-
-
زين الأحمد.. كاتبة
-
هذا المقال جزءٌ من ملف المسير تحت سماء مشتعلة: أصوات من السويداء، الذي يُقدِّم شهادات ورؤىً عن المحافظة في محنتها.
*****
في إحدى غرف السكن الجامعي بمنطقة الطبالة في دمشق، شعرت طالباتٌ من السويداء أنهن محاصرات، وكل جدار حولهنَّ يبدو وكأنه يَضيق مع أصوات التكبير في الخارج. في أوج تلك الفوضى سمعت نايا (اسم مستعار) عبارة «وعزّة اللّه لنرجعكن سبايا».
ابتداءً من 12 تموز (يوليو) 2025، ومع تصاعُد العنف المرافق لدخول قوات تابعة للسلطة مع مسلحي الفزعات العشائرية إلى السويداء، تقطعت السبل بين السويداء والمدن الأخرى، كما انقطعت الكهرباء والمياه والاتصالات. خلال هذه الفترة، شهدت طالبات محافظة السويداء اللواتي كُنَّ يدرسن في المحافظات الأخرى حالة من الخوف والعزلة، محاصرات بين الغرف المغلقة والطرق المقطوعة، في انتظار أي خبر عن مصير أهاليهن وسط أزمة إنسانية متفاقمة.
قبل أسبوعين، أصرّت نايا على العودة لاستكمال دراستها وتقديم الامتحانات، متحدية مخاوف أسرتها ورغبتهم ببقائها في السويداء خاصةً بعد مغادرتها قبل أشهر مع بقية طلاب السكن الجامعي إثر الأحداث الطائفية في صحنايا، التي أسفرت عن 41 قتيلاً.
الأخبار الوحيدة التي عرفتها نايا عن مصير أسرتها كانت تصلها عن طريق فيسبوك، بعد قطع شبكة الإنترنت عن المحافظة، لذا تجمَّعت هي ومن تعرفهن من مختلف مناطق السويداء في غرفتها في السكن الجامعي بالطبالة.
في سكن المزة في دمشق لم يكن الأمر مختلفاً لـ ليلى (اسم مستعار)، والتي اعتقدت أنّ انقطاع الطريق يوم 14 تموز الماضي كان حدثاً عابراً.
في صباح ذلك اليوم خرجت ليلى وصديقاتها لتقديم الامتحانات. في ساحة الجامعة رأت مظهر حزن جماعي يُحيط بطلاب وطالبات السويداء، مع وصول خبر اقتحام القرى الشمالية ونزوح أهلها.
ليصلها بعد دقائق خبر من إخوتها المسافرين أنّ الاشتباكات اقتربت من منزلها. الشعور بالعجز والخوف على مصير أسرتها كان كل ما يشغلها، يداها ترتجفان وهي تكتب في ورقة الامتحان، وكلّ ما كانت تفكر فيه: «كيف أقنع أسرتي بمغادرة المنزل؟»؛ هنا غصّ صوت ليلى وصمتت للحظات قبل أن تستجمع قوتها وتتابع لاحقاً.
في يوم 15 تموز (يوليو) ازدادت حدّة الخوف على مصير أُسَرِهنّ، لتصل إلى إحداهنَّ أخبار عن حصار أسرتها في البناية التي تسكن فيها: «رفيقتي كانوا أهلها محاصرين وما عاد قدرت تتنفس»؛ تخبرني نايا التي حَدثتُها مطولاً عبر تطبيق واتساب.
أُغلِقَت أبواب السكن الجامعي عليهن في الساعة العاشرة ليلاً لتشعر نايا أنّها محاصرة في غرفتها بـ«فزعة» طلابية اجتاحت الوحدة 17. علت أصوات التكبير والتهديد في الخارج ليصلها لاحقاً فيديو مصوّر عن شاب يتعرض للضرب، وكاد أن يرميه زملاؤه من الطابق الخامس على إثر ستوري نشرها على فيسبوك. عَرفَتْ لاحقاً أن اسمه عبادة خدّاج.
أغلقت نايا النوافذ والأضواء، وتجمّعت هي وزميلاتها على الأَسِرّة مع شعور رهيب بالحصار. روت لي عن خوف طالبات السنة الأولى، اللواتي فتحنَ أعينهن على واقع ينهار من حولهن، والأسئلة تدور في ذهنها: ماذا لو اقتحموا الغرفة؟ ماذا سأفعل لأحمي من حولي؟ كيف سنخرج من هذا السجن الكبير؟
فطالبةُ السنة الأخيرة لم تتصور يوماً أن تعيش تجربة مماثلة في جامعتها ومع محيطها من الطلاب الذين اعتقدت أنّها تعرفهم.
