والوسائل التقليدية، وهي خيارات أكثر بطئاً، وتفرض اجتماع عدد من القادة في مكان واحد، مما يجعلهم أهدافاً أثمن وأسهل للرصد، ولاحقاً، وصف مسؤولون إسرائيليون سابقون العملية بأنها مصممة لإحداث أثر نفسي بقدر أثرها الجسدي، أي جعل كل عنصر يشك في كل قطعة إلكترونية حوله.
نصرالله يعترف بحجم الضربة
في خطابه المتلفز الأخير له، يوم الـ 19 من سبتمبر 2024، وقبل أسبوع واحد تقريباً من اغتياله، ألمح نصرالله إلى وجود جواسيس ضمن صفوفه، وإلى أن هؤلاء الجواسيس ليسوا برتب متدنية في الحزب، بل في صفوف قيادية، وقال أمام الجمهور إن الضربة المقبلة للعدو ستكون موجعة ومؤلمة له، ولن يعرف بتفاصيلها إلا الحلقة الضيقة من الحزب، مشيراً إلى أن هذه المعركة تدار بوجوه خفية، وقال “الحساب سيعود بطبيعته وحجمه، ومتى وأين؟ هذا ما سنحتفظ به لأنفسنا، وفي أضيق حلقة، حتى داخل أنفسنا”.
في هذه الكلمة اعترف نصرالله بأن الحزب تلقى “ضربة كبيرة وغير مسبوقة”، واصفاً ما حدث بأنه إعلان حرب، لكنه حاول في الوقت نفسه احتواء الصدمة، والتأكيد أن بنية الحزب لم تنهر، وأن “جبهة الإسناد” ستستمر، والأهم أن نصرالله أعلن استمرار “جبهة الإسناد”، لكنه لم يطلق رداً يعادل حجم ضربة الأجهزة، وهنا بدأت الفجوة تظهر بين خطاب “الحرب المفتوحة”، والقدرة الحزب الفعلية على فرض معادلة ردع جديدة.
20 سبتمبر: “قوة الرضوان”
بعد يوم واحد من خطاب نصرالله، استهدفت غارة إسرائيلية مبنى في الضاحية الجنوبية لبيروت كان يضم اجتماعاً لقيادة “قوة الرضوان”، الوحدة الخاصة التي أعدها الحزب للعمليات الهجومية، والتسلل إلى شمال إسرائيل، فقتلت إبراهيم عقيل، أحد أبرز أعضاء المجلس الجهادي والقائد الفعلي للقوة، ومعه أحمد وهبي مدرب القوة و14 مقاتلاً، بصاروخين إسرائيليين أطلقتهما طائرة من طراز “إف-35” على شقة كانوا يجتمعون فيها، وبلغت حصيلة الغارة النهائية، وفق السلطات اللبنانية، 45 قتيلاً، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى عشرات الجرحى.
كان توقيت الاجتماع مهماً، فمن المرجح أن الضربات التي عطلت وسائل الاتصال، دفعت القادة إلى اللجوء أكثر إلى الاجتماعات المباشرة لإعادة التنظيم والتنسيق، وهنا تحولت أزمة الاتصال إلى فرصة استهداف، عندما فقد الحزب قدرته على التواصل الآمن عن بُعد، فاجتمع قادته في مكان واحد، فوصلت إليهم إسرائيل دفعة واحدة، ولذلك فالخسارة كانت أبعد من شخص عقيل ووهبي والبقية، فقد أصابت الغارة طبقة القيادة الميدانية التي تربط القيادة المركزية بالوحدات القتالية على الأرض.
21 و22 سبتمبر ومحاولة استعادة الردع
بعدها ردّ “حزب الله” بإطلاق رشقات صاروخية أوسع نطاقاً، استخدم فيها صواريخ “فادي-1” و”فادي-2″، واستهدف قاعدة رامات ديفيد الجوية ومواقع قرب حيفا ووادي يزرعيل، وكانت تلك محاولة لإثبات أن منظومته الصاروخية لا تزال تعمل، وأن اغتيال قادة “الرضوان” لم يسلبه القدرة على توسيع مدى النار، لكن الرد بقي مضبوطاً قياساً إلى حجم الضربات التي تلقاها، ولم تقع خسائر إسرائيلية إستراتيجية، ولم تتوقف الغارات الإسرائيلية على لبنان، ودخل الطرفان في ما وصفه نائب الأمين العام للحزب حينها، نعيم قاسم، بـ”معركة الحساب المفتوح”، لكن الحساب كان يجري ضمن اختلال واضح، فالحزب أصبح يطلق صواريخه لإثبات بقائه، وإسرائيل دخلت مرحلة تفكيك قدراته بصورة متدرجة.
