تقديم
بعد 4 سنوات من نيله جائزة نوبل للأدب في عام 2021، يعود الكاتب التنزاني/ البريطاني عبد الرزاق قرنح (1948) من جديد إلى عالم النشر، مع نشر روايته الجديدة “السرقة”، التي سرعان ما تُرجمت إلى عدد من اللغات.
قرنح، الذي تعود أصول أجداده إلى اليمن، ولد في زنجبار لعائلة مسلمة، وغادرها إلى بريطانيا (1968) كلاجئ، وأكمل دراسته فيها حتى حصوله على الدكتوراة، ليقوم بالتدريس في جامعاتها في قسم اللغة الإنكليزية وآداب ما بعد الاستعمار.
أثنت عدد من الصحف العالمية على رواية قرنح الجديدة، واصفة إياها بأنها “مشوّقة إلى أقصى حد… في هذا العمل الروائي الهادئ والناضج لا توجد حقائق سهلة، وهو ما يمنحه صدقه العميق”، وفق وول ستريت جورنال. بينما وجدت واشنطن بوست بأن “جمل قرنح تتدفق كجريان نهر قديم، حتى وهو يصف حيوات حديثة ومعقدة”. ووصفت بابليشرز ويكلي الرواية بأنها “محليّة ثقافيًا وعالمية إنسانيًا في آن واحد”، وقالت إن كاتبها يظهر من خلالها “في أبهى صوره”.
أصدر قرنح عددًا من الروايات، ورُشِّحت اثنتان منهم إلى جائزة البوكر، بدأها مع رواية “ذاكرة المغادرة” (1987)، وأتبعها برائعته “طريق الحجّاج” (1988)، ثم “دوتي” (1990)، وصولًا إلى “قلب الحصى” (2017)، و”الحياة بعد الموت” (2020).
وبمناسبة ترجمتها إلى اللغة الألمانية، وصدورها عن دار بنجوين في 10/9/2025، في 336 صفحة، التقت به إذاعة دويتشلاند فونك كولتور، وأجرت معه هذا الحوار:
نوبل ونتائجها
(*) القصة تدور حول ثلاثة شباب في تنزانيا في عصرنا الحالي، كريم، وفوزية، وبدر. يبدو أن القدر قد رسم لكل منهم مسار حياة محدّد، لكنهم ينجحون في أن يصنعوا شيئًا آخر يعطي قيمة لحياتهم. ويجب أن أقول إن القصة مروية بطريقة ساحرة ودافئة لدرجة أنني شعرت بالحزن عندما انتهت الرواية الجديدة لعبد الرزاق قرنح.
رواية “السرقة” هي الرواية الجديدة الأولى للمؤلف منذ حصوله على جائزة نوبل في عام 2021. وهي متاحة في ألمانيا بترجمة إيفا بونّي. وأنا سعيدة لأنكم وجدتم الوقت لزيارتنا أيضًا.
أهلًا وسهلًا بك أستاذ قرنح.
شكرًا جزيلًا لك.
(*) السيد قرنح، جائزة مثل جائزة نوبل تشكل حقًا نقطة تحول في الحياة، كما أتخيل. كيف كان شعورك بعد حفل التسليم في ما يخص الكتابة؟ هل شعرت بنوع من جمود الكتابة في البداية؟
لا، لا، لم أصب بجمود في الكتابة بالمعنى المتعارف عليه، لكنها كانت تجربة رائعة جدًا بالنسبة لي. التقيتُ بالناس، وكان هنالك كثير من العمل على ترجمات جديدة يجب إنجازها. كما اضطررت فجأة لإجراء عدد من المقابلات، ولهذا ببساطة لم أجد وقتًا للكتابة، لكن جمود الكتابة لم يكن موجودًا عندي.
(*) وهل تشعر الآن بنوع من الاستقلالية في الكتابة بعد هذا التكريم؟
قبل كل شيء، شعرتُ بالسعادة، لأن هذه الجائزة هي اعتراف بعملٍ قدّمته على مدى فترة طويلة جدًا من الزمن. إضافة إلى ذلك، يأتيك إيميل يقولون فيه إنّ الكتب التي كانت قد نفدت من الأسواق أُعيد طبعها، وأنني صرت أُترجَم إلى لغات لم أُترجم إليها من قبل. كل تلك الحفاوة والاهتمام الجديد بي جعلني في غاية السعادة.
