تتوالى في سوريا مؤخراً الإعلانات عن مشاريع استثمارية، بشراكات دولية وتكاليف إجمالية تصل إلى عشرات المليارات من الدولارات، وقدرات تشغيلية ضخمة تَعِدُ بالكثير من فرص العمل. مشاريع في بلد عانى من حكمٍ دكتاتوري دام أكثر من خمسين عاماً، وخرج لتوه من حربٍ استمرت ثلاثة عشر عاماً تضمنت تدميراً ممنهجاً للمساكن والبنى التحتية أخرجَ كثيراً من خدماتها الأساسية عن العمل، وبات يُعاني شحاً في المياه والطاقة والغذاء ويفتقر إلى المساحات الخضراء والهواء النظيف، وترزح عاصمته تحت كثافة سكانية عالية واكتظاظ خانق. في ظل كل ذلك، لا بد للمرء أن يتساءل عن آلية اختيار هذه المشاريع وعلى من تعود بالفائدة؟

السؤال هنا مشروع، ولا نية لإثارة الجدل أو عقد المقارنة مع الماضي، وإنما هو محاولة لفهم كيف تتسارع الأمور بهذه الوتيرة من الألف إلى الياء. تظهر أخبار متواترة على وسائل التواصل الاجتماعي عن نيّة استثمارية في منطقة ما، ثم يُعلَن عنها بدون أي تفاصيل ويبدأ العمل بها في بلد تَنهشه البيروقراطية و«تُنعشه» أوامر خاصة للسلطة ومحسوبياتها. وفي هذا السياق، يبرز مشروعا «أبراج سوريا» و«مُجمَّع الأمويين السياحي»، وكلاهما يقبعان على خارطة المشاريع الاستثمارية في وسط حيوي في مدينة دمشق، وهُما اللّذان سأتوقف عندهما بالتحليل والنقاش.

تدفعني معرفتي بمدينة دمشق، إلى جانب دراستي الهندسة المعمارية والتخطيط المُستدام في جامعتها، للتركيز على المشاريع فيها، وليس القصدُ من ذلك إيلاؤها أهمية أكثر من غيرها أو تكريسُ مركزيتها في الحوارات العمرانية، بل لتسليط الضوء على مشاريع تؤثر على محيطي المباشر ومحيط عائلتي المعيشي.

أولاً: أبراج دمشق في البرامكة تعود إلى الواجهة

أحد المشاريع التي أُعلن عنها مؤخراً هو مشروع أبراج سوريا، ذي الـ62 طابقاً على مساحة قدرها ​​33 ألف متر مربع وبتكلفة تصل إلى 400 مليون دولار.

بالعودة قليلاً بالذاكرة إلى الوراء، نجد أن هذا المشروع قد طُرح في عهد الأسد، مُستبدِلاً محطة حافلات النقل (الكرنك) ومن ثم ساحة انطلاق الميكروباصات التي تربط دمشق بالمحور الجنوبي الغربي (الزبداني – القنيطرة – بيروت)، بمشروع أبراج سوريا لشركة سوريا القابضة، والذي طُرح حينها بكلفة 15 مليار ليرة سورية (عندما كان الدولار الواحد يساوي حوالي 47 ليرة سورية). سَجَّلَ كثيرون اعتراضهم على وجود هكذا أبراج في وسط دمشق، لكن نظام الأسد ضربَ بكل ذلك عرض الحائط وبدأ العمل عليه قبل أن يتوقف بعد سنوات بسبب جفاف التمويلات المصرفية وبيروقراطية النظام السابق واندلاع الثورة السورية في عام 2011، التي أثَّرت على وضع الاستثمار عموماً مُحوِّلة المشروع إلى منطقة معزولة عمّا حولها محاطة بجدران مؤقتة قائمة حتى اليوم. انتهى المشروع السابق بفسخ الشراكة مع محافظة دمشق، وتم توقيع عقد جديد حالياً.