23 سبتمبر: اليوم الأكثر دموية
فجر الـ23 من سبتمبر 2024، بدأت إسرائيل عملية جوية واسعة أطلقت عليها “سهام الشمال”، وخلال يوم واحد نُفذت أكثر من 200 غارة على الجنوب والبقاع ومناطق أخرى، وقال الجيش الإسرائيلي إنه ضرب نحو 1600 هدف لـ “حزب الله”، وكانت الحصيلة البشرية كارثية، إذ أعلنت وزارة الصحة اللبنانية، في حصيلة أولية لذلك اليوم، مقتل 492 شخصاً، بينهم 35 طفلاً و58 امرأة، وإصابة 1645، وارتفعت الأرقام لاحقاً مع انتشال مزيد من القتلى من بين الأنقاض، وخلال ساعات نزح عشرات الآلاف، وازدحمت الطرق بين الجنوب وبيروت في أكبر موجة نزوح يشهدها لبنان منذ حرب عام 2006، واتهمت إسرائيل الحزب بتخزين صواريخ داخل مناطق مدنية، فيما أدت كثافة الغارات واتساع رقعتها إلى سقوط أعداد كبيرة من المدنيين، وتدمير منازل وبلدات بكاملها.
عسكرياً، كان ذلك اليوم إعلان انتهاء قواعد الاشتباك التي حكمت المواجهة طوال 11 شهراً، ولم تعد الضاحية أو البقاع أو عمق الجنوب، مناطق تخضع لحسابات الرد المتبادل التقليدية، كما لم تعد إسرائيل تنفذ عملية اغتيال محدودة ثم تنتظر رد الحزب، بل بدأت حملة متواصلة استثمرت فيها حال الارتباك داخل بنيته، وفي اليوم نفسه استهدفت غارة في الضاحية قائد جبهة الجنوب في الحزب، علي كركي، وأعلن الحزب أنه نجا، ولكن مجرد القدرة على الوصول إلى اجتماع يضم قائداً بهذا المستوى، أظهر أن الاختراق لم يكن مرتبطاً بأجهزة الاتصال وحدها.
24 سبتمبر: الوصول إلى منظومة الصواريخ
خلال ذلك اليوم، استهدفت إسرائيل في منطقة الغبيري إبراهيم قبيسي، أحد كبار المسؤولين عن منظومة الصواريخ والقذائف في “حزب الله”، فقتل مع عدد من معاونيه، وبعد ضرب قيادة “الرضوان”، انتقلت الحملة إلى الرأس المسؤول عن السلاح الذي يمثل عماد ردع الحزب، ذلك أن ترسانة الصواريخ، لا القوات البرية وحدها، كانت الأداة التي بنى عليها الحزب معادلته مع إسرائيل منذ عام 2006، وبعدها واصل الحزب إطلاق مئات الصواريخ، لكن كثافة النار لم تكن وحدها معيار النجاح، فالمطلوب كان منع إسرائيل من مواصلة حملة الاغتيالات والغارات، وهو ما لم يتحقق، وكانت إسرائيل تضرب طبقات مختلفة من المنظومة، أي الاتصالات، والقوات الخاصة، والصواريخ، ثم الطائرات المسيّرة.
25 سبتمبر: صاروخ إلى تل أبيب
في ذلك النهار، أطلق “حزب الله” وللمرة الأولى، خلال هذه المواجهة، صاروخاً باليستياً، “قادر-1″، في اتجاه منطقة تل أبيب، وقال إنه استهدف مقر جهاز الـ “موساد” المسؤول عن عمليات الاغتيال وتفجير أجهزة الاتصال، واعترضت الدفاعات الإسرائيلية الصاروخ من دون تسجيل أضرار كبيرة.
ومن الناحية الرمزية، كان الحزب يحاول نقل المعركة إلى مركز إسرائيل، وربط الرد مباشرة بعملية “البيجر”، وفي الوقت نفسه بدأت الولايات المتحدة وفرنسا وعدد من الدول الدفع نحو وقف موقت لإطلاق لنار مدة 21 يوماً، وبدا الاقتراح فرصة أخيرة لمنع حرب مفتوحة، لكنه وصل بعدما أصبحت إسرائيل ترى أن ميزان العمليات يتحرك لمصلحتها.