(*) قيمة الجائزة المالية الخاصة بجائزة نوبل ضخمة فعلًا، فهي تقارب المليون يورو. أعلم أنك لا تحبّذ الحديث عن المال، لكن لا بد أن أعترف أنني، وزملائي، نشعر ببعض الفضول، إذ كانوا يتساءلون: ماذا فعلت بها؟ وكيف غيّرت هذه الجائزة حياتك؟
يضحك، ثم يُكمل مازحًا: اعذريني، فهو شأن خاص بالفعل.
العلاقة مع الشخصيات
(*) لقد عبّرتُ منذ البداية عن إعجابي الشديد بروايتك الجديدة، فقد لامست قلبي حقًا، بهذه الشخصيات الرائعة التي تواجه مصيرها بإصرار، وخاصةً الفقير بدر، الذي يبدو في البداية كخادم بلا أي مستقبل، لكنه مع ذلك يشق طريقه بقوة وبنجاح. لقد وصفتَ الشخصيات الثلاث بدفء شديد. فهل تحب شخصياتك فعلًا عندما تكتب عنها؟
نعم، أنا أتعرف عليهم في أثناء الكتابة، وبالطبع يُصبحون مألوفين بالنسبة لي. لكن من الضروري أن يكون أحدنا واعيًا بأن ليس كل القصص تنتهي نهاية سعيدة، لذلك من الخطأ الاقتراب منهم أكثر من اللازم.
الكتابة عن الشخصيات أشبه بعملية تحقيق، حيث تدرس حياتهم، نقاط قوتهم وضعفهم، وتفكر في تفاصيل حياتهم. وإذا كنتَ فخورًا أكثر مما ينبغي بما خلقته، أو فخورًا أكثر مما ينبغي بهذه الشخصيات، فعندئذ ستكون، ككاتب، لطيفًا جدًا معهم أكثر من اللازم، وودودًا أكثر مما يجب تجاهها، وهذا ليس بأمر جيد دائمًا كما تعلمين.
(*) لقد جئت كشاب، مع شقيقك، من تنزانيا إلى إنكلترا كلاجئ، ووجدت نفسك وقتها أمام الفراغ تقريبًا. شيء يشبه نوعًا ما الذي مرّ به بدر، الذي يجد نفسه أيضًا، مرارًا وتكرارًا، أمام العدم، أو الفراغ. فهل هنالك كثير منك، أو شيء ما منك، حاضر في هذه الشخصية؟
نعم، بالتأكيد. بالطبع هذا يساعد الكاتب. دائمًا ما يكون مفيدًا الكتابة عن شيء تعرفه، أي أن تعتمد على تجارب معينة مررت بها. لكن هذه التجربة ليست بالضرورة أن تكون تجربة شخصية. يمكنك أيضًا الاعتماد على تجارب أشخاص تعرفهم، أو سمعت عنهم، أو قرأت عنهم.
ومن المهم جدًا أيضًا استخدام خيالك الخاص لملء الفجوات التي تنشأ من ذلك. وبالتأكيد، فإن وجود تجربة شخصية يساعد الكاتب، لأنه يجعل القصة أكثر واقعية، من خلال تفهم التفاصيل بشكل أفضل، لكنه ليس شرطًا أساسيًا. لأن الكتابة، في النهاية، تتعلق بالخيال، ويجب أن تكتب عن أشياء لم تختبرها بنفسك، ولكن تجعلها تبدو واقعية ومقنعة بقدر كبير.