هنا يطرح سؤال نفسه، لماذا تُعتبر الأبراج وناطحات السحاب دليلاً على التحضُّر؟ لماذا يشكّل نموذج دبي والخليج أقصى طموح لمُقاولينا ومُهندسينا وحتى المواطنين؟ لماذا يُهلل سكان المدن لمشاريع كهذه رغم أنها وبالتجارب المثبتة ستؤدي إلى إقصاء الفقراء عن المدينة؟ معلومٌ أن ناطحات السحاب تمثل نموذجاً لما بعد الحداثة وتطور تكنولوجيا البناء، وتُعد حلاً لزيادة الكثافة السكانية في المتر المربع بتطبيق التوسع العمودي عوضاً عن الأفقي، كما أن إضافتها إلى أفق المدينة أمر جميل إلى حد ما ويخلق تنوعاً وفرادة في مشهدها، أما أن تحلَّ ضيفاً مُستعمِراً على وسط مدينة ذات نسيج تاريخي فهو أمر غير مقبول!

الأبراج وناطحات السحاب نمط معماري دخيل على مُدننا، تبدو وكأنها علب كبريت متراكبة شاقولياً، كما أنها ليست حلاً مُلائماً لإسكان من ترعرعوا في الأرياف أو البيوت العربية التقليدية، وهي مشروع مُوجَّه إلى الخارج وليس إلى السوق المحلي.

عملياً، الأمر ليس بلا منطق، ولكنه إجحاف بحق السوريين الذين يعانون من أزمة إسكان حقيقية. بالإضافة إلى أن هذه الكتل العالية ستشكل عبئاً كبيراً على البنى التحتية للمدينة، سواء من ناحية الصرف الصحي أو تأمين مياه الشرب أو مصادر الطاقة والخدمات، إلى جانب خلقها أزمات مرورية وبالتالي تأثيرها على جودة الهواء. لذا سيتوجب على القائمين عليها تحديث شبكة الخدمات بأكملها، والتي كانت مخصصة لاستيعاب أعداد أقل بكثير مما سيُصبح عليه بعد إنشائها.

للتعمق في مشكلة الأبراج أكثر يمكننا النظر إلى فندق الفورسيزونز، تلك الكتلة الإسمنتية القبيحة الجاثمة على إحدى ضفتي ما تبقى من نهر بردى، مُلقية بظلالها السوداء على ما حولها. هو بناء مرتفع ذو سبع كتل متفاوتة في الارتفاع أعلاها يصل إلى 28 طابقاً بشبابيك خضراء تستحضر موضة البناء في تلك الفترة، يبدو وكأنه يفترس التكية السليمانية ذات التاريخ الأصيل الذي يعود إلى القرن الرابع عشر.

بدأ تشييد الفندق عام 2000 وكأنه تتويج لبداية حكم بشار الأسد «التطويرية»، بهدف جذب الاستثمارات الخارجية وإظهار انفتاح البلاد على العالم. إلا أن نتائجه كانت سلبية على الواقع المحلي. ففي بلد كان يُتَغنَّى بعاصمته ومناطقها الخضراء، حتى أنها اعتُبرت في خمسينيات القرن الماضي عاصمة «ممتازة»، ثم باتت اليوم تفتقر إلى مساحات خضراء تلطف أجواءها، خلقَ هذا المشروع شرخاً في نسيج المدينة التقليدي ومزّقَ ارتباط المدينة مع أحياءها القديمة والحديثة كوحش إسمنتي ضخم خلق تفاوتاً طبقياً في اقتصاد تلك المنطقة، وحدَّدَ الشرائح التي تتردد إليها. ابتلعَ هذا الوحش أيضاً قبب جامع فروخ شاه التاريخية وضمَّها إلى أملاك الفندق.