فُتِحت أبواب السكن صباح اليوم التالي، وجمعت نايا وصديقاتها أنفسهنّ، وخرجنَ لينتقلنَ إلى حارات أخرى في دمشق، ويتوزعنَ بين منازل الأقارب وغرف الفنادق، ولتقضي أيامها متنقلة إلى أن وجدت نفسها أخيراً في غرفة للإيجار بعيدة عن أبواب قد تُغلق عليها فلا تعرف مصيرها.
في هذا الوقت، وفي زاوية أخرى من الجغرافيا السوريّة، رغد (اسم مستعار) في السكن الجامعي في اللاذقية كانت غير قادرة على العودة إلى المنزل، والخوف كل الخوف يسكنها خاصةً بعد ما عايشته في آذار (مارس) الماضي من مجازر.
واجهت طالبات السويداء طبقات متعددة من الخوف، ورغم أنّ الخوف من اعتقال الطالبات الإناث كما حصل مع الذكور لم يكن أحدها حسب ما روت لي ليلى، إلّا أن شعورهنَّ الضمني كان يقود إلى ضرورة الاحتماء بهويتهن الضيقة، والابتعاد كليّاً عن الظهور في الأماكن العامة وحتى نشر محتوى يُشير لهنّ على صفحاتهنَّ على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث لم يتوقف الأمر عند الصورة الشخصية بل امتدّ إلى تغيير الاسم وإزالته من حسابات واتساب تماماً، والحذر الشديد بالتواصل مع أي شخص لا يعرفنَه بشكل مباشر. كما أنّ الخذلان من المحيط الاجتماعي شعورٌ آخر عانت منه الطالبات، خوفاً على أنفسهن مِن نظرات الشماتة أو الإنكار لآلامهن.
امتنعت ليلى أيضاً عن وضع صورتها أو ما يدلُّ عليها على تطبيقات التواصل الاجتماعي، خوفاً من تهديد يلاحقها كما لاحقَ أصدقاءها، وأخبرتني عن مجموعات على واتساب كانت تنشر أسماء طلاب السويداء مع معلومات دراستهم وأرقام هواتفهم وغرفهم في السكن.
استمر الوضع متوتراً إلى أن انفجر تماماً مع أصوات القصف في ساحة الأمويين في دمشق.
يوم 17 تموز شنّ الطيران الحربي الإسرائيلي سلسلة غارات على دمشق مستهدفاً مبنى الأركان ووزارة الدفاع ومحيط القصر الرئاسي، مساءً تحدثت ليلى عن حملة اعتقالات في السكن الجامعي في المزة لطلاب من السويداء، وأخبرتني أنّ الخوف بدأ يتصاعد بين الطلاب الذين بدأوا بالهروب تدريجياً إلى أماكن مختلفة من دمشق، وخاصة بعد فيديو انتشر لـ «طلاب الهندسة تجمع الهمك» وفيديو آخر تبعَه لبيان عن «طلاب السكن الجامعي في المزة».
قضت ليلى وصديقاتها ليالٍ طويلة من الخوف: «كانت أيام مثل الحلم، نام وفيق والهاتف بإيدي، اتصل بأهلي عشر مرات وما يعلِّق الخط، ورفيقتي صابها انهيار عصبي لأنها ضلّت يومين مش قادرة تتواصل مع أهلها»
كانت تشعر بألم في جسدها طيلة الوقت، وإحساس دائم بأنّ صوتها يختنق، بينما تفكر في مصير أهلها وتنتفض خوفاً مع كل صوت مفاجئ في الخارج.
قررت ليلى الرحيل بعدما تلقت تحذيراً عبر رسالة صوتية من زميلاتٍ سبقنها في مغادرة السكن، وصلتها من خلال مجموعة لطلاب السويداء على واتساب خُصِّصَت لتنسيق خروجهم من السكن الجامعي. تُفيد الرسالة بتعرضهنّ لتهديدات، فقد أًوقفهن شاب داخل السكن قائلاً لهن إنّ: «أهله في السويداء ولن يلومه أحد إذا تعرضن للأذى»، تلك الرسالة الصوتية على واتساب كانت المسمار الأخير في نعش التردد تجاه مغادرة تلك الغرفة، التي امتلأت جدرانها بذكريات ألمها وألم صديقاتها.
في 19 تموز الماضي، في مدينة اللاذقية، لم يختلف الوضع في غرفة رغد التي أرسلت لي رسائل صوتية عبر تطبيق تيليغرام. كان صوتها مرتجفاً خافتاً، تسجّل الرسائل في الممر الخارجي وتُراقب المحيط حتى لا يسمعها أحد. روت لي ما حدث معها: «لم أتعرض لأذى مباشر لكن الخوف هو ما كان يحاصرني»؛ فجأة وخلال اتصال هاتفي مع أُسرَتها تسربت عبر السماعة أصوات اشتباكاتٍ تقترب من قريتها، حزمت أمّها وإخوتها ما أمكنهم وغادروا في محاولة للبحث عن مكان آمن، اختفوا لساعات ورغد ضاقت عليها ملابسها من الخوف: «ما الذي يحدث عند أهلي؟».