(*) لاحظتَ أنني متعلّق كثيرًا بشخصية بدر، لكنني وجدت أيضًا أن الشخصيات النسائية في هذه الرواية مثيرة للإعجاب للغاية. راية، على سبيل المثال، والدة كريم، بدت لي امرأة عصرية جدًا؛ فهي تترك زوجها الأول عندما كان ابنها في الثالثة من عمره لتتركه مع جديه، ثم تبدأ حياة جديدة في المدينة الكبيرة. فهل هذا هو واقع الحياة اليومية في تنزانيا اليوم؛ أن تقرر النساء مصير حياتهن بأنفسهن؟
لا، هذا ليس أمرًا اعتياديًا بالضرورة. ما يحدث بشكل متزايد هو أن الأمهات الشابات، بسبب عمل الأب في مكان آخر مثلًا، أو بسبب الطلاق، يسلّمن أطفالهن إلى أجدادهم. وهذا أمر نراه في ثقافات أخرى أيضًا، حيث يتولّى الأجداد دورًا شبيهًا بالمربين في رياض الأطفال، مما يمنح الأمهات الشابات قدرًا أكبر من الحرية، مثل أن يكون في إمكانهن العمل. وهذا الأمر سيكون صعبًا إذا لم يكن لدى المرأة والدان يساعدانها.
أما في حالة راية فهو وضع غير معتاد فعلًا، لأنها تخلّت عن الطفل تمامًا. وأستطيع القول إن المعتاد هو أن يُترك الأطفال عند الأجداد بين الحين والآخر، لكن ليس كما فعلت راية. ولذلك أرى أن قصتها مصير استثنائي بالفعل.
(*) كان لديّ الانطباع أن هنالك دافعين، أو موضوعين أساسيين، في هذه الرواية؛ الأول هو التمرّد، أو محاولة تغيير الأوضاع القائمة في القصة. لكن في المقابل هنالك أيضًا شيء من التقبّل، أو التعايش، مثل شخصية بدر، الذي يعمل في فندق، ويعيش في غرفة بسيطة جدًا، ومع ذلك يبدو راضيًا تمامًا عن حياته. بينما كريم يلومه باستمرار على هذا الرضى، ويتهمه بأنه يكتفي بالقليل جدًا. فهل هذا أيضًا نوع من سموم عصرنا، كما فكرتُ، أن الإنسان يريد دائمًا أكثر وأكثر؟
ببساطة، كريم لا يفهم بدر. فالرواية تتحدث عن ثلاثة شبّان يتابعون، في بداية رحلتهم، أي طريق سيصادفهم. وبدر هو شخص حكيم، ولم يحصل على تعليم حقيقي، فهو خادم. فما الخيارات المتاحة له أصلًا؟ لذلك، بالنسبة له، من الأفضل أن يحاول البقاء أقرب ما يمكن إلى ما يحيط به، وأن يقبل الحياة كما تقدم نفسها له.
أما كريم، فلا يفهم ذلك، لأنه جاء من ظروف مختلفة تمامًا، وأكثر امتيازًا. لديه إمكانيات أخرى كثيرة، وبما أن لديه هذه الإمكانيات، فهو أكثر طموحًا بكثير. ولذا يلوم بدر على كونه سلبيًا، ولكن الأمر ليس له علاقة بالسلبية حقًا، لأن بدر بطريقة ما ينجح أيضًا في شق طريقه.
الاستعمار والوطن واللغة
(*) يلعب التعليم دورًا كبيرًا هنا. فالشخصيتان لهما مسارات تعليمية مختلفة تمامًا. فهل يُعد هذا أيضًا موضوعًا مهمًا في تنزانيا اليوم؟
نعم، هذا بالطبع موضوع كبير، والتعليم في تنزانيا ليس متاحًا للجميع. فإذا كان الشخص خادمًا فهو خادم لأنه لم يُتح له الوصول ومتابعة التعليم. أما بالنسبة لكريم فالأمر مختلف، فهو يستطيع ذلك، ويملك فرصًا أخرى ليصنع من حياته شيئًا باستخدام إمكانياته المختلفة.
(*) نظام التعليم هذا في تنزانيا تم إنشاؤه أصلًا بواسطة القوة الاستعمارية البريطانية، فمن يستفيد منه اليوم في تنزانيا، أي فئات من المجتمع تستفيد منه؟
بالطبع، هذا النظام التعليمي يقوم في أساسه على الاستعمار، لكنه لم يعد مرتبطًا فقط بالاستعمار البريطاني، بل أيضًا بالألماني، لأن تنزانيا كانت جزئيًا مستعمرة ألمانية. ثم قام البريطانيون لاحقًا بتغيير اسمها إلى “تنجانيقا”. ومن المثير للاهتمام أن كلمة “مدرسة” ما زالت تُستخدم كما هي بالألمانية “شولي”، وهذا يشير إلى فترة الاستعمار الألماني.