أدى هذا المشروع إلى تحولات جذرية على النسيج العمراني والاجتماعي للمنطقة، رافقها ارتفاعٌ كبير في الأسعار جعل المنطقة ومتاجرها في «بوليفارها» حكراً على المقتدرين مادياً، فضلاً عن أن وظيفته الرئيسية تغيرت خلال سنوات الثورة حين أصبح الفورسيزونز مقراً لعمل موظفي هيئة الأمم المتحدة، والمبعوثين إليها. كما أنه ضمَّ ما وُصِفَ بأنه مكتب سري للابتزاز المالي وملاحقة الصناعيين والتجّار، أي أنه بات نقطة أمنية ذات نفوذ وسيطرة وثقل شكلاً وفعلاً بامتياز، ولم تَعُد بأي فائدة على المصلحة العامة.

في الدراسات المعمارية هناك مصطلحات خاصة بالمشهد البصري للمدينة مثل: منطقة «خالية من الأبنية الشاهقة»، وخط الرؤية، وخط أفق/ سماء المدينة.

«المنطقة الخالية من الأبنية الشاهقة» هي جزءٌ من المدينة تَحظرُ فيه اللوائح العمرانية أو السياسات التخطيطية تشييد المباني العالية، غالباً بهدف الحفاظ على الطابع التاريخي في المدينة أو حماية المشاهد البصرية للمعالم أو ضبط الكثافة العمرانية.

خط الرؤية وهو المسار المباشر غير المُعرقَل بين عين الشخص وعنصر ما، لتحديد ما يمكن رؤيته من زاوية معينة، يُستفاد منه في تخطيط المواقع مثلاً لتهيئة مناظر محددة، كإبراز واجهة مبنى أو عنصر طبيعي، بما يساهم في توجيه التجربة البصرية والتحكم بها. وخط أفق/ خط سماء المدينة هو الذي يُشير إلى الخط العام والطابع المعماري الكلي لمباني وهياكل المدينة كما تُرى من بعيد، مُشكِّلاً سِمة مميزة وظلالاً فريدة على خلفية السماء.

العديد من المدن الأوروبية وضعت قوانين لتحمي مدنها القديمة وتمنع تشويه خطوط الرؤية أو خط السماء العمراني، وتحافظ على مبانيها التاريخية من العبث والتعديات. سنتناول لندن كمثال، ليس بهدف إجراء مقارنة غير منطقية بين بلد أنهكته الحربُ وفسادُ الديكتاتورية الحاكمة، وآخر يُعَدّ من أقوى البلدان في العالم وأكثرها تحضراً، بل لأنها المدينة التي عشتُ فيها فترة لا بأس بها.

لندن مدينة عريقة بمبانٍ تاريخية ذات طرز مختلفة وخطوط نظر محمية، فيها حرمٌ يمنع إقامة الأبراج داخله، احتراماً لارتفاعات المباني التاريخية والعادية على حد سواء، وحماية للتراث الثقافي والطبيعي كالحدائق والحد من الأثر البيئي لهذه الأبراج (زيادة استهلاك الطاقة)، والأثر الاجتماعي (العزلة الاجتماعية التي قد تخلقها)، والضغط على حركة المرور والبنية التحتية وتنظيم الظلال (كي لا تحجب المباني الشاهقة أشعة الشمس عن المساحات العامة وغيرها من المباني).

وكمثال على ذلك، في بلدة برج لندن، مقرّ الملوك عبر العصور، تُعطَى الأولوية للحفاظ على البرج ومكانته كأحد مواقع التراث العالمي، لذلك تتبع شركة «مدينة لندن والقصور الملكية التاريخية» نهجاً تخطيطياً يشمل النمذجة ثلاثية الأبعاد ودراسات الرياح وتقييمات الأثر البصري الاستراتيجي، وجمع الأدلة لإدارة ارتفاع ومواقع التطويرات الجديدة، بما يضمن عدم الإضرار بالقيمة العالمية الاستثنائية للبرج.

تُعَدُّ كاتدرائية سانت بول أعلى نقطة في المدينة العريقة، ونقطة علّام ورمزاً أساسياً يجب أن يكون مرئياً من مواقع مختلفة. فعند النظر من خلال تلسكوب المرصد في حديقة ريتشموند الواقعة في أقصى جنوب غرب لندن، عند سطوع الشمس وانخفاض معدل التلوث، يجب رؤية الكاتدرائية الواقعة في شرق مدينة لندن القديمة، لذا يُمنع بناء أي مبنى على طول هذا المحور البصري حتى لا يحجب رؤيتها.

