
-
-
.نهى سويد
-
هذا المقال جزء من ملف المسير تحت سماء مشتعلة: أصوات من السويداء، الذي يُقدِّم شهادات ورؤىً عن المحافظة في محنتها.
*****
سألني أحد عناصر المجموعة التي اقتحمت المنزل: «ماذا تعبدون؟» فأجبت: «نعبد الله ونؤمن بمحمد وبالقرآن الكريم». فسأل: «هل تعرف الصلاة؟» فقلت: «لا، نحن نصلي صلاة الميت ونؤمن بالقرآن، ولدينا آية الكرسي معلّقة على الحائط»، وأشرتُ إليها.
من شهادة السيد علاء البحري، أحد الناجين من مجزرة تموز في السويداء.
أَعددتُ هذه المادة بناءً على شهادتَي كلٍّ من نقيب أطباء السويداء عمر عبيد والسيد علاء البحري على وقائع عايشاها في أحداث السويداء الدامية في شهر تموز (يوليو)، إثرَ هجوم قوات تابعة للسلطة ومجموعات مسلّحة من «الفزعات العشائرية»، مع إضاءة خاصة على تفاصيل الواقع الميداني والإنساني والقطاع الطبي ومراكز الإيواء والخدمات الصحية.
شهادة علاء البحري
منذ أربعة عشر عاماً متواصلة، تعيشُ محافظة السويداء تحت وطأة الاضطرابات والخوف؛ خطفٌ وسلبٌ وتفلّتٌ أمنيّ أثقل كاهل الأهالي وهدّد استقرار حياتهم. في خضمّ هذا الواقع القاسي، لم يكن مطلبنا يوماً سوى الأمان والطمأنينة، ولم يكن رجاؤنا إلا أن نعيش بسلام في ظلّ قانون يحمي الحقوق ويردعُ المعتدين.
من هذا المنطلق، لم يكن لدينا أي اعتراض على دخول القوى الأمنية إلى منطقتنا، إذ كنّا نتمنّى أن يكون دخولهم بدايةً لبسط الأمن والنظام. لم نحمل السلاح ضدهم، ولم نحرّض عليهم، بل قلنا: ليدخلوا ولينشرُوا الأمن بين الناس بواسطة قوى شرطية على الأقل، لذلك لم أغادر بيتي حين دخلوا. أنا أُقيم في ساحة الشعلة، بقيت في البيت مع أولادي الاثنين وعَدِيلي، أمّا النساء فقد نزلنَ إلى بيت عمّي (بيت أهل زوجتي) القريب من بيتي، فأقمْنَ هناك في الطابق السفلي.
بتاريخ 15 تموز الساعة الثالثة مساء طُرق الباب بقوّة حتّى كاد يُخلع من مكانه، فتحتُ فإذا بوجوه غريبة متجهّمة. مجموعة من البدو يرتدون زي الأمن العام، أياديهم على زناد البنادق، قلت لهم: «أهلاً وسهلاً، هل أنتم من الأمن العام؟» فأجابوا بحدّة: نعم. وقبل أن أكمل كلمتي بالترحاب بهم فاجأوني بسؤالهم عن مفاتيح سيارة بيضاء من طراز «توسان» مركونة أمام المنزل.
لم أفهم بدايةً قلت: أيّ سيارة بيضاء؟ فأنا أملك سيارة بيضاء، المرسيدس! قالوا لا: بل تلك السيارة البيضاء المصفوفة أمام البيت. لا يعرفون نوعها بدقّة، وإنما فقط أنّها رباعية الدفع بيضاء. أجبتهم: هذه ليست لي، وفي الحقيقة أنّ جارتنا نجت بروحها وغادرت منزلها تاركة السيّارة مصفوفة أمام البناء.
سألوني: هل لديك سلاح؟ أجبتهم: عندي بندقية ضغط، دخلت وسلّمتها لهم، ثمّ قاموا بتفتيش البيت.
كلّ ذلك يجري والبارودة مصوّبة إلى صدري، وأولادي أمامي والبنادق موجّهة إليهم أيضاً. قلت في نفسي: لعلّهم يجمعون ما يريدون وينصرفون.
ثم قال لي أحدهم: «أريد مفتاح السيارة البيضاء». فقلت: «يا أخي، السيارة البيضاء ليست لي». فقال: «إذن أعطني مفتاح سيارتك». أخذت مفتاح إحدى سياراتي وأعطيته إيّاه قائلاً: تفضّل، هذه مفاتيح سيارتي. شَغِّلْ جهاز التحكّم وستعرف أيّها السيارة، نزلوا وركبوا سيارتي وانطلقوا بها، وبعد قليل جاءت مدرّعة وتوقّفت أمام البيت، وانتشر العناصر في المكان.