26 سبتمبر: سقوط فرصة وقف النار
في ذلك اليوم، رفض وزير الخارجية الإسرائيلي حينها، يسرائيل كاتس، أية تهدئة مع “حزب الله” قبل “تحقيق النصر”، وكتب في منشور على منصة “إكس” أنه “لن يكون هناك وقف لإطلاق النار في الشمال، وسنواصل القتال ضد الحزب”، ومن جانبه قال رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إن حكومته لم ترد على دعوة الولايات المتحدة وحلفائها إلى وقف إطلاق النار، وأكد بيان صادر عن مكتبه، في ذلك الوقت، “أنه اقتراح أميركي – فرنسي، لم يستجب له رئيس الوزراء حتى الآن”.
ووسط هذه الأجواء، استمرت الغارات وقُتل قائد الوحدة الجوية في “حزب الله”، محمد سرور، في ضربة جديدة على الضاحية، ليكون الحزب قد خسر خلال أيام مسؤولين عن قوات النخبة والصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما كانت بنيته الاتصالية تعاني الشلل والشك، وفي المقابل، لم يستطع تقديم رد يجبر إسرائيل على قبول الهدنة، أو وقف حملة الاغتيالات.
مساء 27 سبتمبر: اغتيال حسن نصرالله
في الـ27 من سبتمبر، ألقى نتنياهو كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مؤكداً أن إسرائيل ستواصل ضرب “حزب الله”، وبعد انتهاء خطابه بساعات، شنّ الطيران الإسرائيلي سلسلة غارات غير مسبوقة على منطقة حارة حريك في الضاحية الجنوبية، استهدفت مجمعاً تحت الأرض، قالت إسرائيل إنه المقر المركزي لـ “حزب الله”، وكان حسن نصرالله يعقد اجتماعاً مع عدد من القادة، بينهم علي كركي، كما كان في الموقع نائب قائد عمليات الحرس الثوري الإيراني، العميد عباس نيلفروشان.
انهارت مبان سكنية كاملة، وارتفعت سحب ضخمة من الغبار والدخان فوق الضاحية، وخلال الساعات الأولى فُقد الاتصال بنصرالله، بينما تضاربت الأنباء حول مصيره، وفي صباح اليوم التالي أعلن الجيش الإسرائيلي مقتله، ثم أكد “حزب الله” الخبر رسمياً، وفي تلك الضربة سقط الرجل الذي قاد الحزب 32 عاماً داخل أكثر مناطقه تحصيناً، بعد 10 أيام فقط من انفجار أول جهاز “بيجر”.
ولم تكن إسرائيل قد وصلت إلى نصرالله بسبب الجهاز الذي يحمله، فهو لم يكن، وفق المعطيات والمعلومات المتاحة، من مستخدمي أجهزة “الدفعة المفخخة من البيجر”، ولكنها وصلت إليه بعد أن أدت العملية المتدرجة إلى إرباك الاتصال، وكشف حلقات القيادة، وإجبار المسؤولين على الاجتماع المباشر، وضرب من كانوا قادرين على إدارة الحزب في حال غيابه.
ومع نصرالله، قُتل قادة كان يفترض أن يسهموا في ملء الفراغ، وضمّت قائمة الضحايا المعلنة من الحزب والجهات الرسمية حينها نحو 18 شخصاً، قضوا في الغارة نفسها، أما هاشم صفي الدين، والذي عُد المرشح الأبرز لخلافته، فقُتل بدوره في غارة إسرائيلية على الضاحية بعد أيام قليلة، وقبل أن يتمكن الحزب من إنجاز انتقال منظّم للسلطة.
كيف كُسر “حزب الله” خلال 10 أيام؟
بدأت الحملة بضرب الجهاز العصبي للحزب، لا الترسانة، فعندما فقدت الوحدات وسيلة الاتصال الموثوقة، أصبح التنسيق أكثر صعوبة، والقرارات أبطأ، والاجتماعات المباشرة أكثر ضرورة، ثم استُهدفت تلك الاجتماعات، وبهذا المعنى مهدت عملية “البيجر” لاغتيال عقيل، وضرب عقيل وقيادات “الرضوان” مهّد لتوسيع الحملة، وصولاً إلى نصرالله.
كانت إسرائيل تعرف، وفي أكثر من ضربة، من يجتمع وأين ومتى؟ وهذا يشير إلى تعدد مصادر الاختراق، أي عبر مراقبة إلكترونية، واستخبارات بشرية، وتحليل أنماط الحركة والاتصال، واستطلاع جوي مستمر، وحتى اليوم لا توجد أدلة علنية كافية تثبت الروايات التي تحدثت عن عميل بعينه، أو شخص واحد سرّب موقع نصرالله، والأرجح أن الوصول إلى هذا المستوى من القيادة لم يعتمد على مصدر منفرد، بل على منظومة استخباراتية متكاملة.