وجود أبنية شاهقة في مدينة كدمشق، ذات تضاريس رائعة تتنوع بين وادٍ وسهل وجبل، يخلق تشوهاً في معالمها. كان جبل قاسيون على مرّ العصور أعلى نقطة في المدينة ويُمثل بوصلة للدمشقيين، ونقطة علّام ومُرشدَ سكّان المدينة إلى شمالها، ومُحدِّداً لأي خط نظر من غربها أو جنوبها أو شرقها، فلماذا يُستبدَلُ هذا الجبل الذي يحتضن المدينة بفندق قبيح أو برج في وسطها كبرج دمشق البائس الواقع قرب جسر فيكتوريا وساحة المرجة.

هذا يدفعني، رغماً عني، للحديث عن المشروع الاستثماري في جبل قاسيون، هذه المرة كفندق، لماذا؟ لطالما كان هذا الجبل مُتنفَّساً للسوريين، ومُلكية عامة يجب أن تبقى متاحة للجميع دون قيد. كيف يُباع جزء منه، حرفياً أو رمزياً، عبر عقود غامضة، ويُقدَّمُ على طبق من فضة لأصحاب الأموال أو السيّاح، بدل أن يبقى لسكان هذه المدينة؟ لست ضد إقامة الفنادق، ولكن في بلد يعاني 90 بالمئة من شعبه من الجوع والعطش والقهر والفقر، فإن هذه المشاريع ستُمعن في التفاوت الطبقي بين النخبة المختارة والغالبية المهمشة.

لا أهدف لرسم صورة مثالية أو رومانسية عن الدول الغربية، بما فيها بريطانيا، وكأنها تُولي أهمية لخط النظر على حساب الاستثمارات، فهناك سبب تقني آخر يحول دون بناء الأبراج، وهو طبيعة التربة، فتربة لندن الطينية مناسبة لبناء الأنفاق التي تُشتهر بها، لكنها غير مستقرة لبناء الأبراج والمباني الشاهقة، فحتى إذا سمحت سلطات البلدات المحلية ببناء برج، فستكون التكلفة مرتفعة للغاية، سواء على صعيد التنفيذ أو إجراء الدراسات الإنشائية، بما في ذلك مقاومة الأبراج للرياح والانهيار والزلازل، وتقييم الأثر البيئي لها.

أمّا في الحالة السورية، فيُعلَن عن الاستثمارات دون دراسات للتربة أو لمقاومة الزلازل، ودون تقييم لأثرها البيئي ومدى استدامتها، ودون دراسات عميقة وواقعية عن التكلفة والطاقة المُشغِّلة، وهما أمران نفتقر إليهما في ظلّ العجز المالي وشحّ الطاقة والموارد اللازمة. ما يثير القلق أن مثل هذه المشاريع تُطرَح دائماً دون شفافية، وتُسوَّق عبر صور مُنتَجة بالذكاء الاصطناعي، دون مخططات أو تفاصيل واضحة، في عملية دعائية تُسوِّقُ لمشاريع «جميلة» تجذب أموال المستثمرين وتُروِّج لسوقٍ سورية واعدة ولكنها فارغة من المنفعة العامة.

بعد فترة وجيزة من سقوط النظام، ومع إعلان دونالد ترامب عن نيته رفع العقوبات عن سوريا، انتشرت شائعات حول مشروع لبناء «برج ترامب» في مدينة دمشق ترافقت مع تداول صور مولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر البرج متربّعاً في قلب العاصمة، مثيرةً زوبعة من التعليقات. المدهش لم يكن في الشائعة نفسها، بل في التفاعل الشعبي معها، إذ رحَّبَ كثيرون بها وكأنها تُمثل مظهراً حضارياً جديداً للعاصمة وحلاً سحرياً لمشاكلها، وكأنَّ ما ينقص لجعلها «عظيمة مجدداً» هو مَعلَمٌ للنخبة يحمل اسماً لشخصية إشكالية ويُجسِّد بشكل حي سلطة الرأسمالية في قلب مدينة يكابد سُكّانُها الفقر. وكأننا نعيش في دائرة مفرغة تحملنا على تقديس الأشخاص بشكل مستمر من جميع الأطراف، والدخول في سباق الأكبر والأعظم والأطول.

