في ذكرى ميلادِ ميخائيل نعيمة يوم 17 تشرين الأوّل/ أكتوبر (من عام 1889)، نستذكر مقاله “نقيق الضّفادع” المنشور في كتابه “الغربال” (دار نوفل بيروت، ط 15، 1991، ص 106-90)، الّذي يستهلُّه بذِكْرِ استعارته لعنوان “نقيق الضّفادع”، أو سرقته على حدّ قوله دعابة، من إحدى قصائد ديوان صديقه الشّاعر نسيب عريضة المعنْون بـ “الأرواح الحائرة”.
ومنعًا للالتباس أو تزكية للأمانة والتّوثيق، يشرع في الكشف عن وجه الشّبَه القريب بينهما، ويُفصح بنبرة تأكيد على أنّ المشترك بينهما يقف وينتهي في آنٍ عند حدود العنوان نفسه، ولا يتعدّاه- أي أنّ ضفادع قصيدة الشّاعر نسيب عريضة شيء، وضفادع مقال ميخائيل نُعيْمة شيء آخر تمامًا، وما مِنْ نَسَب ووشائِج بينهما إلّا فِعْل النّقيق لا غير. فإنْ كانت ضفادع الأوّل تخصّ المستنقعات، فضفادع الثّاني كاتب المقال تخصّ البشريّة.
وبالنّظر إلى تعدّد أصناف الضّفادع البشريّة، يحصرها نُعيْمة في نوع واحد وفصيلة بعيْنها وهي ما يدعوه بـ”ضفادع الأدب”. وفي سياق اختياره للعنوان يعرض أسبابًا أخرى تقف كمُسوّغ وراء التّسمية الّتي لا يروم منها تحقيرًا لجنس الضّفادع كمخلوقات، بل لأنّ نعت “النّقيق” المخصوص بالضّفادع هو المقصود، كصورة للضّجّة الفارغة الّتي تَنتُج عن بعض النّاس- بعض ممتهني حرفة الأدب- وهنا أصل التّشبيه.
ينتقل بعدها لوصف نوع هذه الضّفادع وتنوّعها أيضًا، وهي ملازمة للإنسان بشكل عامّ منذ أن وُجد أو منذ أن وُجِدت اللّغة بالأحرى على حدّ قوْل نُعيْمة، ويسُوق لذلك ما يشبه حكاية اليوم الأسْود الّذي نطق فيه أوّل بشريّ بكلمة “نعم”، بدل أن يشير إلى ذلك كالسّواد العامّ بِهَزّ الرّأس أو الكتفيْن، وهو الأمر المُشين الّذي يشبه سقوط قنبلة في مستنقع “ضفادع الأدب” من معسكر العدوّ، إذ أنّ زعيمهم الّذي سيتمزّع غيظًا صاح عندها: “واق واق واق”. وهي بمثابة خطبة مشهودة دَقّ فيها ناقوس الرّعب، ونبّه إلى الخطر الّذي يتهدّدُ اللّغة المسلّمة إليهم كهديّة من الآباء، ومن ثمّة ضرورة تسليمها للأبناء والأحفاد نقيّة كما هي دون دنَس. ولأنّ من نطق بكلمة “نعم” تلك الغريبة والثّقيلة قد خالف سماع وأعراف مستنقع الضّفادع، فالخوف كلّ الخوف أن تنتقل العدوى إلى آخَر يجيب بجوابه نفسه، وهو أنْ ينطق الكلمة بلسانه بدل إشارة هزّ الرّأس أو الكتفين. وبذلك تتّسع وتتفشّى إلى آخَرين، ولأنّها الرّكاكة الدّخيلة فلا بدّ من معاقبته درءًا لزرْع الفوضى والمساس بقُدسيّة اللّغة وقواعدها الثّابتة، لذلك وجب فيه حكم النّار والإحراق باعتباره مُفسِدًا. وهذا ما تداعى له الجمْع بالنّقيق وترديد جملة الحُكم: “البدار البدار إلى جمع ما يُلقيه هذا المفسِد من البذار وحرقه بالنّار” (ص 92).