طرقوا الباب، وأنا أحاول الحفاظ على هدوء أعصابي. سألني أحدهم: «هل لديك سلاح؟» فقلت: لا. ثم قالوا: «نريد أن نفتّش البيت إذا وجدنا شيئاً سنأخذه». لم يبقَ معنا أيٌّ منهم في الصالون، تركونا وحدنا، ودخلوا إلى الغرف، وبدأوا بفتح جميع الأدراج والخزائن.
نادوني من الداخل: «تعال إلى هنا». ذهبت إليهم، طلبوا مني فتح الخزنة. فتحت لهم الخزنة، فوجدوها فارغة، وقلت لهم إن الذين سبقوكم أخذوا كل شيء، في جيبي قرابة 1300 دولار أعطيتهم إياها. ثم سألوني عن السيارة البيضاء «السوتان»، أجبتُهم بأنني لا أعرف صاحبتها.
أشاروا إلى دُرج مقفل فقلت: «المفتاح عند زوجتي، والدرج لا يحوي سوى إكسسوارات نسائية ومكياج». خلعوه، فوجدوا فيه بعض رزم النقود. كنتُ أتحدّث معهم بهدوء وبرود شديد، لأكسب ثقتهم قدر الإمكان، فقلتُ ممازحاً: إنها قصص النساء في إخفاء النقود عن أزواجهن.
بعدها، سألني أحدهم: «ماذا تعبدون؟» فأجبت: «نعبد الله ونؤمن بمحمد وبالقرآن الكريم». فسأل: «هل تعرف الصلاة؟» فقلت: «لا، نحن نصلي صلاة الميت ونؤمن بالقرآن، ولدينا آية الكرسي معلّقة على الحائط»، وأشرتُ إليها.
قال لي بعد ذلك: اجلس، فجلست في الصالون بينما هم يفتّشونه رأساً على عقب. وبعد قليل جاء إليّ أحدهم موجها المسدس نحوي وأصبعه يلعب بزر الأمان، وقال لي بلهجة فيها استنكار وشَكّ: «هل تريد أن تقنعني أنّ كلّ هذا البيت وما فيه، وليس معك إلا 1300 دولار فقط؟
استجمعتُ هدوئي بينما أعصابي بدأت تفلت: «يا حبيبي، نحن هنا نهتم بالبيوت كثيراً، ونضع فيه كل ما نملك، مهما كان. لكن هذا هو المبلغ الذي معي حالياً، وقد أعطيتك إيّاه. المجموعة التي سبقتكم أخذت كلّ شيء».
راح ابني كذلك يحدثهم بلطف، فقال له أحدهم «لن نأخذكم». شعرت بشيء من الاطمئنان على أولادي عند سماعي ذلك.
العنصر الذي يقف أمامي ما زال موجهاً مسدسه نحوي، ويلعب بزر الأمان الخاص به، ويتملّكه الغضب، قلت في نفسي: إذا أراد أن يطلق النار فأنا أقرب شخص إليه، فقد بلغ الموقف حدّه «يا قاتل يا مقتول».
استطعنا في تلك اللحظات امتصاص طاقته السلبية وغضبه، فهدأت الأمور. عرفت من لهجتهم أنهم من درعا، سألني أحدهم عن دراسة ابني، وأخبرته: بأنّه يدرس معلوماتية في الجامعة الأوروبيّة، فردّ: إنّه زميلي، أنا أدرس معلوماتية، ولكن في الجامعة الافتراضيّة. أخذوا هواتفنا المحمولة وغادروا المكان.
نزلتُ إلى الحارة بعد أن غادروها. كانت السيارة البيضاء الفاخرة المتوقفة أمام البيت هي أكثر ما يُثير اهتمامهم، أخذت سكيناً وثقبت إطارها حتى لا يعودوا إليها أو يسألوا عنها مجدداً. حتى المجموعة الثانية دخلت لتسرق السيارة البيضاء.
كنت قد خبّأتُ قطعة سلاح في الحديقة، أخذتها بعد أن تأكّدت أنهم غادروا الحارة، خاصة بعد أن عاثوا فيها فساداً، واقتحموا البيوت وحطموا المحال. رحتُ أوزّع الأدوار مع أولادي، كيف سنتصرّف في حال عادوا، لن أموت رخيصاً، سأموت بشرف وأدافع عن عائلتي.
