كيف يمكن أن يتحوّل الزمن إلى ملجأ وقد أصبح تعريفه أصعب، وتقدمه وتأخره أكثر صعوبة. نراه قديمًا أو حديثًا من معيار اللحظة التي تفرض نفسها أو عنفها على المشهد القاسي للحياة حين يجتاحها الظلم الذي لا يبدو أبدًا أنه قديم لكنه تاريخي وراهن. إن معاصرته قد تمتد داخلنا، لنشعر أن إمكانيات الوقوف في وجهه ضئيلة وربما تكتسب قوتها من فهمه.
لكن أن يتحوّل الزمن إلى ملجأ، فذلك ربما سؤال آخر. آتٍ من صدى بعيد، قد يجعلنا نؤوي إلى الذاكرة من دون أن نعرف أنها لا تقينا برد العالم.
وربما نسمي ذلك نوستالجيا، أو حنينًا. لكن لا نعلم أننا ندخل هناك باحثين عن شيء ما نعيد قراءته ليجعلنا نبصر أشياء لا مرئية حولنا.
لقد ارتبطت موضوعات الذاكرة بالأدبين الفلسطيني والعربي، وربما لأننا في منطقة حرب وإبادة ونكبة، سيأخذ الأدب تلقائيًّا رحلته الخاصة في دعم سردية المظلومين لاسترداد الحكاية المسروقة، ولكننا نتعرف من جديد على روايات للذاكرة قادمة من أماكن مختلفة من العالم، كونها موضوعًا عالميًّا يرتبط بفجوة زمنية مكانية تعيشها شعوب العالم في أمكنة أخرى، وخاصة أوروبا الشرقية وأفريقيا وآسيا. لأن صدمات الحروب تأخذ وقتها في نسج تلك العوالم المنفصلة عن بعضها في المكان نفسه فيصاحب ذلك حالات كثيرة من فقدان ونسيان الذاكرة الجماعية عنوة.
فكل الحروب الاستعمارية كانت تهدف إلى المحو، بدءًا من تقليل قيمة العادات والقيم والموروثات والحضارة والثقافة وليس انتهاءً بتدمير معالم المكان كله.
ونحن في حرب الإبادة الآن مثلًا، نعود إلى قصائد من الماضي، مهمة، وضرورية، نتأمل فيها تكرار الأحداث الفظيعة والمشاعر المصاحبة لها. ليصبح لشعراء قصائد لا زمن لها تولد في كل مرة يتردد فيها صدى المكان المدمر، فتذكرنا وتكون ملجأً صغيرًا نعرف أنه لا ينقذنا في لحظتها غير أنه يفتح بابًا للتأمل.
ويصبح أيضًا لمفكر مثل فرانز فانون وقت خاص للعودة إلى اقتباساته لأننا قد ننسى أنه صاحب التجربة النضالية أو الطبيب الخبير الذي أتت كلماته في زمن الألم والسجن والقتل لتشهد على أن هناك طريقًا لكل الذين يبحثون عن التحرر. فاستعادة الأسئلة يأتي من أن فعل المحو مستمر ويتكرر، ولكن في الأسئلة قد يكون هناك شق أيضًا محاه الزمن المستعمر وينبغي البحث عنه.
وفي “ملجأ الزمن”، الرواية التي كتبها الشاعر البلغاري غيورغي غوسبودينوف، وقد صدرت ترجمتها حديثًا عن دار الآداب بترجمة نيديليا كيتافيا، نرى كم يحاول شاعر من أوروبا الشرقية تصوير ديستوبيا الزمن في لحظات الحرب بسخرية وحزن في الوقت نفسه. وهو يقول في حديثه عن الرواية إنه في زمن الحرب نستعيد الماضي، وهو لا يستعيده فقط، بل يؤسس له مكانًا للعلاج من آفة نسيانه أو التولع به على حد سواء. وكأن هذا الماضي الذي لا ننفك نزوره يشكل صندوقًا أسود، لا بد من معرفة أحد مفاتيحه لكي لا يبدو المستقبل أيضًا كذلك.
هناك أصبح للذكريات والماضي عيادة خاصة مصممة لذلك، يتأمل داخلها الروائي الشاعر أمراض الماضي والذاكرة في عالم الخراب مستلهمًا تجارب الطب والفن والفلسفة والشعر… ويتم علاج أصحابها بالأصوات والروائح القادمة من أيام شبابهم، في مونولوغ أشبه بقصيدة روائية، ولعل هذه الرواية أيضًا تفتح الباب نحو تأمل أساليب الرواية المعاصرة التي تبدو وكأنها تأمل نثري في فكرة تحتمل قصصًا متشعبة، وهي أيضًا ما نراه في نثر الشعراء الذين فتحوا ذاكرتهم على صفحات كثيرة يكبر مكانها في معنى كل شيء حولهم.