ثانياً: مجمع «الأمويين» السياحي في ساحة الأمويين

أُعلن مؤخراً عن مشروع في ساحة الأمويين، وهو مشروع مُجمَّع الأمويين السياحي بتكلفة 192 مليون دولار، وبعيداً عن الاسم المستوحى من الساحة، والذي يُثير إشكالية بسبب الجدل حول السلطة الانتقالية الحالية وكأننا استبدلنا تسمية الأسد بصفة الأمويين، يحضرني السؤال هنا: لماذا يستسهل القائمون على إدارة هذه البلاد تمزيق ذاكرة أماكنها وخلع رمزيتها عنها.

لساحة الأمويين ذات التركيبة الفريدة من نوعها، مكانة عميقة في تاريخ سوريا الحديث، فقد كانت شاهدة على حصار مزمن عانته دمشق منذ زمن الانقلابات وحتى اليوم. ومُسمَّى «الساحة» هنا ليس دقيقاً، فالساحة هي فراغٌ عام يسمح بتجمع الناس فيه، فيما تشكل ساحة الأمويين عقدة مرورية ضخمة تصل غرب دمشق مع أحيائها المركزية والشرقية عبر شوارع واسعة للسيارات.

هذا المكان شاهدٌ على عصر الأسدين وعلى تركيبته الأمنية المعقدة، فهي فراغ مبني بين أبنية سلطوية: سلطة ثقافية كمكتبة (الأسد سابقاً والوطنية حالياً)، وترفيهية بوجود دار الأسد للأوبرا والفنون وحديقة تشرين، وعسكرية لوجود هيئة الأركان العسكرية العامة، وإعلامية لوجود مبنى الإذاعة والتلفزيون تحت إطلالة مباشرة من قصر الشعب الذي بناه حافظ الأسد تجسيداً للسلطة الحاضرة الغائبة، وباتصال مباشر مع الأفرع الأمنية القريبة وفروع المربع الأمني. ما يجعل من ساحة الأمويين فراغاً مبنياً محاطاً برقابة شديدة، تُشكِّلُ مشهد خوف يُحكِمُ قبضته على كل من يدخله.

هذه «الساحة» بعناصرها المعمارية المتناقضة وتركيبة وظائفها المتصارعة تُشكّل مشهداً يجب الحفاظ عليه، كمعرض حيٍّ شاهدٍ على معاناة المدينة. فمبنى الإذاعة والتلفزيون، والذي يُشاع عن نوايا لهدمه، يعكس رغم مظهره البشع سلطة النظام السابق وطبيعة التجربة التي عاشها السوريون، ويُقدِّمُ درساً للمستقبل، وإذا كنّا نرغب في تجديده أو إعادة بنائه فربما يمكن تحويله إلى متحف مفتوح أو أرشيف وطني تتجسد فيه التجربة اليومية السوداء للشعب خلال حكم الأسد، مع التذكير بالإعلام السوري الذي تم توظيفه كسلاح خلال تلك الفترة.

ماضينا الشخصي مُخزَّن في عقولنا، ولكن ذاكرة هذا المكان محفورة بين تفاصيل وخبايا أبنيته. هذه الذاكرة والعلاقات التي نشأت فيه تعود ملكيتها لنا جميعاً، لمستخدميه وساكنيه ولشعب هذه المدينة وهذا البلد. يجب تدوينها في التاريخ لتُشكّلَ هذا الفراغ وتُعيدَ إنتاجه مراراً وتكراراً، ويجب أن تعود لنا السلطةُ في اتخاذ القرارات المتعلقة بإعادة استخدامه.