في الليل تحوّل الوضع إلى معركة حقيقية، صواريخ، قذائف، ورشاشات من عيار 23. عند الساعة الخامسة صباحاً فجر السادس عشر من تموز، اتفقتُ مع شباب العائلة أن نغادر الحي. منذ يومين طلبوا مني أن نخرج من هنا أسوة ببقية العائلات التي غادرت، وكان ابنايَ يقولان: «دعنا نُخرج أمّي وأختي من هنا»، قلتُ لهم حينها: «لا، لن يحدث شيء، لا تخافوا»، لكنني في تلك اللحظة أدركت خطورة الوضع وثقل المسؤولية.
توقّف القصف وإطلاق النار قليلاً، واتفقنا على أن نوصل النساء إلى مكان آمن، سالكين طريق المشفى، ومن هناك إمّا نصعد إلى الجبل أو نذهب إلى أيّ مكان.
هيّأنا أغراضنا بسرعة وتوزعنا على سيارتين، سلكنا طريق دوّار الزنبقة باتجاه طريق الجبل. يوجد طريق
مختصر بين المشفى والجبل، لكننا سمعنا أنّ هذا الطريق مقنوص، فغيّرنا مسارنا ونزلنا إلى وسط البلدة حتّى وصلنا إلى ساحة تشرين، حيث كانت قوات الأمن في مواجهتنا، وأمامنا بضع سيارات مدنية أخرى. بدأوا بإطلاق النار علينا.
استطعتُ وعديلي في السيارة الثانية الاستدارة والعودة، أصيبَ عديلي في كتفه. تابعنا الطريق، كل واحد منا راح يتفقد ما أصابه. ابنتي جالسة في الجهة اليمنى، والبنات بجنبها يصرخن: يا عمّو، دم! دم! دم.
التفتُّ فرأيتُ دماً تحت قدمها. قلت لها: مرعوباً «ما بكِ يا بابا؟» قالت: لا، لا تخف يا بابا، لست موجوعة. كانت تحاول أن تخفف عني.
نظرت إلى السيارة الثانية، فرأيت ابني يضرب على رأسه. نزلت إليه، فوجدت أخاه بجانبه والدم يخرج من رأسه، وهو يرفرف مثل الطير المذبوح.
ابني الأصغر الذي يسوق السيارة عمره 22 سنة، كان شجاعاً واستطاع أن يكمل باتجاه المشفى، رغم أنّ أخاه في حضنه، مُحنّى بدمه.
وصلنا إلى المستشفى. هناك، حين رأيت ابني ممدّداً على أخيه الذي كان الدم يخرج من رأسه، فقدتُ الأمل والتفتُّ لمحاولة إنقاذ ابنتي. حملتُها وركضت بها إلى الإسعاف. أما ابني فأخذوه وأدخلوه إلى العناية المشددة. المسعفون طمأنوني بأنّ الرصاصة خرجت من فخذ ابنتي.
فتحتُ باب العناية المشددة شاعراً بأنّ قلبي قد يتوقف بأي لحظة، رأيت ابني يتنفس. عادت روحي إليّ، عدت بسرعة إلى ابنتي لأطمئن عليها.
في الممر صادفت عديلي وكان مصاباً في كتفه. لم أعرف بإصابته وسألته: «ماذا حصل لك؟»، لكنه نظر إلى ثيابي المبللة بالدماء، اتكأَ على الحائط ثم سقط على الأرض. في تلك اللحظة ظننتُهُ مات، رحتُ أصرخ طالباً المساعدة، حاولت أن أصحّيه، لاحظت أنه يتنفس، كان مجرد إغماء.
عدتُ إلى ابنتي أُحدِّثها، وكانت في كامل وعيها رغم شدة الألم. قام المسعفون بتضميد رِجلها فقط، إذ أخبروني أن ما جرى هو إجراء إسعافي بسيط بسبب كثرة الإصابات لديهم وعدم قدرتهم على تقديم علاج أشمل في تلك اللحظة. تركتُ ابنتي مع خالاتها وعدتُ إلى ابني، همّي الوحيد الآن أن ينجو.