مضت تلك الساعات بصعوبة، ليأتيها اتصالٌ من والدتها التي تمكنت من إخفاء هاتفها المحمول بعد أن صادرت قوى الأمن العام هواتف إخوتها وسرقوا كل ما في حوزتهم من مال ومَصاغ، قبل أن يسمحوا لهم بالعبور. وفي خضّم كل ذلك ظلّت أخبار والدها الذي بقي في المنزل ليحميه مقطوعة. حين هدأت الاشتباكات ذهب أحد أقربائها إلى القرية، وجدَ أباها مقتولاً بعد أن سرقوا ما سرقوه من منزله وأحرقوا محلاته التجارية؛ مصدر رزق العائلة الوحيد.
تابعت: «إني إرجع ع البيت وما لاقي بابا، شي أكبر مني ومن طاقتي».
استطردت أنّها لا تخرج من الغرفة نهائياً إلّا لتقديم الامتحانات، تشعر بالخوف من الكلام، فقوةُ حرف القاف في صوتها كافيةٌ ليعرف من أمامها من أي مكان أتت. أَرعبتها نظرات عابرة من فتاة رأتْها ترتدي اللون الأسود، فالحرمان من طقوس العزاء لم يكن حكراً على من في داخل السويداء بل حتى على من يعيشون خارجها. يعتقد البعض حسب كلام رغد أنّ الحزن ليس من حقهم. تعيش طقوس القلق في غرفتها لتخرج وترى الحياة طبيعية في الخارج، وتتساءل: «كيف يمكنهم أن يعيشوا حياةً طبيعية ونحن نتألم؟».
بعد تلك المحادثة صمتت رغد وتوقفت عن الإجابة على رسائلي. إلى وقت قريب.
في دمشق لم يكن تَعامُل المحيطين مع نايا أكثر مراعاةً. أخبرتني أن زملاء دراستها يتجنبون الحديث معها أو السؤال عنها، ويمرون من جانبها كما لو كانت «مش موجودة».
في أحد الأيام نشرت ستوري تتعاطف مع ضحايا السويداء على فيسبوك، لتصلها رسالة تهديد من زميل سابق: «إنتي وأهلك ومحافظتك على مزبلة التاريخ».
تُراقب نايا يومياً ما ينشره الطلاب على مجموعات الكلية من تهديدات لطلاب السويداء، لكنّها تتعامل مع خوفها آملة أن تتخرَّجَ هذا العام لينتهي كل شيء معه، كما أخبرتني أن بعض المُعيدين أجحفوا بحقها في علامات العملي، إلّا أنّها بقيت مصرّة على قرارها الذي اتخذته قبل أسابيع بأن تكافح الخوف إلى النهاية وتتخرج وتتخلص «من هذه البؤرة الطائفية» كما وصفتها.
تبرز مشاعر «عقدة الناجي» كأحد الأعباء النفسية العميقة التي تُثقل كاهل نايا. هذا الشعور لا يرتبط فقط بالنجاة من الموت أو الأذى، بل يمتد ليشمل الأسى والندم على ما يعيشه الآخرون ممن ظلوا في مناطق الحرب أو المناطق المحاصرة. نايا، الناجية التي اقتربت من حُلمها بالتخرُّج بينما زملاؤها في السويداء ما زالوا يواجهون مصيرهم المجهول، تجد نفسها في صراع داخلي مستمر بين الفرح الذي يجب أن تشعر به لإنجازها الأكاديمي، وبين الحزن الشديد والقلق على أصدقائها وأفراد أسرتها. إنها تحمل عبء الاستمرار في الحياة، وهي تعلم أن كل خطوة نحو المستقبل هي تذكيرٌ بما تركته خلفها من مآسٍ ومعاناة.
نايا ما زالت تنتظر الفرج في دمشق، اتخذت قرار البقاء هناك حتى لا تُزاحم أسرتها على ما يمكنهم تحصيله من الخبز في السويداء، قالت لي بحرقة: «أني المفروض هلق كون عم جهز لباس تخرجي واختار عبارات الإهداءات يلي رح حطها على أطروحة مشروع التخرج. أني خجلانة إفرح إنو عم إتخرج».