وفي النهاية، حتى لو كان الاستعمار هو الذي أسس هذا النظام في البداية، فهو شيء تطور مع الزمن. التعليم ليس ملكًا لأوروبا، أو الولايات المتحدة فقط، بل يتطور، ويجب أن يكون متاحًا للجميع. في الوقت الحالي، هذا لا يمثل الواقع، ويعود ذلك ببساطة إلى نقص الموارد والأموال. ولكن من المفترض أن يكون هنالك حق حقيقي لكل شخص في التعليم، وأن يكون هذا الحق متاحًا للجميع.
(*) لقد عدتَ بهذه الرواية “السرقة” من جديد إلى زنجبار. بالطبع لقد كانت تنزانيا وزنجبار حاضرتين كثيرًا في رواياتك، لكن بعض رواياتك تدور أحداثها أيضًا في إنكلترا. فهل، بسبب أنك تعيش في إنكلترا منذ فترة طويلة، تظل تنزانيا وطنك؟
لديّ وطنان؛ إنكلترا وطني، وتنزانيا وطني أيضًا. وأعتقد أن هذا أمر يرافق عددًا أكبر من الناس، الذين لا ينتمون لوطن واحد فقط، بل ربما لديهم أكثر من مكان يشعرون فيه بالانتماء. وفي حالتي إنكلترا هي موطني، لأنني قضيت معظم حياتي البالغة فيها. لكن تنزانيا أيضًا وطني، لأنها مكان جذور عائلتي. وعندما أسافر في خيالي، أسافر إلى تنزانيا.
(*) هل تفعل ذلك أيضًا من الناحية اللغوية عندما تفكر في تنزانيا؟ عندما تكتب، هل تكون لغويًا هناك أيضًا؟ أم أنك تفكر بالإنكليزية حينها؟
يحدث ذلك فقط أثناء عملية الكتابة. أحيانًا أترجم من السواحلية (لغة سكان زنجبار وتنزانيا) إلى الإنكليزية أثناء الكتابة، ولكن عندما أكتب إلى أختي بالسواحلية، أستطيع أيضًا الترجمة مرة أخرى إلى الإنكليزية. لذا فالأمر سهل نسبيًا بالنسبة لي للتنقل بين لغة وأخرى.
(*) هل تزور تنزانيا كثيرًا؟ هل يحدث ذلك بشكل متكرر؟
نعم، أسافر إليها كثيرًا. لكن، كما تعلمين، العالم كبير، وليس لزامًا على المرء العودة سنويًا إلى قريته الأم. أحيانًا أزور تنزانيا مرتين أو ثلاث مرات في السنة، وأحيانًا مرة كل عامين، وهذا يعتمد على الرحلات الأخرى التي أقوم بها.
(*) هل لاحظت أي تأثير لجائزة نوبل على الناس هناك؟
نعم، الناس سعداء جدًا. دعاني رؤساء زنجبار وتنزانيا للقاء بهم، وكان هناك اهتمام واسع من الناس الذين يشعرون أن الجائزة تنعكس عليهم أيضًا بشكل ما، لأنني واحد منهم.
السياح واللاجئون
(*) في روايتك أيضًا هنالك جانب يتناول كيف يتصرف السياح، أو موظفو المنظمات غير الحكومية في زنجبار، على سبيل المثال، وكيف احتلّوا الجزيرة بشكل ما. كيف تنظر لهذا الأمر؟ كيف ترى هذه التطورات؟ هل تُدمّر السياحة بعض التقاليد المحلية؟
بالتأكيد، هذا صحيح، لأن الناس الذين يعيشون هناك يُجبرون أيضًا على تغيير حياتهم. ولست أعني في كتابي أن السياحة شيء فظيع، بل أقول ببساطة إن السياحة تمثل مشكلة، خصوصًا لأماكن صغيرة مثل زنجبار.
لا أعلم عدد السياح الذين يزورون ألمانيا سنويًا، لكن ألمانيا بلد كبير، ويمكنها استيعاب هذا العدد إلى حد ما. وينطبق الأمر نفسه على دول مثل بريطانيا، وإيطاليا، أو فرنسا؛ فهي معتادة على ذلك، وتعرف كيف تجني الأموال من السياح. وهنالك عدد من القطاعات التي يمكنها الاعتماد على السياحة كمصدر دخل.