أُخرِجَ ابني من غرفة جهاز التصوير المقطعي (الطبقي المحوري)، ثم أُدخل مباشرة إلى غرفة العمليات. كنتُ أتماسك بين خوفٍ على ابني من جهة وانشغالٍ بأخته من جهة أخرى، وبينما كانوا يقطّبون جرح رأسه حاولتُ أن أستريحَ قليلاً على السرير القريب، حتّى يُكملوا عملهم. وكلّما شعرت بأنّي على وشك الإغماء أو الانهيار، أعود وأقف بجانبه متمسّكاً بيده.
عشنا لحظاتٍ في غاية الصعوبة والألم. بعد قليل اكتشفوا وجود شظية اخترقت ذراعه، فسبّبت شقّاً ممتداً من الوريد عند المعصم حتّى إصبع السبابة. قاموا بتقطيب الجرح وأخبروني أنه قد يحتاج إلى عملية أخرى لإصلاح وتر السبابة لأنه مقطوع. سألتهم عن حاله فقالوا: «نحن بذلنا ما في وسعنا، والباقي على الله».
بعد مضي ساعتين على وجودنا في المشفى، ضُرب طوقٌ خانق حول المكان من قبل قوات الأمن ووزارة الدفاع، ووجدنا أنفسنا محاصرين، نعيشُ ليلة كاملة تحت وابلٍ متواصل من القذائف والرصاص المنهمر من كل الجهات. بلغ الخطر ذروته حين اخترقت الرصاصات غرفة ابني، فبادرتُ إلى حمله ونقله إلى الممرّ الداخلي، حيث قُمنا بسحب أَسرّة المرضى وتجميعها في الممرات، لعلّنا ننقذهم من القصف العشوائي.
تلك الليلة كانت مثالاً على الفزع والإرهاب بكل معانيه. عند الساعة الثانية بعد منتصف الليل اقتحم المهاجمون المستشفى، بدأ الممرضون يتنقلون بيننا يرفعون معنوياتنا ويشدّون على أيدينا مردّدين: «تماسكوا، قوّوا عزيمتكم، قد يدخلون في أية لحظة»؛ محاولين بكل طاقتهم أن يبعثوا فينا القوّة والثبات.
دخل المسلحون إلى قسم الإسعاف واعتدوا على الكوادر الطبية، أعدموا بعض الجرحى، وأُصيب أحد الممرضين أثناء محاولته الدفاع عنهم، ولم أعلم إن كان قد نجا أم لا. كانت ليلة رهيبة ثقيلة الساعات. ثم صعدوا إلى الطابق الذي كنّا فيه بحثاً عن مسلحين تابعين لهم، قبل أن تصلهم أوامر بالانسحاب فغادروا المكان.
ترافق هذا الحصار بانقطاع الماء تماماً منذ الساعة الخامسة مساء 16 تموز، فقد فجروا خزانات المياه على سطح المشفى، المشفى الذي يعمل على المولّدات الكهربائية بسبب انقطاع الكهرباء.
بقيتُ ملازماً لابني أربعة أيام كاملة لم أبرح خلالها سريره تقريباً، فإصابته خطيرة وتستلزم مراقبة شديدة، ونُقلت ابنتي إلى مشفىً آخر، إذ ظهر في جرحها بوادر إنتان خطير. وبينما نحن على هذه الحال سمعنا عن هجوم جديد على السويداء، والاتصالات كانت شبه مقطوعة. وحين وصلتُ عائداً إلى المشفى الأول تبيّنَ لنا أن الهجوم كان واسعاً، وانقطعت بنا سبل التواصل مع الخارج. في تلك الأثناء، وبعد محاولات عدة للاتصال علمتُ أنّ أمّي وأختي، وعائلتي الصغيرة ومن كانوا معها خرجوا جميعاً إلى مدينة صَلْخَد، فقلتُ لهم: افعلوا ما ترونه صواباً.
قوات الأمن اقتحمت الحيّ الذي نقطنه، وهو حيّ «بيت سرايا» جيراننا، وارتُكبت فيه مجزرة طالتهم جميعاً. من بين قاطني ذاك الحي شابٌ يحمل الجنسية الأميركية، أثار خبر إعدامه ضجة إعلامية. أخبروني قائلين: «حمداً لله أنّنا خرجنا في الوقت المناسب قبل وصولهم إلينا، فقد اقتحموا بيت سرايا وأبادوا من فيه».
قالت زوجتي إّن أهالي صلخد في الشوارع يُرحبون بمن نزح إليهم، ويصطحبونهم إلى بيوتهم.