عندما فازت روايته بالبوكر الدولية، بعد رفض رواياته كثيرًا في بداياته، يقول الروائي البلغاري حول أسلوبه السردي إنهم كانوا يرون الرواية تسير بشكل أفقي، لكنه لا يراها كذلك وهو يتأمل ما حدث في أوروبا الشرقية. ويقول غوسبودينوف: التذكر فعل سياسي. وخصوصًا أننا في زمن هو فجوة بين عالمين، يتذكر الشاعر والروائي كيف كانت تقرأ جدته الإنجيل وهي تخبئه في منشور سياسي شيوعي، وذلك حين كانت بلغاريا تحت حكم الحزب الشيوعي ولم يكن مسموحًا أن تمارس طقوسًا مسيحية.
وطبعًا، ليست الشيوعية فقط التي تحولت إلى سلطة قمعية كانت يومًا ما تناضل ضدها، بل أيضًا الرأسمالية والنازية والفاشية. فالروائي ذو رؤية ناضجة يدرك أن هناك مسألة خطيرة داخل هذه الأيديولوجيات ستحولها إلى أدوات قمع إذا لم تكن مفتوحة على التعدد.
يكتب غوسبودينوف لكي يواجه النسيان والمحو معتبرًا أن رواياته تختزن الزمن فهي كبسولة زمن بالنسبة له، فهو أيضًا يتابع الرحلة في استكمال رؤيته التي بدأت بفيزياء الحزن التي كان يسرد فيها ماضي الأسى والألم في بلده بلغاريا. حتى روايته الأخيرة “ملجأ الزمن” الذي يطلعنا من خلالها كيف استخدمت النوستالجيا لأغراض سياسية. فالتنقل بين غرف الزمن، ليست مسألة سهلة في الرواية، وخاصة تلك الخبرة التي تعلمنا كيف نتحرك داخل الطوابق من دون أن نغلق على أنفسنا الباب ونبقى هناك في الماضي.
فهناك الكثير ليتأمله هذا الروائي البلغاري في الحروب، فها هو يراقب في العيادة مرضى الخرف ويتساءل: هل ستصرف الدول الإمبريالية مالًا كثيرًا للعلاج منه، وهي التي حاربت الذاكرة؟ ويرى أن الراديو في الثلاثينيات قد زاد استهلاكها كثيرًا جدًّا وقد تحولت إلى وسيلة حرب… ويسأل: ماذا حدث لأجهزة الراديو والناس المتحلقين حولها؟ ويسخر قائلًا: الطفلة الشقراء في برنامج الأطفال صارت عجوزًا فقدت ذاكرتها.
وهكذا لأن الحاضر الذي نعيشه اليوم يكرّر نفسه بقوة، نقف أمام الزمن ونحن واثقون من أن هناك بابًا ما في الذاكرة يؤدي إلى المستقبل، لكن ألهذه الدرجة يغطيه الغبش؟ وهكذا أيضًا يوحي الروائي عبر روايته الشخصية السياسية في آنٍ معًا أن هناك خيوطًا تنسج الذاكرة الشخصية والذاكرة الجماعية، وكأنه هناك مضطرًّا لأن يعود إلى الحاضر السياسي في بلدان كثيرة معظمها أوروبية ليحكي ماضيها وكيف تعاملت مع ذاكرتها كفرنسا والسويد وإسبانيا، ثم يعود ليقرأ الماضي أيضًا في الأساطير الشعرية العالمية ليسألها: لماذا لا تكبرين ولا تشيخين؟
ومن هنا يمكننا أن نرى أن هذه الرواية البلغارية تضع يدها على ذلك الجرح العالمي والنفسي والإنساني الذي اسمه الحرب لأن النازيين والفاشيين والصهاينة والمحتلين والغرب الاستعماري وأيضًا مظاهر الهيمنة، هؤلاء هم قاتلو الذاكرة، وحين تغتصب يصبح من أولى مهام التحرر الفني والفكري والإنساني تحريرها من قبضة الزمن، وذلك أيضًا يجعله الكاتب متصلًا بزوايا جوهرية في علم النفس والصدمات وحتى في لغز الشيخوخة التي تقترب بطريقة ما من الطفولة.
وغوسبودينوف شاعر يرى أن الكتابة عن قضايا العالم المغلقة هي مهمته، سواء بالقصيدة أو بالرواية، تمامًا مثل الرواية التي كتبها عن ذبابة تحتل مسرح العالم ولكنها لم تترجم إلى العربية. وفي إحدى قصائده المترجمة للإنكليزية يكتب:
يركض طفل في حديقة العالم بين الأمهات والآباء/ يجلس على العشب أو يركض أو يحنو على المسنين على الطرقات/ وكأن لا وقت بحجم العالم في يديه/ كنت أود أن أعرف لمَ هو مستعجل هكذا/ والكبار يبطئون كثيرًا/ وكأن لديهم كل أوقات العالم بأيديهم/ هل هناك من يرى أحدًا ما في نهاية الزقاق؟/ ولمَ يجعلني ذلك أبطئ أيضًا…
يبدو لي في ترجمتي لهذه القصيدة أن الزمن يشغل هذا الروائي ومعركته معه تشكل رؤيته للوجود، لأن الذاكرة والطفولة والحرب والسياسة مواضيع أو قضايا وجودية خالصة إذا عرفنا كيف نراها. المصدر ضفة ثالثة