تتمظهر ذاكرة ساحة الأمويين كرمز في عيون السوريين، وجزء أساسي من ذاكرة سكان مدينة دمشق، من خلال الاحتفالات التي عمت الساحة منذ سقوط الأسد إلى اليوم، حيث أصبحت رمزاً لاستعادة حقوق الناس البسيطة في أماكنهم وفراغاتهم، في هذا المكان الذي كان محظوراً عليهم التجمّع فيه.

إن استثمار مبنى الإذاعة والتلفزيون، أو إزالته لإقامة مجمع سياحي من فنادق وما شابه، هو ضربٌ لكل ما سبق بعرض الحائط، وإلقاءٌ للتاريخ في سلة المهملات، وتفضيلٌ للأموال على ما يُميّزُ دمشق وتجربتها وعلى ما يُميّزُنا. إنه استهتار بمرحلة صعبة كانت جزءاً من حياتنا، وإزالته لن تمحو آثارها في مجتمعنا، بل إن منحنا فرصة لاستشعار كل ذلك هو ما يمنح هذه الأماكن معناها عبر التاريخ.

يقول الباحث ألدو روسي، في بحثه المدينة كمكان للذاكرة الجماعية: «في الحياة اليومية، أماكنُ الذاكرة لا تكون بارزة كثيراً ولا تسترعي الانتباه وسط الروتين المعتاد. لكنها تُواصِلُ مراكمةَ التجارب والذكريات بطريقة هادئة وغير مرئية. وفي الأيام المهمة مثل الذكريات السنوية، والمناسبات التذكارية، والاحتفالات، أو المراسم، تصعد أماكن الذاكرة إلى الواجهة، وبعد انتهاء هذا الاستخدام المكثّف، تعود لتكون جزءاً من الحياة اليومية والروتين اليومي».

يمكن لـ«ساحة الأمويين» أن تكون أخف وطأة مما هي عليه الآن رغم كونها عقدة مرورية مهمة، إلا أنها قد تصبح مكاناً أكثر ملاءمة وترحيباً وانفتاحاً للمشاة، يستردون فيها دَينهم المُستحقَّ من البيئة العمرانية التي أولت السيارات الأهمية المطلقة في عهد الأسد وتراجعت فيه مكانة البشر، مشاة وطلاباً وطبقات وسطى ودنيا، إلى الهامش. حتى لو تحقق ذلك بشكل جزئي أو في ساعات معينة، فإن توفير المساحة لصالح البشر في الفراغ هو أمرٌ في غاية الأهمية. ومن أفضل الأمثلة على ذلك هو تحويل ساحة تايمز سكوير في نيويورك إلى فراغ مُرحِّب بالمشاة.

إن الاستثمار لا يقتصر على تدفق الأموال والمشاريع، ولكنه عملية عميقة من الإصلاحات الحقيقية في البيئة القانونية والتشريعية والإجرائية، مع ضرورة وجود خارطة استثمارية ذات بُعد مكاني لضمان تنمية مستدامة وعادلة كما تقول الدكتورة ريما حداد مديرة هيئة التخطيط الإقليمي.

وختاماً.. إن صلب عملية إعادة الإعمار والتعافي الصحي والعادل والمُستدام بعد كوارث، كالتي مرّت بها سوريا، هو تحقيق المنفعة العامة وإعادة الاعتبار لشعب أُذلَّت ناصيته بمختلف أشكال الظلم. يجب أن تُرسِّخَ إعادةُ الإعمار العدالةَ المكانية دون أن تُقصي أي فرد أو جماعة، مع ضمان التوزيع العادل للموارد والخدمات والفرص في المدن والأرياف، كما يجب أن تعترفَ بالأرض والسكن والفراغات العامة كحقوق أساسية مرتبطة بالهوية والانتماء، وينبغي أن تُشرِكَ ساكنيها في عملية التخطيط والإعمار بهدف إعادة بناء الثقة باستخدام حلول واقعية تمنح الجميع من النساء والشباب إلى النازحين والعائدين دوراً فعلياً في تشكيل بيئاتهم العمرانية.