عشتُ أربعة أيّام كاملة في مشفى السويداء الوطني، منها يومان كان فيهما الحصار مطبقاً بالكامل، لا أطباء يدخلون ولا مرضى يخرجون. الكادر الطبي المتبقّي أُنهِكَ من كثرة المناوبات الطويلة، إذ أخبرونا عند وصولنا أنّهم منذ خمسة أيّام متواصلة لم يغادروا أماكنهم، يتناوبون بين أطباء وممرضين بلا انقطاع، فالسويداء محاصَرة ولا أحد يستطيع أن يأتي ليحلّ محلّهم.
علمتُ أنّ الدكتور طلعت عامر، حين حاول أن يستريح قليلاً قبل أن يعود إلى عمله، تعرّضَ للقنص أمام منزله فقُتل. ومنذ ذلك الحين لم يجرؤ أحد من الأطباء على مغادرة المشفى الوطني أو العودة إليه، وصار الكادر الطبي محبوساً في الداخل.
عملنا نحن مرافقي المرضى مع الممرضين والأطباء يداً بيد، علّنا نُخفِّفُ العبء قليلاً عنهم. تعلّمتُ حقنَ الإبر للمرضى، وتفريغَ حُقَن المضادات الحيوية الخاصة في السيرومات، كما شاركنا جميعاً في تنظيف الغرف وإزالة النفايات قدر المستطاع.
الآن، بعد مرور أكثر من شهرين ونصف، ما تزال آثار الفاجعة حاضرة في كل التفاصيل، إصابات أبنائي واستشهاد صديق عمر ابني الأكبر من بين آخرين أُعدِموا في ساحة سرايا، وخسائر في الأرزاق لم نتمكن من تقييمها حتى الآن. تَحضُرُني الآن ذكريات من زمنٍ ماضٍ، بعد اندلاع الأحداث عام 2011، حين كنت أتردد يومياً إلى مقر عملي في فرع البنك العربي في مدينة درعا وأعودُ بسيّارتي، كان رفاقي يسألونني بدهشة: كيف تدخل درعا في هذا الجوّ المُضطرب؟ فأجيبهم واثقاً: «سوريون ببعضنا».
شهادة عمر عبيد نقيب أطباء السويداء
حُوصِرت السويداء بتاريخ 13 تموز من جميع المحاور. بدأ ذلك بدخول المجموعات المهاجمة من القرى الواقعة على الجهات الغربية والجنوبية الغربية والجنوبية الشرقية، وكذلك من المحور الشمالي بِدءاً بقرية «الصورة الكبيرة». ومع تَقدُّم هذه المجموعات، وضَعفِ الجهوزية الدفاعية لمواجهة هجوم بهذا الحجم، بدأت القرى بالسقوط واحدة تلو الأخرى، حتّى اكتمل حصار المدينة بالكامل.
المدينة وإن كانت صغيرة نسبياً، إلا أنّها مكتظّة بالمدنيين مثل أيّ مدينة أخرى في العالم. أثناء الحصار بدأ القصف العشوائي باستخدام قذائف الهاون والصواريخ والطائرات المُسيَّرة، فسقطت القذائف على رؤوس المدنيين وفي الشوارع التي يتنقّلون فيها. معركة حقيقية تُستخدَم فيها المدفعية وتُطلَق الصواريخ، وتدور في منطقة مأهولة بالسكان، أدّت إلى تعطيل الحركة العامة فاضطر الناس إلى التزام بيوتهم، حتى بدأ الاقتحام الفعلي للمدينة.
كثير من الأهالي اعتقدوا أنّ قوات الأمن ووزارة الدفاع ستُراعي المدنيين ولن تؤذيهم، لكن بعد دخول المدينة تبيّنَ لنا أنهم مجموعات مسلّحة من الذئاب البشريّة تنتمي إلى عصابات من القتلة وقطّاع الطرق وشذّاذ الآفاق من الإرهابيين التكفيريين، الذين لا صلة لهم بمفهوم الدولة أو مؤسساتها، ولا يمتّون لأيّ حالة مدنية بصلة، استباحوا كلّ شيء في انتهاكات واسعة طالت حياة الناس وممتلكاتهم وحرياتهم.
دخلت هذه المجموعات بزيّ الأمن العام. في البداية حاولوا إظهار الودّ والتقارُب مع بعض السكان لتبرير وجودهم. كان الهدف الظاهر لهم، بحسب ما شعرتُ به وما أفادَ به الأهالي، أن يعطوا الانطباع بأنهم «قوات تحمي المدنيين» وأن دخولهم سيكون آمناً. ومع ذلك، فإن هذه الصورة لم تكن دقيقة، إذ سرعان ما انكشف السلوك الفعلي لهذه المجموعات، الذي خالف تماماً ما كانوا يدّعون.