وبعد هذا اليوم الاستثنائيّ، مياه كثيرة مرّت تحت الجسر- لم تَعُد هناك لغة واحدة، إذ شهد تاريخ البشريّة أكثر من تَحوُّل تشعّبت معه اللّغات وتعدّدت بحسب تطوّر البشريّة نفسها. ويُرجِع ميخائيل نُعيْمة تقلّب اللغة إلى تقلّب الإنسان، إذ أنّه هو من أوجدَها وليست هي من أوجدته، ولهذا كان من الطّبيعيّ أن تتغيّر بتغيّر أطواره هو. وهذا ما يُعيبه نُعيْمة على “ضفادع الأدب”، إذ يقلِبون الآية ويجعلون الأديب مجرّد آلة في يد اللّغة، يتكيّف بها ولا يكيّفها، ويصير معها كعبْد ذليل وهي السّيّدة.
ووفقًا لذلك، فإنّ كلّ من حاول الخروج عن هذا الاتّفاق والإجماع بمحاولة تدبير هذه الآلة لصالح عاطفته واستعمال كلمة لم يسبق استعمالها، أو اشتقاق لفظ غريب عن القاموس، أو حتّى رسم صورة أو مجاز لم يسبق أن رسمه شاعر سالف، قامت له الضّفادع بالضّجّة نقيقًا من جديد “واق واق واق”، أي ما معناه “لقد خرّبْتَ آلتنا الجميلة- اللّغة”! ومشكلة هؤلاء أنّهم متشبّثون بالجمود والانغلاق، إذ ينصّبون أنفسهم حرّاسًا ومسؤولين عن الأدب، ومهمّتهم هي إبقاء القديم على قِدَمِه، وهذا ما يناقض قانون الحياة ذاتها والأشياءِ.
يقدّم نعيمة أمثلة في ها السّياق، منها أنّ اللّغة الّتي نتداولها اليوم في المجلّات والجرائد وكلّ المنابر ليست هي نفسها لغة حِمْير ومُضَر وتَميم وقريْش، وأنّ شاعرًا كبيرًا كالمتنبّي لو نظَم قصائده بلغة أصحاب المعلّقات لكان جميلًا، لكن ليس بالقوّة الحيّة نفسها للغته ولِمَا خلّفه فيها إلى يومنا هذا. والأمر نفسه بالنّسبة لأبي العلاء المعرّيّ لو كتب بلغة رسائله ما كتبه في شِعره لَمَا خلّف لنا “غيرُ مُجد في ملّتي واعتقادي”، وقِس على ذلك شعراء الأندلس وموشّحاتهم.
وهذا دليل على تقلّبات اللّغة العربيّة وتطوّرها، وهي ما تزال لغة تواصُل وخَلق وإبداع، رغم أنّها كلّما خطت خطوة في تاريخها وأضيف إليها، قامت لها الضّفادع بالنّقيق وهكذا… ولهذا كلّه يشبّه ميخائيل نُعيْمة اللّغة بالشّجرة الوارفة الّتي تبدّل أغصانها اليابسة بالخضراء، وفي هذا سرّ موت الكثير من اللّغات: بابليّة وآشوريّة وفينيقيّة ومصريّة وغيرها. وهنا يطرح نُعيْمة سؤال المقال المركزيّ: علامَ وَقوَقة الموَقْوِقين في كلّ الأقطار العربيّة؟ ويعني الحرب الدّائرة في كلّ جرائد سورية حول تهذيب الألفاظ باستناد أصحابها إلى الزّمخشريّ أو الثّعالبيّ في التّفويض باستعمال بعض الألفاظ وعدم الإجازة باستعمال أخرى. وفي مصر بات هؤلاء يترصّدون للقصائد والمقالات للعثور على هذا الغريب من الكلمات والتّراكيب، ممّا يخالف ذوقهم بالذّات ويحتكمون في ذلك إلى القواميس لتسفيهها وينْبَرون لها بالنّقيق. وهذا ما صدر من كاتب مصريّ تحاشى نُعيْمة ذكر اسمه وجّه انتقادًا لاذعًا لقصيدة “المواكب” لـجبران خليل جبران والّتي تمثّل شعر المَهجر، بناء على كلمة “تحمّم” في البيت: هل تحمّمت بعطر/ وتنشّفت بنور.