بعد أسبوعين من الصمت وصلتني رسالة صوتية من رغد في اللاذقية، لتخبرني أنّها رفَّعت مُقرارت قدمتها مؤخراً وأنّها وصلت إلى السويداء بسلامة، مع فرحٍ مختنقٍ في صوتها وشعور بأنّها بين أهلها أخيراً، رغم أنّ كل شيء ناقصٌ كما قالت لي.
عن رحلة العودة سردت لي في مجموعة تسجيلات متتالية عبر تيليغرام، استغرقت وقتاً طويلاً لتصلني بسبب سوء خدمة الإنترنت في المحافظة المحاصرة: «تَجمَّعنا في ساحة السكن الجامعي لنصعد في باصات متجهة إلى جرمانا في دمشق، كان الطريق من اللاذقية إلى دمشق عادياً وهادئاً. لكن الطريق إلى السويداء كان مختلفاً». لم يكن مختلفاً فقط لأنه بديلٌ عن الطريق الذي تسلكه عادة فحسب، باعتبار أن طريق دمشق السويداء كان مقطوعاً وقتها، بل لأنّ إجراءات العبور باتت مختلفة.
اتجهت الباصات عبر طريق بصرى الشام، وقبل الدخول صوب السويداء أوقفهم حاجز تفتيش، فتّشَ كل الأمتعة وخاصة أمتعة الشباب، وحتى هواتفهم المحمولة، أمّا حقائب الفتيات أو حقائب الظهر لم يتم تفتيشها. كانوا يقولون أنّ إدخال الدواء والوقود ممنوع؛ غصّ صوت رغد في تلك اللحظة وهي تخبرني عن جارتهم التي تصرخ من الألم في المنزل المجاور بسبب انقطاع دواء مرض التصلب اللويحي الذي تعاني منه.
اجتاحها الخوف مرّة أخرى عند الوصول إلى السويداء، فكمُّ الفيديوهات التي شاهدتها عن المدينة عبر الإنترنت جعلها تفتح الستارة بحذر لتشاهد مظاهر الدمار والزجاج المكسر على الأرض والمنازل والمحال المحترقة.
«كانت ريحة المدينة دم».
لم تعد رغد بعد إلى منزلها، النزوح تجربة أخرى تعاني منها الشابة العشرينية. وفقاً لتقرير اليونيسف، تسبَّبَ تَصاعُد الأعمال القتالية في محافظة السويداء منذ 12 تموز في نزوح أكثر من 158,000 شخص داخلياً، بينهم عدد كبير من الأطفال المعرضين لمخاطر فقدان الحماية والتعليم والخدمات الأساسية.
وصلت إلى منزل أقارب لها تجتمع فيه خمس عائلات من النازحين، عانقت أمّها وإخوتها وبكت بحرقة على والدها، وتأملت وجه شقيقتها الصغرى التي كَبَّرتها تجاربُ لم تكن مستعدة لها، وأصوات بكاء في أذنيها لا تتوقف.
أمّا ليلى التي ترددت وقتاً أطول قليلاً قبل أن تحسم قرارها بالعودة، فالخوف وقف أمامها كالسواتر الترابية التي انتشرت على الطرقات، إلى أن تشجَّعَت وخرجت مع قافلة من جرمانا بعد تنسيق مشايخها مع الحكومة. كان الطريق الذي امتدَّ لثلاث ساعات أكثر أماناً من تجربة رغد، وأخبرتني أنّ الحاجز الأخير قبل الوصول هو الوحيد الذي فتّشهم وأخذ منهم البنزين الإضافي الذي كان معهم.
في آخر تسجيل ضحكت رغد خجلة تعتذر عن أصوات الأطفال في الخلفية، فازدحامُ المنزل قدَر عليهم أن يتقبلوه في ظل الظروف الحالية. الأطفال، الذين باتوا يرتاعون من أي صوت مرتفع، كانت أصوات لعبهم تُزاحم صوت رغد الحزين والمتعب من البوح.
سؤال المستقبل كان بارزاً لدى الفتيات الثلاث، فبين رغد التي شعرت بأن فقدان عام دراسي غير مهم وأنّها لا تفكر في الغد بل بأن تعيش كل يومٍ بيومه، وبين ليلى التي تشعر أنّه ما من أمل في العودة وإكمال دراستها، وبين نايا التي ما زالت في دمشق تُقاوم الخوف كل يوم بطريقتها الخاصة.
تعرّضَ الطلاب الدروز في مدن مثل دمشق وحمص وحلب للتهديدات والمضايقات بسبب هويتهم الطائفية، كما تعرضوا للملاحقة في جامعاتهم، في ظلِّ تصاعد خطاب الكراهية ضدهم على وسائل الإعلام مما يزيد من خطورة وضعهم الأمني في البلاد، وذلك حسب تقرير الخبراء من الأمم المتحدة الصادر في 21 آب (أغسطس) 2025.
-