قاد عناصر الأمن العام المعركة على الأرض، ووجّهوا المسلحين من منزل إلى آخر، وشاركوا في أعمال القتل، مُوثِّقين ذلك بالصوت والصورة. وبعدها، دخلت دبابتان أو ثلاث ومعها مجنزرات، وبدأت في التجوال بين أحياء المدينة وقصف البيوت إمّا بشكل عشوائي أو وفق أهداف محددة، مستعينين على ما يبدو بأشخاص كانوا يزوّدونهم بمعلومات عن مواقع معينة أو منازل ميسورة الحال، ليُقتَل أصحابها وتُنهَبَ ممتلكاتهم.
الانتهاكات واسعة النطاق طالت السكان المدنيين وممتلكاتهم وموارد عيشهم، من تدمير مصادر مياه الشرب إلى إحراق صوامع الحبوب والمطاحن، ما جعلنا ننظر إلى هذه الأفعال على أنها تحمل سمات الإبادة أو التطهير العرقي. وحتى هذا اليوم الذي أقدّم فيه شهادتي، ما تزال أبعادُ هذه الانتهاكات غير مُتكشِّفة بالكامل، إذ لم يُسمَح بالوصول إلى نحو 35 قرية لمعرفة مصير من بقي فيها سواء شهداء أو مفقودين، أو حتّى معرفة حجم الأضرار العينية في الأرزاق والممتلكات.
انطباعُ أهالي السويداء أنّ كل المهاجمين كتلة واحدة تَجمَع بين قوات وزارة الدفاع، وقوّات الأمن والدواعش ومسلحين من البدو، جميعها تتحرك وتعمل بتنسيق واحد، هجمت بطريقة مسعورة دون خشية من المُساءلة، ما يُعزز الانطباع بوجود تخطيط مسبق أو مشروع مُعَدٍّ سلفاً. وقد فاقم الصدمةَ حجمُ التحريض الذي صدر من أطراف سورية وغير سورية ضد هذه المدينة تحديداً، رغم أنها لم تُشارك في أعمال العنف الواسع النطاق في سوريا، وكان كثيرون من أبنائها وبناتها قد قدموا المساعدة بقدر استطاعتهم لمن احتاجها. وقد فوجئ الأهالي بأنّ نقطة انطلاق هذه الحملة كانت من أرض حوران.
سيطرت القوات المهاجمة على مشفى السويداء الوطني لمدة يومين كاملين، حيث فُرِضَ منع تام على الدخول إليه والخروج منه، قصفت القوات الطابق العلوي، وقصفت خزانات المياه، وبتاريخ 16 تموز 2025 اقتحمت المشفى، ثمّ اندلعت معركة عنيفة داخل ممرات المشفى، إذ حاول المسلّحون انتزاع بعض المصابين التابعين لهم من داخله، فاشتبكوا مع عناصر الشرطة المدنية التي كانت تتولّى حماية المكان. انتهت المواجهة بمقتل عناصر الشرطة، ثم أُعدم بعض الجرحى، إضافة إلى تنكيلهم بالطاقم الطبي وإعدام أحد أفراده (محمد بحصاص) ميدانياً، وبعدها تمّ الاستيلاء على المشفى بالكامل، رغم أنّ المحتجزين داخله كانوا أحياء ولم يتعرّضوا للأذى قبل ذلك.
واصل الكادر الطبّي الذي كان موجوداً أثناء الحصار العمل قدر المستطاع، أمّا الأطباء الذين حاولوا الوصول إلى المشفى لمساعدة زملائهم، فقد قُتلوا على الحواجز التابعة للأمن العام، وتواصل القتلة مع أهالي الضحايا عبر الهاتف للتشفي من موتهم. إنها جريمة تطهير عرقي مكتملة الأركان لم تُنفذ بناء على أيّ مبرر سياسي أو قانوني، بل كانت من قبل مجموعات مسلحة تتحرك بحرية، وتقتل على أُسس عشوائية ضد أي شخص مختلف عنها. استخدمت هذه المجموعات أساليب عنف من القرون الوسطى، شملت التفنن بطرق القتل والنهب، والتعذيب.