والجريمة أنّ “تحمّم” ليست قاموسيّة بل “استحمّ”. والإقبال على الكلمة الجديدة سيجعلها جزءًا من لغتنا، ويجعل من الأخرى مضمحلّة. وهنا يتساءل نُعيْمة بأيّ شريعة سرمديّة كان للأوائل حقّ في اشتقاق ألفاظ اندمغت في قاموس اللّغة كـ”استحمّ” وهم أَعْراب وبدو في عصرهم، وممنوع على شاعر معروف في هذا العصر ذات الاشتقاق. أمّا الافتراض بأنّ الشّاعر أخطأ وارتكب هفوة، فالّذين كتبوا وأبدعوا وارتكبوا هكذا اشتقاقات هم أضعاف مضاعفة عن الّذين كتبوا، وهم أوفياء للقواعد صرفيّة كانت أو نحويّة، بل إنّ من عاب على أكبر فطاحلة اللّغة هفواتهم سقط نفسه في هفوات، عابه عليها آخرون وإبراهيم اليازجي مثال على ذلك.
على هذه الخلفيّة يؤسّس ميخائيل نُعيْمة لفرضيّة المقال الصّلبة والرّئيسة ويصوغها كالتّالي: “في الأدب العربيّ اليوم فكرتان تتصارعان: فكرة تحصر غاية الأدب في اللّغة، وفكرة تحصر غاية اللّغة في الأدب. وجليّ أنّ نقطة الخلاف هي الأدب نفسه أو القصد منه”. فأصحاب الفكرة الأولى لا يرَوْن في الأدب إلّا بيانه وعروضه وقواعده وصرْفه ونحوه، يصير معها أميرًا للشّعراء كلُّ من كان وفيًّا لقوالبها قافية ورويًّا باستعمال المألوف من صورها ومجازاتها… وبالتّالي فإنّ مقياس الحُكم على الأدب في نظرهم يمرّ عبر اللّغة في ثوابتها وأصولها، وأيضًا في قاموسها القديم. ومن هنا ينظرون في هذا الأدب إلى كيف قيل.
أمّا أصحاب الفكرة الثّانية فينظرون إلى ما قيل أوّلًا مرورًا إلى كيف قيل، ويهمّ في المقام الأوّل تلك العواطف والأفكار والصُّوَر ليكون هذا الأدب أدبًا. ومن هنا فالفكر أهمّ من لغة المفكّر والأديب، لأنّها لباس لهذا الفكر المرتجى منه أن يكون لباسًا جميلًا، وإن كان رثًّا ولو لبِسَ هذا الفكرَ الجليل فلن يُذهب قوّته، وإن كان سيحطّ قليلًا من قدْره.
ولأنّ الفكر كائن قبل اللّغة كما يقول نُعيْمة، والعاطفة قبل الفكر فهما الجوهر وهي القشور، أي أنّه مهما حاولتِ اللّغة ترجمة هذه الأفكار والعواطف فلن يكون بشكل كامل ونهائيّ وشامل، بل لا بدّ أن يكون ذلك في صيغة رموز واستعارات متروكة للقراءة بين السّطور “ما تقرؤه بين السّطور هو أفصح وأبلغ وأعمق وأوسع ممّا تقرؤه في السّطور” (ص 102).