في زنجبار، هذا كله لم يتحقق بعد؛ لأن السياحة ظاهرة حديثة نسبيًا هناك. هذه النوعية من السياحة بدأت فعليًا في منتصف التسعينيات، وتغيّرت كثيرًا خلال الـ25 إلى 30 سنة الماضية؛ إذ كان السياح في البداية من محبي الرحلات مع حقيبة الظهر، أما الآن فيزور زنجبار سياح من مختلف الأنواع.
لا يهمني الآن انتقاد السياح بحد ذاتهم، بل أتساءل: ماذا يحدث للأماكن؟ ماذا يحدث للناس الذين يعيشون هناك؟ ما هو تأثير السياحة عليهم؟ نحن جميعًا في بعض الأحيان نكون سياحًا، ونعرف أسباب سفر السياح إلى الأماكن المختلفة. وفي معظم الحالات، لا يُظهر السياح احترامًا كافيًا للأماكن التي يزورونها. ولذلك أسأل نفسي: ماذا يحدث للناس الذين يعيشون هناك؟ وكيف يتعاملون مع هؤلاء المتطفلين في نهاية المطاف؟
(*) أعجبتني في روايتك هذه الحقيقة، أنه حتى عندما تطرح فيها مواضيع نقدية، يظل هنالك دائمًا هذه الخفة الجميلة، أي أنها تحمل نوعًا من التفاؤل والثقة، حتى عندما تتناول مواضيع حزينة، أو، كما ذكرتُ، نقدية، مثل الحب الفاشل، أو الفقر، أو التعليم، أو الأطفال، وكل ما تحدثنا عنه للتو. كيف تتمكن من الوصول إلى هذا الأسلوب الجميل والخفيف، سيد قرنح؟
هذا مرتبط بحقيقة أن الحياة، مهما كانت معقدة، دائمًا ما تحتوي على جوانب بسيطة ومُساعدة. هنالك دائمًا الحب، وهنالك دائمًا التعاطف. ومهما كان صعبًا وضعنا في الحياة، أو صعبًا حال بعض الناس في حياتهم، فإنهم مع ذلك يختبرون البهجة ويمزحون، ويغضبون كذلك. وهذا أيضًا جزء من الحياة؛ فالحزن والسعادة هما ببساطة جانبان من جوانب الحياة.
(*) لقد مررتَ أيضًا بفترات صعبة في حياتك. لقد عشت تجربة الهروب واللجوء والمنفى. وأتساءل كيف ترى تعامل أوروبا وبريطانيا مع المهاجرين الجدد، مع ازدياد قوة الأحزاب اليمينية الرافضة للهجرة؟
حسنًا، أجد ذلك أولًا غير إنساني. عليك فقط محاولة مراعاة مختلف الأمور. لا أقصد أنه يجب إبقاء الأبواب مفتوحة للجميع، لكن يجب التمييز بين اللاجئ الذي تكون حياته مهددة حقًا، والذي يضطر للهروب، فهذا النوع من طالبي اللجوء يجب أن نُقدم له الضيافة. وقد فعلت ألمانيا ذلك لفترة، وقد أدى ذلك إلى شعور بعض أجزاء الشعب بالغضب، رغم أن ألمانيا بهذا التصرف أنقذت أرواحًا.
لكن هنالك فرق واضح بين هؤلاء ومن يقولون ببساطة: “أريد حياة أفضل، أريد كسب مزيد من المال”، وهذا أمر مشروع تمامًا. وإذا قالت دولة: “ليس لدينا وظائف لكم الآن”، فهذا مقبول أيضًا إذا تم التحكم بالأمر بشكل أفضل. لكن هذا لا يعني أنه يجب إغلاق جميع الأبواب. يجب فقط محاولة التعامل مع هذه القضايا بطريقة أكثر عقلانية وصحية وإنسانية، وعدم التعامل دائمًا وكأن ذلك سيؤدي، لا محالة، إلى كارثة هائلة، وبأن كل شيء مُصمَّم فقط لتدمير المجتمعات الأوروبية.