عقب فك الحصار عن المشفى، وبدء انسحاب المهاجمين من السويداء ـ ربّما بأوامر خارجية ـ بدأت تتكشف الفاجعة تدريجياً، إذ لم يجرؤ الأهالي على الخروج إلى الشوارع في اليومين الأولين. كما أُحرقت العديد من البيوت بعد نهبها وتركت الجثث داخلها، بعضها متفحّم بسبب إحراق المنازل، وبعضها بقي على حاله، كما بقيت جثث ملقاة في الشوارع ورائحتها تنتشر في أرجاء المدينة قرابة 20 يوماً، تنهشها الكلاب الضالة، وقد تعذّر التعرّف على ملامحها بعد أن انتفخت وتفسّخت.
فيما أُحرقت القرى التي دخلوا عبرها إلى السويداء بشكل كامل لا سيما القرى الحدودية مثل قرية تعارة، الصورة الكبيرة، ريمة، سميع، وكناكر، ونهبت بيوتها، وكل من بقي من سكان هذه القرى بسبب تقدمه في السن أو العجز تم قتله مباشرة.
أمّا فيما يخص الوضع في المشفى، فهو أفضل نسبياً من السابق، حيث تمّ توفير المياه والأدوية، خاصة عبر المساعدات المقدمة من الهلال الأحمر، والتي تكفي المشفى لعدة أسابيع قادمة، وأصبح الكادر الطبي قادراً على الوصول والمغادرة بشكل محدود. ومع ذلك تُعاني المدينة من انقطاع الوقود، خاصة البنزين، ما يمنع الناس من التحرك ويجعل التنقل شبه مستحيل. البنية التحتية مشلولة بالكامل، إذ لا يوجد موظفون، ولا عيادات، ولا سوق، ولا خدمات أساسية أخرى.
الكهرباء بقيت مقطوعة حوالي ثلاثة وثلاثين يوماً، وفي الأيّام الأخيرة أصبحت متوفرة لمدّة نصف ساعة إلى ثلاثة أرباع الساعة فقط خلال النهار. وبحسب تقديري، إذا لم يتم فتح طريق دمشق-السويداء، فالمدينة مقبلة على كارثة إنسانية شاملة.
تمّ تنظيف الجثث من محيط المشفى، حيث كانت تملأ الشوارع ضمن حدود حرم المشفى، لكن خارج المبنى نفسه، وذلك بسبب عدم قدرة المشفى على استيعاب هذا العدد الكبير من المصابين أو المتوفين. تعود الغالبية العظمى من هذه الجثث لأهالي السويداء، مع وجود عدد قليل من الجثث للمهاجمين. تم دفن حوالي 120 جثة لأهالي المدينة الذين لم يتمكن ذووهم من الوصول لاستلامها، أو تعذر التعرّف على ملامحهم.
تشهد السويداء وضعاً إنسانياً بالغ التعقيد يتسم باضطراب شامل في البنية الاجتماعية والمؤسسية، يعيش السكان حالة صدمة جماعية وخوف عميق من المستقبل، في ظل انعدام آليات واضحة لتنظيم الحياة اليومية أو توزيع المساعدات الإنسانية، مع اقتراب موسم الشتاء وما يحمله من تحديات إضافية.
فيما يتعلّق بالموارد والمساعدات، أودّ أن ألفت النظر إلى نقطة مهمة، المنظومة الصحيّة وغيرها من منظومات الحكم السابق، التي كانت تحت إدارة نظام بشار الأسد، لا تزال تُدار بأشخاص لم يغادروا مواقعهم ولم تُحاسبوا على أفعالهم السابقة. هؤلاء هم أنفسهم المتورطون في الفساد والنهب عبر العقود الماضية. هذه العقلية الحاكمة التي استمرت لأكثر من خمسين عاماً لا يمكن تغييرها بين ليلة وضحاها.
ما يُرسل إلى المشفى يتم استقباله غالباً دون جرد دقيق للمواد، ويُوضع في المستودعات أو يتم توزيعه حسب الحاجة دون توثيق رسمي، ما يؤدي إلى سوء تنسيق، وفي بعض الحالات إلى نقص حاد في مستلزمات أساسية، مثل السيرومات، رغم وجودها في مستودعات مديرية الصحة التي تُشرف على توزيع الأدوية لجميع المستشفيات. هذا الأمر يجعل المستشفى يُطالب بما يحتاجه من مواد، بينما قد تكون متوفرة في مستودعات مديرية الصحة، إلا أن سوء التنسيق أو سوء النية يمنع وصولها بشكل فعّال. يبرر بعضهم هذا الواقع بسبب ظروف الفوضى والحرب، لكن ذلك لا يُعفي من ضرورة توثيق واستلام المواد بشكل صحيح، إذ أنّ غياب التوثيق والتحكم في المواد يفتح الباب للفساد والنهب المستمر.