لذلك فإنّ الشّاعر لا يخلق الشّيء من اللّاشيء، بل يوقظ بأصابعه وصوره عواطف خفيّة في القلوب، وأفكارًا ليبصرها القارئ فيحسبها أفكارَ الشّاعر، بينما هي أفكاره هو نفسه في الأصل. وما فعله الشّاعر هو إيقاظها، وجعَلَ القارئ يراها بشكلها ذاك.
وأنْ يقرأ أربعةُ أشخاص القصيدة نفسها، لا بدّ أن يختلف وقعُها على الأوّل إلى الرّابع. وهو اختلاف في قراءة ما بين سطورها، أو هو ممّا لم يفصح عنه الشّاعر إلّا رمزًا، وكلّ واحدٍ قام بتأويله على طريقته. وهذا لأنّ اللّغة ليست سوى مستودع رموز وهذا ما لا تدركه “ضفادع الأدب”، وهذا لا يقتصر على اللّغة، بل هناك وسائل تفصح بها البشريّة عن عوامل الحياة فيها، بمعنى الطّريقة والأسلوب. ويتساءل نُعيْمة: “فهل بينكم مَن إذا حاك له حائك عباءة من الصّوف رماه بالكفر والتّمرّد والعصيان، إذ رآه يحوك بعدها عباءة من حرير وعلى غير النّول الّذي حاك عليه عباءة الصّوف؟” (ص 104).
ويخْلص في صيغة تأكيد آخَر أنّ لا قيمة للرّمز في ذاته، وأنّ قيمة اللّغة هي فيما ترمز إليه من عاطفة وفكر وليس في ذاتها، لذلك فالغاية من استعمالها كرمز هو الجدير بالغيرة وليس المغالاة في العناية بها وحبّها، أي أنّ الحرص على اللّغة لا يجب أن ينسي القصد منها. والقوْل بكمال اللّغة هو عمليًّا القول بتأليه الأَعْرابِ الّذين انحدرَتْ منهم، وبذلك تستحيل الإضافة إليها، والنّتيجة أن يتمّ تكسير الأقلام لعدم جدوى الكتابة، وما من سبيل إلى تطويرها ما دامت هذه اللّغة كاملة!
هكذا تدرّج ميخائيل نعيمة من العامّ إلى الخاصّ، وهو بذلك ينهج منهجًا استنباطيًّا وحجاجيًّا، إذ مَهر خطابه بكلمة حاسمة مكثّفة؛ أكّدت موضوع أنّ الأفكار والعواطف سابقة على اللّغة ولها كيان مستقلّ غير كيان اللّغة، إذ هي أوّلًا واللّغة ثانيًا. فالعالَم كان وما يزال يحتكم في تجدّده إلى العاطفة والفكر، بينما كانت اللّغة وما تزال مستودعًا من رموز يُرمز بها وتعبّر وتُفصِحُ عن هذا الفكر وهذه العاطفة.
ولأنّ الشّعراء والكتّاب هم واضعو هذه الرّموز، فمن الطّبيعيّ أن يغيّر أيّ شاعر وكاتب خلاّق في المألوف منها، بإضافة جديد من دون أن يستدعي الأمر القلق والخوف، كما يروّج لذلك نقيق “ضفادع الأدب” الّذين لا يدركون كلّ هذه الحقائق الّتي تهدفُ إلى إضافة قِيمة جديدة للأدب. فمن طبيعة الضّفادع النّقيق، ومن طبيعة الحياة ومنها الأدب الامتثال لقوى تتجاوز الضّفادع ونقيقها معًا.
ويختم نُعيمة مقاله بما يشبه النّصيحة والموعظة والنّذير أيضًا: “عليكم أن تحلّوا الرّموز وعليكم أن تقرأوا ما بين السّطور. فويلٌ لكاتب لا يقرأ النّاسُ بين سطوره سطورًا وويلٌ لقارئ لا يقرأ مِنَ الكلام إلّا حروفه” (ص 106).
المصدر ضفة ثالثة