وعلى رغم مقتل ضابط بارز في الحرس الثوري مع نصرالله، لم تتدخل إيران مباشرة خلال الأيام الـ 10 لمنع الحملة أو وقفها، واكتفت بالتهديد والتنديد، فيما تُرك “حزب الله” يواجه الإسرائيلي وحده، وكشف ذلك عن حدود معادلة “وحدة الساحات”، فحين تعرض الحزب لأخطر ضربة في تاريخه، لم تتحول الجبهات المتعددة إلى حرب منسقة تنقذه، ولم تستخدم إيران قوتها المباشرة لفرض وقف النار.
جبهة الإسناد تحولت إلى عبء إستراتيجي
دخل “حزب الله” المواجهة في أكتوبر 2023 على أساس أنها حرب محدودة، يستطيع التحكم بإيقاعها، وربط وقفها بوقف الحرب في غزة، لكنه لم يحتسب احتمال أن تغير إسرائيل هدفها من احتواء الجبهة إلى تفكيك البنية العسكرية للحزب، وإعادة سكان الشمال بالقوة، وعندما حاول التراجع لقواعد الاشتباك السابقة، كانت إسرائيل قد قررت أنها لم تعد مقيدة بها.
وربما لا تحمل عبارة “الأيام 10 التي كسرت ’حزب الله‘” المعنى أن الحزب انتهى تنظيمياً، أو فقد جميع مقاتليه وصواريخه، فقد واصل إطلاق النار، وخاض لاحقاً مواجهات برية، واحتفظ ببنية سياسية واجتماعية واسعة داخل لبنان، لكن ما كُسر خلال تلك الأيام كان جوهر النموذج الذي حكم الحزب منذ عام 2006، أي سقطت أسطورة المنظومة الأمنية المغلقة، وضُربت الثقة بوسائل الاتصال وسلاسل التوريد، وقُتلت طبقة كبيرة من القيادة العسكرية خلال أيام، وفشلت الترسانة الصاروخية في حماية مركز القرار، ولم تتمكن إيران من ردع إسرائيل أو إنقاذ قيادة الحزب، وانتقلت المبادرة كاملة تقريباً إلى الجانب الإسرائيلي، وانتهت قدرة نصرالله على إدارة التصعيد من خلال معادلات محسوبة وخطابات مدروسة.
وكان الحزب قبل الـ17 من سبتمبر 2024، تنظيمياً يعتقد أنه يملك الوقت والمبادرة وحق تحديد مستوى المواجهة، وبعد الـ27 من الشهر ذاته أصبح تنظيماً يقاتل للحفاظ على تماسكه، تحت قيادة ملاحقة، وشبكة اتصالات مشكوك فيها، وخصم يملك بنك أهداف داخل أكثر دوائره سرية.
الحزب خسر ثقة جمهوره قبل خصومه
لم تكن الأيام الـ 10 بين “البيجر” واغتيال حسن نصرالله مجموعة عمليات منفصلة، بل مساراً عسكرياً واستخباراتياً واحداً، فقد بدأت إسرائيل بتفجير الأداة التي يعتمد عليها عناصر الحزب لتلقي الأوامر، وفي اليوم التالي فجرت الشبكة البديلة، وبعد ذلك ضربت الاجتماع الذي ضم قادة قوات النخبة، ثم انتقلت إلى حملة جوية واسعة، فاستهدفت مسؤولي الصواريخ والمسيّرات، ورفضت وقف النار، قبل أن تصل إلى مركز القيادة ونصرالله نفسه.
أما “حزب الله”، فتعامل مع الضربات في بدايتها باعتبارها اعتداءات تستوجب رداً ضمن المعادلات المعروفة، ولم يدرك، أو لم يستطع التعامل سريعاً، مع حقيقة أن إسرائيل لم تعد تنفذ جولة ردع محدودة، بل حملة مصممة لتفكيك قيادته طبقة بعد أخرى.
في الـ17 من سبتمبر انفجرت أجهزة “البيجر” في أيدي عناصر الحزب، وفي الـ27 من الشهر نفسه انفجر المقر الذي كان يدير الحزب كله، وبين الانفجارين لم يخسر “حزب الله” أمينه العام وعدداً من أبرز قادته وحسب، بل خسر للمرة الأولى منذ تأسيسه، القدرة على إقناع جمهوره وخصومه، بأنه يعرف ما يملكه عدوه، وأنه قادر دائماً على منعه من استخدامه.