رغم هذه الظروف، قام الكادر الصحي بواجبه بأقصى ما يستطيع. فقد عملوا أياماً طويلة دون ماء أو طعام، يقتاتون على ما يجدونه أمامهم، وأجروا خلال أسبوع واحد نحو 500 عملية، أغلبها جراحة عظمية، بالإضافة إلى عمليات متقدّمة تشمل تفجير الصدر وفتح البطن.
بعض المصابين فقدوا حياتهم بسبب شدة الإصابات، يتم حالياً توزيع الجرحى على المستشفيات المتبقية، وتوفير العمليات التي يحتاجونها ضمن الإمكانيات المتاحة. العمليات العظمية تتم عادة على مرحلتين في ظروف الحروب والكوارث، المرحلة الأولى تركز على إنقاذ حياة المريض والحفاظ على الطرف المصاب عبر تثبيت خارجي (جبائر أو مثبتات خارجية)، وبعد استقرار الحالة، عادة بعد نحو شهر، تبدأ المرحلة الثانية لتصحيح الكسر أو استبدال العظم المتفتت باستخدام أدوات مثل أسياخ وصفائح وبراغي، وفق الحاجة.
مراكز الإيواء في المدينة تعجّ بالناس الذين فرّوا من القرى، وقد بدأ انتشار بعض الأمراض بينهم، مثل الجرب والقمل، إضافة إلى حالات الهلع والتوتر الشديد التي تُصيب الأطفال الصغار نتيجة ما شاهدوه من مشاهد رعب متنقل خلال الأحداث.
مراكز الإيواء التي افتتحت في المدارس داخل المحافظة، وخاصة في صلخد وشهبا، استقبلت أعداداً كبيرة من النازحين. وهي تشكو من نقص حاد في المياه، وعدم وجود تجهيزات كافية حتّى في المستشفيات. كما تبرز مشكلة حقيقية تتعلق بالنظافة خصوصاً الاستحمام، إذ يصعب توفير بيئة صحية مناسبة داخل المراكز.
الطاقم الصحي يعمل بأقصى ما لديه من طاقة في ظلّ ظروف قاسية للغاية، فالطاقم لا يتقاضى رواتب، ويتنقل بصعوبة دون وسائل نقل، ومن دون أي مزايا تتيح له الاستمرار في أداء واجبه. نحن نقوم بإجراء العديد من العمليات الجراحية والتدخلات الطبية، ومعظم المصابين هم من ضحايا المواجهات الظالمة والقصف العشوائي الذي تعرّض له السكان. لقد تمكّنا حتى الآن من تحقيق نسبة شفاء تقدَّر بأكثر من 75 بالمئة ضمن خدمة مجانية بالكامل. ويمكن القول إنّه إذا كانت هناك مؤسسة ما تزال قائمة، وتؤدي دورها رغم كل هذه التحديات فهي المؤسسة الصحية بكوادرها العاملة.
أنا لا أزعم أن الصورة العامة تدعو إلى التفاؤل، لكن أُؤكد أن هذا القطاع الحيوي يحاول القيام بواجبه في هذه الظروف القاسية. ومع ذلك، فإن وجود مراكز الإيواء واستضافة أعداد كبيرة من الناس يخلق بيئة مواتية لظهور أمراض مستجدّة، كما بدأت تظهر حالات التهاب الكبد الوبائي وغيره من الأمراض التي يسهل انتقالها في ظروف الاكتظاظ وضعف الخدمات الأساسية.
هناك إصابات بالدرجة الأولى للمرضى المزمنين كمرضى السكري، وارتفاع الضغط، والسرطان، وأمراض الكلى. هؤلاء يواجهون معاناة كبيرة بسبب غياب أو نقص الأدوية المزمنة التي يحتاجها المريض شهرياً.
أمّا فيما يخص الخدمات الصحية، فوجود مستشفيات مدينتي صلخد وشهبا، ومشفى بلدة سالي في أنحاء المحافظة ـ على الرغم من ضعف الكوادر وقلة الإمكانات ـ ساعد في استمرار تقديم الخدمة الطبية. الخدمات الصحية ما زالت تُقدَّم في المستشفيات العامة وحتّى في بعض المستشفيات الخاصة التي فتحت أبوابها مجاناً أيام الأزمة وما بعدها لكلّ من استطاع الوصول إليها.
-